كيف يواجه المجتمع حملات الشائعات والتضليل الإلكتروني؟
في ظل التطور المتسارع لوسائل الاتصال وانتشار المنصات الرقمية، لم تعد الشائعات والأخبار المفبركة مجرد معلومات مغلوطة يجري تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بل تحولت إلى أدوات للتأثير في اتجاهات الرأي العام ومحاولة توجيه قناعات المواطنين وإثارة حالة من الارتباك داخل المجتمعات، خاصة في أوقات الأزمات والتوترات الإقليمية والدولية.
ومع تزايد الاعتماد على المنصات الإلكترونية باعتبارها مصدرًا رئيسيًا للحصول على الأخبار والمعلومات، أصبحت سرعة انتشار المحتوى المضلل تمثل تحديًا حقيقيًا، لا سيما مع استخدام تقنيات حديثة في صناعة الصور ومقاطع الفيديو المفبركة، وإعادة تدوير أخبار قديمة وتقديمها باعتبارها أحداثًا جديدة، فضلًا عن اجتزاء التصريحات وإخراج الوقائع من سياقها بهدف التأثير في إدراك الجمهور وتشكيل مواقفه تجاه القضايا المختلفة.
وفي مواجهة هذه التحديات، يبرز وعي المواطن المصري وقدرته على التمييز بين المعلومات الصحيحة والمحتوى المضلل باعتبارهما عنصرين أساسيين في حماية المجتمع من محاولات إثارة البلبلة والتشكيك، خاصة الحملات التي تستغل التطورات الخارجية والأحداث الإقليمية لإنتاج روايات غير دقيقة تستهدف الأوضاع الداخلية.
ولم تعد المواجهة تقتصر على إصدار بيانات النفي أو تصحيح المعلومات بعد انتشارها، وإنما أصبحت تتطلب بناء ثقافة مجتمعية قائمة على التفكير النقدي والتحقق من المصادر قبل تصديق الأخبار أو إعادة نشرها.
وعي المصريين بمخاطر التضليل يتجاوز 95%
وتكشف استطلاعات المراكز البحثية، وفقًا للبيانات الواردة في المادة، عن ارتفاع مستوى إدراك المصريين لمخاطر التضليل الإلكتروني إلى أكثر من 95%، في مؤشر يعكس تنامي الانتباه المجتمعي إلى خطورة الشائعات والأخبار الزائفة التي تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وإدراك أهمية التعامل بحذر مع المعلومات المتداولة، خاصة تلك التي تصدر عن حسابات مجهولة أو منصات لا تستند إلى مصادر موثوقة.
ولا يقتصر هذا الوعي على رفض الأخبار الكاذبة أو عدم تصديقها، وإنما يمتد إلى إدراك الأساليب التي تعتمد عليها حملات التضليل في التأثير على الجمهور، من خلال تضخيم بعض الأحداث، أو اجتزاء التصريحات، أو إعادة صياغة الوقائع بصورة تخالف حقيقتها، بما يؤدي إلى تكوين انطباعات غير دقيقة لدى المواطنين بشأن القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
كما يعكس هذا الإدراك أهمية التمييز بين النقد الموضوعي الذي يستند إلى معلومات ووقائع قابلة للتحقق، وبين المحتوى المصطنع الذي يستغل الأزمات لتضليل الجمهور وإثارة المخاوف، وهو ما يجعل الوعي الإعلامي والرقمي ضرورة مجتمعية وليس مجرد مهارة إضافية لدى مستخدمي الإنترنت.
113% ارتفاعًا في معدلات الشائعات خلال النصف الأول من 2026
وفي مؤشر على تصاعد خطورة الظاهرة، أشار تقرير المركز الإعلامي لمجلس الوزراء بشأن الشائعات خلال النصف الأول من عام 2026 إلى ارتفاع معدلات الشائعات بنسبة 113% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، موضحًا أن الشائعات المرتبطة بالتطورات الإقليمية استحوذت على 57.3% من إجمالي الشائعات المرصودة.
وتعكس هذه الأرقام، وفقًا للتقرير، حجم ارتباط حملات التضليل بالتطورات والأزمات الخارجية، حيث تتحول الأحداث الإقليمية إلى مادة خصبة لإنتاج معلومات غير دقيقة وإعادة تداول روايات تفتقر إلى الأدلة، في محاولة للتأثير على تصورات المواطنين بشأن ما يحدث في المنطقة وانعكاساته على الداخل المصري.
وتكمن خطورة هذه الحملات في أنها لا تعتمد بالضرورة على اختلاق الأخبار بصورة كاملة، وإنما قد تستند إلى معلومات حقيقية يجري تحريفها أو اقتطاع أجزاء منها، أو استخدام صور ومقاطع فيديو قديمة وربطها بأحداث جارية، بما يمنح المحتوى المضلل قدرًا من المصداقية الظاهرية ويزيد فرص انتشاره بين المستخدمين.
ومع التطور الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبحت صناعة المحتوى المزيف أكثر سهولة وانتشارًا، سواء من خلال تركيب الصور أو إنتاج مقاطع فيديو تحاكي الواقع أو تقليد أصوات الشخصيات العامة، وهو ما يفرض تحديات جديدة أمام المواطنين والمؤسسات الإعلامية في التحقق من صحة المواد المتداولة.
كما تساهم خوارزميات المنصات الرقمية في سرعة انتشار بعض أنواع المحتوى، خاصة المنشورات المثيرة للجدل أو التي تعتمد على العناوين الصادمة، الأمر الذي يجعل المستخدم أمام سيل متواصل من المعلومات التي قد تختلط فيها الحقائق بالادعاءات، ويزيد من أهمية التأكد من تاريخ نشر المادة ومصدرها وسياقها قبل التعامل معها باعتبارها حقيقة مؤكدة.
ومن هنا تبرز ضرورة عدم الاكتفاء بمشاهدة الصور أو مقاطع الفيديو باعتبارها دليلًا على صحة الواقعة، وإنما البحث عن مصدرها الأصلي ومقارنتها بما تنشره المؤسسات الإعلامية الموثوقة، إلى جانب استخدام أدوات التحقق الرقمي عند التعامل مع المواد المشكوك في صحتها.
التحقق من المعلومات مسؤولية مشتركة
وفي إطار مواجهة انتشار الشائعات، تبرز أهمية الجهود الرامية إلى تعزيز الوعي الإعلامي والرقمي لدى المواطنين، وتشجيعهم على الرجوع إلى المصادر الرسمية والموثوقة، وعدم الانسياق وراء الحسابات مجهولة الهوية أو العناوين المثيرة التي تستهدف جذب الانتباه وإثارة الخوف والقلق دون تقديم أدلة واضحة.
ولا تقتصر مسؤولية التصدي للتضليل على المؤسسات الحكومية أو وسائل الإعلام وحدها، بل تمتد إلى المؤسسات التعليمية والمجتمع المدني ومختلف فئات المواطنين، من خلال نشر ثقافة التحقق والتفكير النقدي، وتعريف المستخدمين بكيفية اكتشاف الأخبار المفبركة والتعامل مع المحتوى الرقمي بصورة واعية.
ويمثل الإعلام المهني عنصرًا مهمًا في هذه المواجهة، من خلال سرعة تقديم المعلومات الدقيقة، وتوضيح الحقائق المرتبطة بالأحداث، وتصحيح المعلومات المغلوطة، مع إتاحة مساحة للنقاش الموضوعي الذي يستند إلى البيانات والأدلة، بما يعزز ثقة الجمهور في المعلومات ويساعد على الحد من انتشار الروايات غير الدقيقة.