الدين وأثره فى تشكيل الهوية
التدين الصحيح صمام أمان لكل شىء، ونراه من أهم الضوابط إن لم يكن أهمها على الإطلاق فى توجيه سلوك البشر وتصرفاتهم، ولا ينكر عاقل أو منصف أن الدين بصفة عامة أحد أهم عوامل بناء الشخصية وتشكيل الهوية، وأن الفهم الصحيح للدين يسهم بقوة فى بناء شخصية إيجابية بناءة، وأن الفهم الخاطئ للدين، أو الانحراف عن الأديان كلية يؤدى إلى خلل فى تكوين الشخصية بقدر الانحراف عن صحيح الدين، أو قدر الفهم الخاطئ له، بما قد يصل إلى درجات بعيدة من السلبية أو الهدم، أو العقد النفسية المدمرة لصاحبها أو للمجتمع أو لهما معًا.
فالدين فطرة الله التى فطر الناس عليها، حيث يقول الحق سبحانه: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}.
فلم يخلق الله (عز وجل) الناس ولا الكون عبثًا ولا هملًا، حيث يقول سبحانه: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ}، إنما خلقهم لغاية حددها سبحانه وتعالى، حيث يقول فى كتابه العزيز: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}.
فالأديان السماوية كلها جاءت لسعادة البشرية وصلاحها واستقامتها، يقول الحق سبحانه مخاطبًا نبينا محمدًا (صلى الله عليه وسلم): {طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى}، فالأديان قائمة على جلب المصالح للعباد والبلاد ودرء المفاسد عنها، ومن القواعد المقررة أنه حيث تكون المصلحة المعتبرة فثمة شرع الله (عز وجل)، يقول الإمام الشاطبى (رحمه الله): المعلوم من الشريعة أنها شرعت لمصالح العباد، فالتكليف كله إما لدرء مفسدة، وإما لجلب مصلحة، أو لهما معًا.
ويقول (رحمه الله): إن الشرائع إنما جىء بها لمصالح العباد، فالأمر والنهى والتخيير جميعًا راجعة إلى حظِّ المكلف ومصالحه، لأن الله (عز وجل) غنى عـن الحظوظ، منزه عن الأغراض.
فرسالة الأديان والرسل هى هداية الخلق، وإقامة الحق والعدل، ونشر الهدى والنور ومكارم الأخلاق، وتحقيق الرحمة للعالمين فى الدنيا والآخرة، حيث يقول الحق سبحانه: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}، ويقول سبحانه: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِى الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ}.
وعندما نبحث عن الهدف الأسمى لرسالة خاتم الأنبياء والمرسلين نجد أنه يقوم على ركيزتين أساسيتين: الأولى هى الرحمة، حيث يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم): (إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ)، وهى أخص خصوصيات رسالة نبينا (صلى الله عليه وسلم)، أما الركيزة الثانية فهى الأعم، وتتضمن الأولى وتدعمها وتؤكدها، حيث يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم): (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ).
وقد أجمعت الشرائع السماوية على ما فيه خير البشرية، وما يؤدى إلى سلامة النفس والمال والعقل والعرض، وقيم: العدل، والمساواة، والصدق، والأمانة، والحلم، والصفح، وحفظ العهود، وأداء الأمانات، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، وبر الوالدين، وحرمة مال اليتيم، هى مبادئ إنسانية عامة لم تختلف عليها الشرائع السماوية، ولم تنسخ فى أى شريعة منها، حيث يقول الحق سبحانه: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِى هِى أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ».
الأستاذ بجامعة الأزهر