يا خبر!
الشارقة تصنع الحكايات
صباح الأربعاء الماضى حضرت حفل افتتاح الدورة الـ 45 من معرض الشارقة الدولى للكتاب فى دولة الإمارات العربية المتحدة، ومنذ أكثر من عشر سنوات أحرص على حضور فعاليات هذا المعرض، الذى يعد واحدا من أكبر وأهم معارض الكتاب حول العالم.
الشاهد أن كل دورة بها الجديد وتحمل طابعها الخاص، وتكمن أهمية هذا المعرض فى كونه التظاهرة الثقافية الأبرز ضمن المشروع الثقافى الكبير لإمارة الشارقة والتى تحظى بعناية وو دعم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمى، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الذى اعتبر الثقافة فى حد ذاتها مشروعا قوميا سياسيا للإمارة، فكما نعلم لكل دولة وإمارة مشروعها، والشارقة اختارت أن يكون مشروعها بناء من نوع آخر، ليس ناطحات سحاب ولكنه يطال السحاب، إنه بناء الإنسان.
حملت دورة هذا العام شعار «من صُنع الحكايات»، لتعيد التأثير العميق للكلمة المكتوب فى صياغة التاريخ الإنسانى وبناء الجسور بين الحضارات والشعوب.
أشار حفل الافتتاح إلى مكانة الإمارة التى صارت واحدة من العواصم العالمية للمحتوى المعرفى وحاضنة رئيسية لصناعة النشر.
وألقت الشيخة بدور بنت سلطان القاسمى، رئيسة مجلس إدارة هيئة الشارقة للكتاب، كلمة ملهِمة استحضرت فيها البدايات الأولى التى مهدت لهذا الصرح المعرفى العظيم، وتحدثت عن تفاصيل الطفولة ونقاشات العائلة حول الكتب، وكيف رُسمت ملامح المدينة الجامعية على رمال الشارقة لتتحول اليوم إلى منارة أكاديمية عظمى، مشيرةً إلى قصص الناشرين الأوائل الذين وجدوا فى الشارقة التشجيع والدعم الحقيقى للعودة والاستمرار، وأكدت الشيخة بدور من خلال هذه المشاهد الإنسانية كيف اتسعت العلاقة بالقراءة من جدران البيت الصغير لتصبح مشروعاً ثقافياً وطنياً وعالمياً تتوارثه الأجيال بكل فخر واعتزاز.
من جانبه اعتاد حاكم الشارقة، فى كل دورة جديدة للمعرض الإعلان عن حدث مصاحب أو إنجاز معرفى وهذه المرة وهو يفتتح هذه الدورة أعلن عن إطلاق «جائزة هارون الرشيد الدولية فى العلوم والآداب والفنون والإعلام»، وجاء هذا الإعلان بموجب مرسوم أميرى ينظم هذه الجائزة التى تستهدف دعم العلماء، والأدباء، والمفكرين، والمبدعين فى مجالات الإعلام والفنون من شتى أنحاء العالم، لتعزيز الابتكار والبحث المعرفى الرصين، ولتضاف الجائزة إلى السجل الحافل للمبادرات التى ترعاها الشارقة لتكريم الفكر الإنسانى البنّاء والمتميز عالمياً.
أما عن ضيف شرف هذه الدورة فحدث ولا حرج عن سلطنة عُمان ذات الخصوصية بين دول الخليج العربى، والتى حلت ضيف شرف مميزا احتفاء بأمة تتميز بإرثها الأدبى العريق وتقاليدها الثقافية النابضة بالحياة، وإسهاماتها الراسخة فى الفكر والإبداع العربى، ويضم برنامج ضيف الشرف جدولاً حافلاً يتضمن 16 جلسة ثقافية و6 ورش عمل للأطفال، إلى جانب 20 عرضاً فنياً وموسيقياً شعبياً يعبر عن أصالة التراث العُمانى. ويشارك فى هذه التظاهرة أكثر من 50 ضيفاً عُمانياً بينهم 41 كاتباً وشاعراً، يتقدمهم الروائى زهران القاسمى، والدكتور محمد اليحيائى، والشاعر حسن المطروشى.
ومن المغرب جاءت شخصية العام لهذه الدورة وهو الناقد والباحث الأكاديمى المغربى الدكتور سعيد يقطين، تقديراً لإسهاماته الاستثنائية فى تطوير الدراسات السردية العربية، وجهوده البحثية الرائدة فى مجالات النقد الأدبى والنظرية السردية والأدب الرقمى، حيث يعتبر الدكتور يقطين من أبرز العلماء العرب الذين سعوا إلى تجديد مناهج دراسة النصوص المعاصرة وربط الأدب بالتحولات التكنولوجية الرقمية الحديثة.
يؤكد معرض الشارقة الدولى للكتاب من عام إلى عام أن الإيمان بالثقافة وتقدير الكتاب مشروع رابح لا محالة ورهان لا يخسر، فها هى الشارقة تستثمر فى الثقافة وتبنى فى العقول وتنجح تجربتها بل وتجعلها رائدة، فيكفى أن نلتقط عيناك مشهدا لجحافل البشر وهم يتجولون بشوق بين أروقة المعرض الممتد من 4 وحتى 15 نوفمبر الجارى، بمشاركة قياسية تبلغ 3,212 ناشراً وعارضاً يمثلون 126 دولة من مختلف أنحاء العالم. ويحمل العارضون معهم ما يزيد على 1.7 مليون عنوان بلغات متعددة تغطى كل مجالات المعرفة.
فى الشارقة الآن قرابة 1500 فعالية ثقافية وإبداعية وفنية، بمشاركة نخبة من ألمع الكتّاب والمفكرين العرب والأجانب، ما يحول المناسبة من مجرد معرض للكتاب إلى موسم للشغف عند أهل الشارقة بل والإمارات السبع، شغف يشغل الكبار والصغار، وينتقل من جيل إلى جيل يصنع حكايات جديدة للمستقبل.