فى الحومة
رحيل سويلم غياب لا يعوض
يبقى الموت هو الحقيقة اليقينية فى الوجود التى لم يختلف عليها أحد، وهو الحقيقة الوحيدة التى تتساوى فيها الخطى والقدر المحتوم الذى لا يستثنى أحدًا، وهنا نتوقف أمام عبثية الحياة حين ندرك أن هذه الرحلة مؤقتة وأن الأيام مهما طالت قصيرة تبدأ غشاوة الغفلة بالتساقط وهى منبه روحانى يذكر الإنسان بأن وقته على هذه الأرض محدود، وزحمة الحياة اليومية قد تستنزف أعمارنا فى تفاصيل تافهة وخلافات عابرة وسعى خلف سراب زائل، وهنا تأتى هيبة الموت لتصفع قلوبنا معيدةً ترتيب أولوياتنا لا الأموال التى تجمع ولا المناصب تدوم، بل يبقى الأثر الطيب والكلمة الطيبة فالحياة لن تستمر إلى الأبد وهنا يبقى الونس البشرى هو ما يضفى على الحياة معنى عميقًا للوجود ولو الإنسان عاش وحيدا فى هذه الدنيا لأحس بوحشة وخوف، فالانسان كائن اجتماعى يألف ويؤتلف وفى هذه الحياة حين يغيب عنا عزيز ندرك فجأة سخافة الكثير من الخلافات التى استنزفت أيامنا ونكتشف أن ما يبقى حقًا ليس ما جمعناه من حطام الدنيا، بل ما يزرع فى قلوب الآخرين من حب وأثر طيب، ولقد كان رحيل الصديق العزيز محمد سويلم فاجعة كبيرة ألمت بأهله وأصدقائه، ومحبيه فلقد كان طيب القلب نقيا متسامحا جريئا شجاعا جسورا كريما وفيا يحب الناس ويألفهم لين الجانب صلدا قويا فى الحق لا يلين له جانب، محبًّا للوفديين عاشقا للوفد لم يسعَ لمنصب أو جاه داخل الحزب ولم يطلب يوما من الأيام مقعدا نيابيا وهو قطب من أقطاب الوفد ومن أسرة وفدية عريقة كانت كل معاركه لصالح الحزب وليس له مصالح شخصية فيها، وكان من أشرس الرجال فى محاربة الفساد المالى والدفاع عن حقوق الحزب المالية ولم يكن يرغب فى دخول انتخابات الهيئة العليا السابقة. منذ أيام اتصلت به فى اليوم الثالث للتقديم لسؤاله عن تأخره فى التقديم فأخبرنى بعدم رغبته فى التقديم لهذه الانتخابات وظللت معه قرابة الساعتين لكى أثنيه عن هذا القرار لأنه من أقطاب الوفد ووجوده مهم وهو من الأركان الأساسية فى الحزب، ولم يكن محمد سويلم مجرد صديق، كان نعم الأخ طيب المعشر وفيا لا يترك أسبوعا إلا واتصل بى واطمأن على أسرتى، كان الملاذ الآمن حين تضيق بنا السبل لقد علمنا أن الأخوة الحقيقية لا تصنعها قرابة الدم بل تصنعها المواقف والصفاء والنقاء واليد التى تجدها ممدودة إليك حين تميل بك الحياة، وكم تبادلنا همومنا وأفراحنا ورحيله ليس مجرد غياب لشخص بل هو انتزاع لجزء من الروح وطى لصفحة عزيزة من كتاب العمر، ورحيله ترك فى الروح فراغاً لا تسده الكلمات التي تقف عاجزة عن التعبير عن وجع الفقد وسلام على روحك الطاهرة وطبت فى جنات الخلد.