أستاذ علوم سياسية: "أيباك" تتحكم في مسارات القرار الأمريكي.. وأجندة واشنطن تجاه إسرائيل ثابتة رغم تغير الإدارات
في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وتصاعد التوترات الإقليمية واتساع دائرة الصراعات السياسية والعسكرية، يظل الموقف الأمريكي تجاه إسرائيل أحد أبرز الملفات المثيرة للجدل، خاصة في ظل التساؤلات حول مدى استقلالية القرار الأمريكي، وحقيقة تأثير جماعات الضغط الموالية لإسرائيل في رسم توجهات السياسة الخارجية والاقتصادية لواشنطن.
وبينما تتغير الإدارات الأمريكية وتتبدل الانتماءات الحزبية بين الديمقراطيين والجمهوريين، تظل طبيعة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية محل اهتمام واسع، في ظل استمرار الدعم السياسي والاستراتيجي لإسرائيل، وهو ما يفتح الباب أمام نقاشات بشأن دور المؤسسات ومراكز النفوذ وجماعات الضغط في الحفاظ على ثوابت هذه العلاقة، ومدى قدرة أي إدارة أمريكية جديدة على إحداث تحول حقيقي في مسارها، خصوصًا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والتطورات المتلاحقة في غزة ولبنان وسوريا وإيران.
منظمة أيباك
وفي هذا السياق، كشف الدكتور رامي عاشور، أستاذ العلوم السياسية، عن حجم التأثير الذي تمارسه جماعات الضغط الموالية لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، وعلى رأسها منظمة «أيباك»، مؤكدًا أنها تمتلك نفوذًا واسعًا يمتد إلى دوائر صنع القرار السياسي والاقتصادي الأمريكي، مشيرًا إلى أن هذا التأثير لا يقتصر على المؤسسات التشريعية والسياسية فحسب، وإنما يمتد إلى مؤسسات رئيسية ومراكز مؤثرة في الاقتصاد الأمريكي، من بينها البنك الفيدرالي الأمريكي.
وأضاف عاشور، أن السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل تستند إلى أجندة استراتيجية ثابتة، لا تتأثر بصورة جوهرية بتغير الحزب الحاكم في البيت الأبيض، سواء كان ديمقراطيًا أو جمهوريًا، موضحًا أن هناك ثوابت تحكم العلاقة بين البلدين، تجعل من الصعب على أي إدارة أمريكية اتخاذ مواقف من شأنها الإضرار بالمصالح الاستراتيجية الإسرائيلية.
وأشار أستاذ العلوم السياسية إلى أن الاختلاف بين الإدارات الأمريكية لا يعني بالضرورة حدوث تغيير في جوهر السياسة تجاه إسرائيل، وإنما قد يقتصر على الأدوات والوسائل المستخدمة في تنفيذ الأهداف، لافتًا إلى أن الدعم الأمريكي لإسرائيل يرتبط باعتبارات مؤسسية واستراتيجية تتجاوز حدود التنافس الحزبي والانتخابي.
وأوضح عاشور أن إسرائيل ستعمل على استغلال الفترة الانتقالية الممتدة حتى 3 يناير 2027، لممارسة أكبر قدر من الضغوط السياسية والدبلوماسية من أجل تمرير أهدافها الإقليمية، مشيرًا إلى أن هذه الأهداف تشمل توسيع النشاط الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية، والتوسع في جنوب لبنان وسوريا، فضلًا عن السعي إلى توجيه ضربة عسكرية لإيران.
وأكد أن المرحلة المقبلة قد تشهد تحركات إسرائيلية مكثفة على أكثر من جبهة، في ظل سعي تل أبيب إلى استثمار الظروف السياسية والإقليمية لتحقيق أكبر قدر من المكاسب، مستفيدة من ثبات الدعم الأمريكي وعدم وجود مؤشرات واضحة على حدوث تحول جذري في طبيعة العلاقات بين الجانبين.
السياسة الخارجية الأمريكية
وشدد أستاذ العلوم السياسية على أن التعويل على تغير جذري في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه إسرائيل بمجرد وصول إدارة جديدة إلى السلطة يُعد رهانًا غير واقعي، موضحًا أن محددات السياسة الأمريكية في هذا الملف ترتبط بأجندة مؤسسية ومصالح استراتيجية ممتدة، وليس فقط بالانتماء السياسي للحزب الذي يتولى الحكم.
وفيما يتعلق بالخلافات السياسية الداخلية في إسرائيل، لفت عاشور إلى أن التباينات بين اليمين واليسار الإسرائيلي تتراجع بصورة ملحوظة عندما يتعلق الأمر بالقضايا التي تعتبرها تل أبيب ملفات وجودية، وعلى رأسها قطاع غزة وإيران، موضحًا أن هذه الملفات تمثل نقاط التقاء بين مختلف التيارات السياسية الإسرائيلية، رغم اختلاف مواقفها في العديد من القضايا الداخلية.
وأضاف أن المصالح المرتبطة بالعقيدة الصهيونية تظل عاملًا حاسمًا في توحيد المواقف الإسرائيلية تجاه الملفات الاستراتيجية والأمنية، وهو ما يجعل الخلافات الحزبية والسياسية أقل تأثيرًا عندما يتعلق الأمر بالأهداف الكبرى التي تسعى إسرائيل إلى تحقيقها في المنطقة.
واختتم عاشور تصريحاته بالتأكيد على أهمية قراءة السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل من منظور مؤسسي واستراتيجي أوسع، وعدم اختزالها في مواقف الرئيس أو الحزب الحاكم، باعتبار أن فهم مراكز النفوذ وجماعات الضغط ومحددات المصالح الأمريكية يمثل مدخلًا أساسيًا لفهم مستقبل التحركات الإسرائيلية وتداعياتها على منطقة الشرق الأوسط.