قمة الصلب العربى.. صناعة الصلب من الاقتصاد إلى الأمن القومى
على مدار يومين، وبدعوة كريمة من الاتحاد العربى للحديد والصلب، تشرفت بحضور فعاليات «قمة الصلب العربى» فى دورتها التاسعة عشرة، التى تناولت واقع الصناعة العربية، وما تواجهه من تحديات، والفرص المتاحة أمامها فى ظل المتغيرات الاقتصادية والتجارية التى يشهدها العالم.
القمة برئاسة المهندس أحمد عز رئيس مجلس إدارة الاتحاد العربى للحديد والصلب، شهدت نقاشات معمقة ومكثفة تناولت واقع ومستقبل الاقتصادات العربية فى ظل اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية وسياسات الحماية التجارية المتصاعدة، وقد حملت الفعاليات رسائل استراتيجية شديدة الأهمية والدقة، فى كلمته المهمة خلال افتتاح أعمال القمة، أكد المهندس أحمد عز أن صناعة الصلب هى صناعة أمن قومى، فلا جيش بلا صلب، ولا سفن أو ذخائر أو بنية تحتية دون هذه الصناعة الاستراتيجية، مشيرًا إلى أن الأزمات والاضطرابات العالمية والإقليمية المتلاحقة أثبتت أن سلاسل الإمداد قد تنقطع فى أى لحظة، وهو ما يطرح سؤالًا منطقيًّا يستحق التوقف أمامه: كيف يمكن للدول أن تضمن أمنها الاقتصادى واستقلال قرارها إذا لم تمتلك قاعدة صناعية قادرة على تلبية احتياجاتها الاستراتيجية؟ فالدول التى لا تملك زمام صناعتها الثقيلة، تظل دائما وأبدا رهينة للتقلبات الجيوسياسية ولضغوط سلاسل الإمداد الخارجية.
الحرب العالمية الثانية (1939–1945) قدمت لنا شاهدًا تاريخيًا واضحًا على الأهمية الاستراتيجية لصناعة الحديد والصلب، إذ استهدفت العمليات الجوية للحلفاء عددًا من المجمعات الصناعية الكبرى باعتبارها جزءًا من القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الحربى، ففى ألمانيا تعرضت مصانع كروب بمدينة إيسن، أحد أهم مراكز إنتاج الصلب والتسليح، لغارات جوية مكثفة، أبرزها في يومى 5 و6 مارس 1943، ثم تجدد استهدافها فى 25 أكتوبر 1944، بينما استهدفت الولايات المتحدة مجمع ياهاتا للحديد والصلب فى اليابان فى 15 يونيو 1944، باعتباره أحد المراكز الرئيسية لإنتاج الصلب، والذى كان يمثل نحو 24% من إنتاج اليابان من الصلب المدرفل، كما تعرضت مصانع شووا للصلب بمدينة أنشان فى منشوريا لثلاث غارات أمريكية فى 29 يوليو و8 سبتمبر و26 سبتمبر 1944، هذه الوقائع التاريخية تؤكد أن صناعة الصلب ركيزة أساسية من ركائز القوة الشاملة للدول، وعنصرًا حاسمًا فى حماية أمنها القومى واستقلال قرارها الاستراتيجى.
أما الرسالة الثانية فى كلمة المهندس أحمد عز، فقد حملت مقاربة مهمة للمستقبل، وتطرقت إلى إشكالية عربية تاريخية، وأجابت عن سؤال تاريخى يتعلق بتعثر جهود التكامل الاقتصادى العربى التى دائما ما تصطدم بالعقبات الإدارية والسياسية عند محاولة تجميع كافة القطاعات دفعة واحدة، فقد طرح سؤالًا يستحق التوقف أمامه: «هل نواصل العمل كأسواق متفرقة يسهل اختراقها واحدة تلو الأخرى، أم نبنى سوقًا عربية واحدة للصلب، سوقًا محمية ومتكاملة؟». المهندس أحمد عز وضع يده على بيت الداء، لكنه فى الوقت نفسه قدم العلاج والدواء. قطاع الصلب مرشح بقوة ليكون قاطرةً للتكامل الاقتصادى العربى، هو تطبيق لنهج «التكامل العملى والتطبيقى عبر القطاعات الاستراتيجية»، حيث تبدأ السوق المشتركة من صناعة حيوية واحدة ثبت نجاحها، لتصبح حجر الزاوية الذى تبنى عليه بقية المحاور الاقتصادية المشتركة. صناعة الصلب هى المدخل الأكثر عملية لاختبار قدرة العرب على الانتقال من فكرة التكامل الاقتصادى إلى ممارسته الفعلية، فالتكامل ليس بالضرورة أن ينطلق من اتفاق شامل، وإنما قد يكون الحل السحرى له أن يبدأ بقطاع استراتيجى ناجح، تتبعه قطاعات أخرى، وصولًا إلى سوق عربية أكثر ترابطًا وقدرة على المنافسة والتأثير فى الاقتصاد العالمى.
لذلك، فإن حماية هذا القطاع -الذى نتمتع فيه بأفضلية نسبية مصريًّا وعربيًّا- من أخطار إغراق المنتجات المستوردة والفوائض، تعد ضرورة حتمية وواجبًا وطنيًّا. وكما وصف المهندس عز هذه الإشكالية بليغًا بقوله: «لا نريد أن يأتى يومٌ تنطبق فيه علينا الحكمة التراثية: أُكِلت أكبرُ أسواقنا يوم أُكِلَ أصغرُها.. فكيف يتأتى أن نحمى أنفسنا فرادى، والعالمُ يُخرجنا من أسواقه جماعة؟» فى إشارة إلى خطورة استهداف الأسواق والصناعات الوطنية بصورة متدرجة، بينما تتعامل الأسواق العالمية مع مصالحها الصناعية بمنطق التكتلات لا الجهود المنفردة. لذا، فإن حماية الصناعة الوطنية تبدأ من الداخل، لكنها تحتاج أيضًا إلى موقف عربى منسق يحافظ على الأسواق والقدرات الإنتاجية ويعزز فرص المنافسة.