بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

من يصنع الوعي؟

ليس كل من يتبعه الملايين جديرا بأن يتقدم الصفوف، وليس كل من غاب عن الأضواء غائبًا عن صناعة المستقبل. أثار لقاء وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان مع عدد من صناع المحتوى والمؤثرين سؤالًا يتجاوز أسماء المدعوين وصور الحاضرين، ليمس جوهر علاقتنا بالمعرفة، ومعاييرنا في اختيار من يتصدرون المشهد العام، هل أصبح عدد المتابعين جواز المرور إلى مجالس الدولة، أم أن للكفاءة والوعي والمسؤولية مكانًا لا تستطيع الأرقام أن تحل محله. لا أرى خطيئة في أن يجلس الوزير إلى المؤثرين؛ فالزمن تغير، ومن الحكمة أن تصغي الدولة إلى لغة الأجيال الجديدة. لكن الحكمة لا تكتمل بمجرد الإصغاء، وإنما تتجلى في قدرتها على التمييز بين من يملك مجرد حضور، ومن يستحق شرف التأثير في عقول الناس ووجدانهم.
فالشهرة، مهما اتسعت، ليست شهادة صلاحية فكرية، والانتشار ليس مرادفا للتأثير. قد يضحك الملايين أمام مقطع عابر، بينما يغير معلم مجهول مصير مئات التلاميذ، ويمنح طبيب مغمور الحياة لمرضاه، ويضيء باحث صامت طريقًا لمستقبل وطن. فأي هؤلاء أحق بأن نطلق عليه لقب المؤثر؟!. المؤلم في المشهد ليس الحضور، بل غياب المعيار المعلن الذي يفسر الاختيار. فحين تستقبل مؤسسة رسمية وجوها بعينها، فإنها لا تمنحها مقاعد حول مائدة فحسب، بل تمنحها قدرا من الاعتراف المعنوي. وهنا تصبح الشفافية واجبا، لا ترفا، ويصبح السؤال عن الغائبين مشروعا بقدر السؤال عن الحاضرين. ثم إن مصر، بتاريخها الثقافي والصحفي العريق، لا ينقصها من يعرف كيف يجذب الأنظار، بقدر ما تحتاج إلى من يعرف كيف يوقظ العقول. وليس المطلوب أن نحارب الترفيه أو نصادر البهجة، وإنما أن نرفض اختزال قيمة الإنسان فيما تحصده صفحته من إعجابات.
ولعل ما أثير خلال اللقاء من اتهامات عامة بحق الصحافة يكشف مأزقًا أعمق، أن امتلاك المنبر لا يعني امتلاك الحقيقة، وأن سهولة الكلام لا تعفي صاحبه من مسؤولية ما يقول. والصحافة ليست مهنة يمكن اختصار تاريخها في تعميم جارح أو اتهام مرسل. والأجدر بنا، ونحن نمد جسور التواصل مع المؤثرين، أن نلتفت إلى ما يعانيه إعلامنا من أزمة ثقة وتراجع في التأثير، وأن ننشغل بإصلاح جوهر الرسالة الإعلامية قبل البحث عن بريق الشهرة وأصحابها. فالإعلام لا يستعيد مكانته باستعارة جماهير الآخرين، ولا يسترد ثقة الناس بالاحتماء بأرقام المتابعين، وإنما بمضمون يحترم العقول، ومهنية تصون الحقيقة، وحرية تمنح الكلمة صدقها وتأثيرها. إن أزمة الإعلام ليست في قلة من يشاهدونه، بل في تراجع الأسباب التي تدفع الناس إلى تصديقه؛ فالذي يفقد ثقة جمهوره لن تعيدها إليه شهرة المؤثرين، مهما اتسعت دوائر حضورهم.
معالي الوزير، ليست مهمتك أن تمنح الشهرة أعترافا جديدا، بل أن تفتح أمام المعرفة طريقا إلى الناس؛ أن تجمع العالم بمن يجيد تبسيط علمه، والمثقف بمن يمتلك لغة الشباب، والصحفي بمن يعرف اسرار المنصات. عندئذ يصبح اللقاء مشروعا لصناعة الوعي، لا مجرد احتفاء بصناع الرواج. إن الدول لا تتقدم حين تكتشف أصحاب المتابعين، بل حين تكتشف أصحاب المواهب، ثم تمنحهم الفرصة كي يسمع صوتهم. فالأوطان لا تبني مستقبلها بمن يملؤون الشاشات، وإنما بمن يتركون في العقول نورا، وفي الضمائر اثرا، وفي الحياة معنى. ولعل السؤال الذي يستحق أن يغادر به الجميع قاعة اللقاء ليس كم مليونًا يتابعون هؤلاء؟، بل كم عقلا أصبح أكثر وعيا بفضلهم؟.