كنوز الوطن
«ترامب» فى فخ الكونجرس.. ماذا بعد؟
لم تكن انتخابات التجديد النصفى الأمريكية مجرد استحقاق انتخابى عابر، بل جاءت بمثابة اختبار سياسى واسع للرئيس دونالد ترامب، وكشفت عن تحول لافت فى اتجاهات الناخب الأمريكى، بعدما نجح الحزب الديمقراطى فى انتزاع السيطرة على مجلسى النواب والشيوخ، فى ضربة سياسية تضع الإدارة الأمريكية أمام مرحلة مختلفة تمامًا من الحسابات.
الرسالة الأهم فى هذه النتائج أن الوصول إلى البيت الأبيض لا يعنى امتلاك تفويض مفتوح لإدارة الدولة دون رقابة أو مساءلة. فالناخب الأمريكى، وفقًا للمؤشرات الأولية للنتائج، أعاد رسم موازين القوى داخل واشنطن، وفتح الباب أمام معادلة سياسية جديدة عنوانها: رئيس جمهورى وكونجرس تسيطر عليه المعارضة الديمقراطية.
وتبدو معضلة ترامب أكثر تعقيدًا من مجرد خسارة حزبه للأغلبية البرلمانية، فالرجل الذى اعتاد فرض إيقاعه على الحزب الجمهورى، وتقديم نفسه باعتباره مركز الثقل السياسى فى الولايات المتحدة، سيجد نفسه أمام كونجرس يمتلك أدوات دستورية ورقابية مؤثرة، بداية من التحقيقات البرلمانية والاستدعاءات، مرورًا بمناقشة الموازنات والتشريعات، وصولًا إلى قدرة مجلس الشيوخ على تعطيل أو رفض عدد من الترشيحات والتعيينات.
لكن من الخطأ الاعتقاد أن هذه النتيجة تعنى نهاية نفوذ ترامب أو تجريده من سلطاته، فالرئيس الأمريكى لا يزال يمتلك صلاحيات تنفيذية واسعة، وحق الاعتراض على التشريعات، كما أن تمرير القوانين الكبرى يظل محكومًا بتوازنات معقدة داخل الكونجرس، وقواعد التصويت، وإمكانية استخدام حق النقض الرئاسى.
وهنا تبدأ المعركة الحقيقية، هل يتجه ترامب إلى المواجهة المباشرة مع الديمقراطيين، أم يختار سياسة التفاوض وتقديم التنازلات لتجنب شلل المؤسسات الأمريكية؟ وهل يستطيع الحزب الديمقراطى تحويل مكاسبه الانتخابية إلى برنامج سياسى قادر على معالجة الأزمات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، أم سيكتفى بتوظيف الأغلبية الجديدة فى محاصرة الإدارة الجمهورية؟
واللافت أن هذه الانتخابات تحمل أيضًا رسالة إلى الحزب الجمهورى نفسه، فارتباط مستقبل الحزب بشخصية واحدة، مهما بلغت شعبيتها داخل قواعده، يفتح تساؤلات حول قدرته على تجديد قياداته وصياغة مشروع سياسى يتجاوز الحسابات الشخصية، خاصة مع اقتراب الاستعدادات المبكرة لمعركة الرئاسة فى 2028.
أما على المستوى الدولى، فإن انقسام السلطة فى واشنطن قد يضيف مزيدًا من التعقيد إلى ملفات السياسة الخارجية والتجارة والحروب والعلاقات الدولية. فالعالم لا يتعامل مع رئيس أمريكى فقط، وإنما مع مؤسسات وتوازنات داخلية تؤثر فى استمرارية القرارات وقدرة الإدارة على تنفيذ تعهداتها.
بالنسبة لمصر والمنطقة العربية، تظل متابعة هذا التحول مهمة لفهم اتجاهات السياسة الأمريكية المقبلة، ومدى انعكاس التجاذبات الداخلية فى واشنطن على ملفات الشرق الأوسط والأمن الإقليمى والعلاقات الاقتصادية والاستراتيجية.
فى النهاية، تكشف الانتخابات الأمريكية حقيقة سياسية مهمة: الديمقراطية لا تمنح الحاكم شيكًا على بياض، والأغلبية قد تتغير، وموازين القوى لا تبقى ثابتة. أما ترامب، فهو أمام اختبار يتجاوز الحفاظ على نفوذه الشخصى، اختبار إدارة دولة تنقسم مؤسساتها سياسيًا، ويصبح فيها التوافق ضرورة، لا مجرد خيار.
فهل يستطيع «ترامب» تحويل معضلة الكونجرس إلى فرصة لإعادة ترتيب أوراقه، أم أن العامين المقبلين سيشهدان صراعًا مفتوحًا يعيد رسم مستقبل السياسة الأمريكية؟