بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

اللحوم المزروعة في المختبر.. من وعود إنقاذ العالم إلى تعثر الصناعة والإفلاس

البرجر المصنوع
البرجر المصنوع

بعد أكثر من 13 عامًا على ظهور أول برجر مصنوع من خلايا حيوانية مستنبتة في المختبر، لا تزال صناعة اللحوم المزروعة تبحث عن طريقها إلى الأسواق، وسط تحديات تتعلق بتكاليف الإنتاج والتمويل والتوسع الصناعي، فضلاً عن صعوبة إقناع المستهلكين بقبول منتجات تختلف طريقة تصنيعها عن اللحوم التقليدية.

وكشفت تجربة صحفية للجارديان البريطانية، والتي امتدت بين مراكز الأبحاث والشركات الأمريكية، عن التباين بين الوعود الكبيرة التي صاحبت انطلاق هذه الصناعة والواقع الذي تواجهه، بعدما تعثرت مشروعات استثمارية بارزة، وأعلنت شركة «بيليفر ميتس» إفلاسها قبل تشغيل مصنعها الضخم في ولاية كارولاينا الشمالية، في تطور أثار تساؤلات حول مستقبل القطاع.

برجر تاريخي يطلق ثورة اللحوم المستنبتة

شهدت لندن في 5 أغسطس 2013 تقديم أول برجر مصنوع من خلايا ماشية زُرعت في المختبر، في تجربة أشرف عليها العالم الهولندي مارك بوست، أستاذ علم وظائف الأوعية الدموية بجامعة ماستريخت. واستغرق إنتاج البرجر عامين، بتكلفة بلغت 250 ألف يورو، بتمويل من سيرجي برين، الشريك المؤسس لشركة جوجل.

واعتمدت التجربة على استخلاص خلايا جذعية من عضلة كتف بقرة حية، ثم تنميتها داخل حاويات تحتوي على مصل مشتق من أجنة الأبقار، حتى تحولت إلى نحو 20 ألف خيط نسيجي جُمعت لتكوين قطعة برجر واحدة تزن 140 جرامًا.

واستهدف المشروع تقديم بديل للحوم التقليدية يقلل الاعتماد على تربية الماشية، وما تتطلبه من مساحات شاسعة من الأراضي وكميات كبيرة من المياه والأعلاف، إلى جانب الانبعاثات البيئية المرتبطة بالإنتاج الحيواني.

 وتوقع بوست أن يصبح الطلب العالمي على اللحوم أكبر من قدرة الأنظمة التقليدية على تلبيته، ما يجعل الاستزراع الخلوي خياراً محتملاً لمواجهة تحديات الغذاء والمناخ.

تذوق أول برجر يكشف تحديات النكهة والقوام

استضافت استوديوهات ريفرسايد في لندن حفل تقديم البرجر، بحضور نحو 200 صحفي، بينما تابع آلاف المشاهدين الفعالية عبر البث المباشر. 

وتقاسم البرجر شخصان، هما الكاتب جوش شونوالد وعالمة التغذية النمساوية هاني روتزلر، بعدما تولى الطاهي ريتشارد ماكغيون إعداده.

وأظهرت التجربة أن المنتج لم يكن قد وصل إلى مستوى اللحوم التقليدية من حيث النكهة والدهون والقوام. 

ووصف شونوالد مذاقه بأنه يقع بين برجر نباتي شهير وبرجر ماكدونالدز، مشيراً إلى أن غياب الدهون أثر في التجربة، بينما رأت روتزلر أن النكهة تحتاج إلى مزيد من التطوير.

ورغم الملاحظات، توقع بوست أن تتحول اللحوم المستنبتة إلى منتج استهلاكي خلال عشر سنوات، وهو ما شجع شركات عديدة على دخول المجال، حتى وصل عددها إلى نحو 140 شركة في ست قارات، مع استثمارات قُدرت بنحو 3 مليارات دولار.

الاستثمارات تتراجع وسط عقبات الإنتاج والجدل السياسي

روجت الشركات العاملة في المجال للحوم المستنبتة باعتبارها وسيلة محتملة لمواجهة تغير المناخ وانعدام الأمن الغذائي، فضلاً عن الحد من الأمراض الحيوانية المنشأ وتقليل الاعتماد على المضادات الحيوية في تربية الحيوانات.

لكن القطاع اصطدم بتكاليف مرتفعة لإنشاء المصانع وتشغيلها، واستهلاك كميات كبيرة من الطاقة، وصعوبة إنتاج كميات تجارية بأسعار تنافس اللحوم التقليدية، إلى جانب نقص العمالة المؤهلة للتعامل مع التقنيات الجديدة.

وتراجعت الاستثمارات بعد وصولها إلى ذروتها في عام 2021، ولم يتمكن القطاع من جمع أكثر من 177 مليون دولار عالمياً في عام 2023. 

كما واجهت الصناعة اعتراضات سياسية في عدد من الولايات الأمريكية، من بينها فلوريدا وألاباما وميسيسيبي وإنديانا ومونتانا ونبراسكا وتكساس، حيث اتجهت السلطات إلى فرض حظر على إنتاج اللحوم المستنبتة أو بيعها.

كارولاينا الشمالية تراهن على إحياء الصناعة

حاولت ولاية كارولاينا الشمالية تعزيز موقعها في قطاع البروتين المستدام، بعدما تبرع جيف بيزوس في مايو 2024 بنحو 30 مليون دولار لإنشاء مركز متخصص في البروتين المستدام بجامعة ولاية كارولاينا الشمالية، بهدف تطوير منتجات غذائية صديقة للبيئة وصحية ولذيذة وبأسعار مناسبة.

وتزامن ذلك مع بدء شركة «بيليفر ميتس» إنشاء مصنع في مدينة ويلسون، على مساحة تبلغ 200 ألف قدم مربع، قالت الشركة إنه سيكون من أكبر منشآت إنتاج الدجاج المستنبت عالمياً، مع قدرة مستهدفة تصل إلى 9.5 مليون كيلوجرام سنوياً.

وحصلت الشركة في سبتمبر 2025 على رسالة موافقة من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، أشارت إلى عدم وجود مخاوف تتعلق بسلامة منتجاتها خلال المراجعة. لكن المشروع واجه أزمة مالية بعدما طالبت شركة «غراي كونستركشن»، المسؤولة عن أعمال البناء، بمستحقات بلغت 34 مليون دولار، عقب تعثر «بيليفر» في سداد دفعة بقيمة 22 مليون دولار.

وانتهت الأزمة بإعلان إفلاس الشركة وإغلاق المصنع قبل إنتاج أي قطعة دجاج، لتتحول المنشأة التي استهلك بناؤها استثمارات ضخمة إلى مثال على المخاطر المرتبطة بالتوسع الصناعي قبل التأكد من جاهزية التكنولوجيا والقدرة على تشغيلها تجارياً.

المفاعلات الحيوية تطور الإنتاج لكن القوام يظل تحدياً

انتقلت صناعة اللحوم المستنبتة من التجارب المحدودة داخل أطباق المختبر إلى استخدام مفاعلات حيوية ضخمة مصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ، تشبه المعدات المستخدمة في مصانع الجعة.

 كما اتجه المنتجون إلى استخدام أوساط غذائية خالية من مصل دم الأبقار، بهدف تقليل التكلفة وتجاوز الاعتماد على مكونات حيوانية مشتقة من المسالخ.

وتبدأ العملية باستخلاص خلايا جذعية من حيوان حي، ثم تغذيتها بمحاليل تحتوي على الجلوكوز والفيتامينات والدهون والمعادن والبروتينات والأحماض الأمينية، داخل مفاعلات توفر بيئة مناسبة لانقسام الخلايا وتكاثرها. وقد تستغرق العملية من أسبوعين إلى ثمانية أسابيع، بحسب نوع الحيوان والخلايا المستخدمة.

لكن إنتاج قطعة لحم متماسكة لا يزال من أبرز التحديات، إذ تُزرع العضلات والدهون عادة بصورة منفصلة، ثم تُخلط بمكونات أخرى لتحسين النكهة والقوام، قبل تشكيلها في صورة برجر أو ناجتس أو كرات لحم أو فيليه، باستخدام تقنيات البثق والطباعة ثلاثية الأبعاد.

أزمة الثقة وتكاليف الإنتاج تضغطان على الشركات الناشئة

لم تتوقف محاولات تطوير المنتجات، إذ واصلت شركات مثل «ميشن بارنز» العمل على إنتاج دهون الخنزير المستنبتة، وحصلت على موافقة وزارة الزراعة الأمريكية على أحد منتجاتها، بينما شملت منتجاتها المطورة لحم الخنزير المقدد والبيبروني وكرات اللحم والنقانق.

وأوضحت إدارة الشركة أن الوصول إلى الربحية يتطلب خفض تكاليف الإنتاج بسرعة، مشيرة إلى أن امتلاك التكنولوجيا لا يعني بالضرورة القدرة على تحقيق توقعات المستثمرين أو الوصول إلى الأسواق بأسعار مناسبة.

كما برزت مشكلة أخرى تتمثل في تراجع الثقة بعلوم الغذاء، وسط الجدل السياسي بشأن الأطعمة المصنعة. وأشار مسؤولون في الشركة إلى أن هذا المناخ يمكن أن يضيف عقبة جديدة أمام قبول المستهلكين للحوم المستنبتة، رغم أن بعض منتجات القطاع تستهدف تقليل استخدام المضادات الحيوية وتجنب تربية الحيوانات بأعداد كبيرة.

تذوق اللحوم المستنبتة يطرح سؤالاً حول قبول المستهلك

أظهرت تجارب التذوق أن تحسين النكهة لا يضمن بالضرورة تقبل المنتج، إذ وصف أحد المشاركين في تجربة لبديل نباتي للسلمون مذاقه بأنه قريب من السمك الحقيقي، لكنه شعر بالنفور عند التفكير في طريقة تصنيعه ورائحته وقوامه.

وفي تجربة أخرى، تناول الكاتب كرة لحم مصنوعة من خلايا دهون الخنزير المستنبتة، بعد خلطها بالبروتين النباتي. ووجد أن مذاقها لم يكن سيئاً، ووصف نكهتها بأنها متبلة وغنية بالأوريجانو، لكنه لم يخفِ شعوره بخيبة الأمل والنفور، بعدما استحضر تفاصيل عملية الإنتاج ومصدر الخلايا الحيوانية.