بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

أرواح بلا حماية

الفاتورة الخفية للاقتصاد غير الرسمي فى مصر

 

 

في برودة الفجر ، وقبل أن تتبدد عتمة الطريق على محور الضبعة، كانت سيارة نقل مكشوفة تشق طريقها حاملة فوق صندوقها الحديدي البارد عشرات العمال الزراعيين الباحثين عن لقمة عيش طاهرة لأسرهم. لم تكن تلك الشاحنة سوى صندوق موت متنقل، انتهى به المطاف إلى انقلاب مفجع أودى بحياة نحو اثني عشر عاملاً بريئاً، وترك آخرين يصارعون عاهات مستديمة تبدل مجرى حياتهم وحياة أسرهم للأبد. ولم تكد دموع هذه الفاجعة تجف حتى ضربت كارثة أخرى مدينة الإسكندرية، حيث خطف الموت ثلاث : زهرات مريم، وعزيزة، ومريم، في حادث أليم وهنّ يهرولن خلف أرزاقهن البسيطة. هذه الحوادث الدامية على طرق البحيرة والمنوفية والصعيد ليست سوى حلقات في سلسلة متصلة لعمال يُحشرون في الشاحنات كالأمتعة، ضحايا لبيئة عمل تفتقر لأدنى مقومات الأمان.

هذا النزيف المستمر على الأسفلت ومواقع الإنتاج يمثل الفاتورة الخفية والباهظة للاقتصاد غير الرسمي في مصر، وهو قطاع ضخم يضم ملايين الكادحين بعيداً عن أي عيون رقابية أو عقود تحميهم. وتكشف إحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ومنظمات العمل الدولية عن أرقام مفزعة لحجم هذا القطاع الذي يستوعب نسبة هائلة من القوى العاملة المصرية دون مظلة تأمينية أو صحية. ومن خلف الأرقام، تتعدد صور الموت المجاني؛ بدءاً من سقوط السقالات المتهالكة في قطاع المقاولات العشوائي، ومروراً بنقل عمال الزراعة والموسميين في شاحنات ربع نقل غير مجهزة، وصولاً إلى اختناق عمال آخرين داخل مصانع غير مرخصة أو بيارات صرف صحي دون أدوات وقاية. هذه الفواجع ليست قدراً محتوماً، بل هي انعكاس لخلل هيكلي وتراخٍ مؤسسي ألقى بالطبقات الأكثر فقراً في مهب الريح.

وتتعدد الأسباب التي تجعل العامل المصري عرضة لهذه المخاطر المميتة، وفي مقدمتها غياب عقود العمل الرسمية وانعدام الرقابة الفعالة على بيئة العمل، فضلاً عن تعمد بعض شركات المقاولات وأصحاب الأعمال توفير النفقات عبر التخلي عن أدوات الوقاية الأساسية كالألواح والخوذات وحبال الأمان. وتأتي وسائل النقل العشوائية لتكمل هذه الدائرة الظالمة، إذ يُكدس العمال في مساحات مكشوفة تُسند قيادتها أحياناً لفتية صغار يعبثون بالسرعة على طرق إقليمية خالية من الإنارة والفواصل السليمة.

ولا شك أن هذه الدماء تخلف آثاراً كارثية مدمرة على المستويين الإنساني والاجتماعي. ففي البيوت البسيطة، يعني رحيل المعيل الوحيد أو عجزه انهيار الأسرة بأكملها، وانزلاق الأبناء إلى مهاوي الفقر الشديد، مما يجبر الصغار على مغادرة مقاعد الدراسة مبكراً للنزول إلى سوق العمل الشاق، وتوريث حلقة الحرمان عبر الأجيال. أما على الصعيد الوطني والاقتصادي، فإن استنزاف طاقات البشر يوهن هيكل الإنتاج، ويضاعف الأعباء على قطاعي الصحة والرعاية الاجتماعية، ويترك آثاراً سلبية عميقة على بيئة الاستثمار والعمل في مصر.

هذا التدهور لم يحدث فجأة ، بل تفاقمت الأزمة بسبب تعامل الجهات المسؤولة مع هذه الحوادث بمنطق الحالات الفردية ، دون فرض عقوبات رادعة ومغلظة على المقاولين وأصحاب الأعمال المتورطين في الإهمال. إلى جانب ذلك، يعاني جهاز التفتيش العمالي من شح فادح فى الأفراد يمنعه من تغطية آلاف المصانع ومواقع البناء، ناهيك عن الغياب التام لشبكة نقل عامة وآمنة تليق بكرامة العمالة الزراعية، وهو تقاعس يستند إلى ميراث قديم اعتبر إجراءات السلامة رفاهية زائدة.

إن وقف هذا النزيف المتواصل يستلزم ثورة حقيقية في السياسات والإجراءات تتجاوز الحلول المسكنة، وتبدأ بفرض رقابة صارمة وحملات تفتيش مفاجئة على جميع مواقع الإنتاج، وتغليظ العقوبات الجنائية والمادية والمصادرة الفورية للمركبات المخالفة. كما بات حتمياً تسريع دمج العمالة غير المنتظمة في مظلة التأمين الصحي والاجتماعي الشامل، وتفعيل أدوار صندوق حماية العمالة غير المنتظمة لتقديم الدعم المالي الفوري وأمان المعيشة لأسر الضحايا، بالتوازي مع الاستفادة من التكنولوجيا ومنصات التسجيل الرقمي لتتبع حقوقهم. ويتطلب الأمر أيضاً تقديم حوافز ضريبية وتسهيلات إدارية لدمج القطاع غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي، إلى جانب قرار حاسم بحظر نقل البشر في سيارات البضائع المكشوفة، وإلزام أصحاب المزارع والشركات بتوفير حافلات نقل جماعي مجهزة تخضع لفحص فني دوري صارم، وتطوير شبكات الطرق الزراعية وتزويدها بالإنارة والعلامات الإرشادية، لتصبح ثقافة السلامة المهنية هي الركيزة الأساسية لبناء مجتمع عادل واقتصاد إنساني مستدام.