بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

الأحكام الفقهية المتعلقة بالمصارف

الإفتاء تكشف أسرار ضبط الفتاوى المصرفية.. من البحث إلى الرقابة والذكاء الاصطناعي

بوابة الوفد الإلكترونية

استعرضت دار الإفتاء المصرية أحدث آليات البحث الفقهي وتوثيق الفتاوى والرقابة الشرعية على المعاملات المصرفية، وذلك ضمن فعاليات دورة «الأحكام الفقهية المتعلقة بالمصارف»، التي تستهدف تأهيل طلاب إندونيسيا علميًّا وتطبيقيًّا، وتعريفهم بالضوابط الشرعية الحاكمة للمنتجات والخدمات المالية الحديثة، وذلك في إطار جهودها لتطوير العمل الإفتائي ومواكبة المستجدات المالية والتكنولوجية. 

وشهدت الدورة مناقشة ثلاثة محاور رئيسية تتعلق بمهارات البحث في النوازل المالية، وتطوير منظومة أرشفة الفتاوى والتحول الرقمي، فضلًا عن دور الرقابة الشرعية في ضمان توافق العمليات المصرفية مع أحكام الشريعة الإسلامية، بمشاركة نخبة من المتخصصين في العلوم الشرعية والاقتصادية.

الإفتاء: فهم المعاملة يسبق إصدار الفتوى المصرفية

وفي محاضرة بعنوان «مهارات البحث الفقهي في الفتاوى المصرفية المعاصرة»، أكد فضيلة الأستاذ الدكتور رمضان الصاوي، نائب رئيس جامعة الأزهر الشريف، أن البحث في الفتاوى المصرفية المعاصرة يبدأ بالفهم الدقيق لحقيقة المعاملة وآليات تنفيذها، قبل النظر في حكمها الشرعي، مشددًا على أن تصوير النازلة وتكييفها الفقهي يمثلان الأساس الذي تُبنى عليه الفتوى الصحيحة.

وأوضح أن الباحث مطالب بإلحاق المعاملات المصرفية بأصولها وعقودها المعروفة، مثل البيع والإجارة والمشاركة والمضاربة والوكالة والاستصناع، أو دراسة العقود المستحدثة والتحقق من استيفائها ضوابط الصحة ومقاصد الشريعة، لافتًا إلى أن التعامل مع المنتجات المالية الحديثة يتطلب الجمع بين المعرفة بالأحكام الشرعية وفهم المصطلحات الاقتصادية واللغة المصرفية المعاصرة.

وشدد نائب رئيس جامعة الأزهر على ضرورة التكامل بين المتخصصين في الشريعة والخبراء الماليين والاقتصاديين، بما يضمن استيعاب طبيعة المنتجات والخدمات المصرفية قبل إصدار الأحكام المتعلقة بها، إلى جانب الاستعانة بالمعايير الشرعية المعتمدة، ومنها معايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، وقرارات المجامع الفقهية المعاصرة.

وحذر من الاكتفاء بالنظر الشكلي إلى العقود والصيغ القانونية، مؤكدًا أهمية البحث في مقاصد المعاملات وآثارها الاقتصادية، منعًا لاتخاذ بعض الصيغ المصرفية ستارًا للحيل الربوية أو المعاملات المشتملة على الغرر الفاحش.

كما دعا إلى تطوير برامج تدريبية تجمع بين علوم الشريعة والعلوم المالية والإدارية، وتعزيز الاجتهاد الجماعي والاستفادة من قواعد البيانات والمكتبات الفقهية الإلكترونية، مع التزام الباحث بالأمانة العلمية والتجرد من الضغوط التجارية، وإعمال قواعد التيسير ورفع الحرج دون مخالفة الأحكام الشرعية القطعية.

كيف تحفظ دار الإفتاء ذاكرتها العلمية؟

ومن جانبه، تناول فضيلة الدكتور محمود شلبي، مدير الإدارة العامة للمراجعة الشرعية بدار الإفتاء، في محاضرة بعنوان «آليات وطرق أرشفة الفتاوى»، الأهمية العلمية والمؤسسية لتوثيق الفتاوى وحفظها، مؤكدًا أن الأرشيف الإفتائي يمثل ذاكرة المؤسسة العلمية، ويساعد على استرجاع المعالجات الشرعية للمسائل المتكررة والمستجدة.

وأوضح أن أرشفة الفتاوى تسهم في تحقيق الاتساق بين الأحكام والحد من التعارض في الإجابات الإفتائية، فضلًا عن اختصار الوقت والجهد وتيسير عمل المفتين والباحثين، مشيرًا إلى أهمية اعتماد تصنيف منهجي يقوم على تقسيم الفتاوى وفق الأبواب الفقهية، مع تخصيص أبواب للمستجدات المالية والطبية والرقمية.

واستعرض مدير الإدارة العامة للمراجعة الشرعية أهمية الفهرسة الدقيقة باستخدام الكلمات المفتاحية والدلالية، وربط كل فتوى ببياناتها الأساسية، التي تشمل السؤال والإجابة والسند الشرعي والمذاهب المعتمدة واسم المفتي وتاريخ إصدار الفتوى، بما يضمن سهولة الوصول إلى المعلومات واسترجاعها.

وأكد أن التحول من الأرشفة الورقية إلى قواعد البيانات والأنظمة الرقمية يمثل خطوة أساسية لتطوير منظومة التوثيق، شريطة وضع ضوابط صارمة لأمن المعلومات وحماية خصوصية المستفتين، ولا سيما في القضايا التي تتضمن بيانات شخصية أو مسائل حساسة.

ولفت إلى أهمية تدريب الكوادر البشرية على أسس التصنيف الفقهي والتوثيق العلمي، وإنشاء وحدات متخصصة للأرشفة داخل المؤسسات الإفتائية والبحثية، إلى جانب الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي وأنظمة البحث الذكي لاسترجاع الفتاوى وربطها بالنصوص والمراجع ذات الصلة.

الرقابة الشرعية على المصارف

وفي سياق متصل، استعرض فضيلة الدكتور محمد إبراهيم البلتاجي، خبير الاقتصاد الإسلامي والمصارف الإسلامية، في محاضرة بعنوان «الرقابة الشرعية ودورها في المصارف»، طبيعة منظومة الرقابة الشرعية واختصاصاتها في فحص معاملات المؤسسات المالية وعقودها ومنتجاتها، والتحقق من توافقها مع أحكام الشريعة الإسلامية وخلوها من المخالفات، وفي مقدمتها الربا والغرر والتعامل في الأنشطة المحرمة.

وأكد أن الرقابة الشرعية منظومة مهنية مستقلة، وأن استقلال الهيئة الشرعية عن الإدارة التنفيذية للمصرف يمثل ضمانة أساسية لحيادية قراراتها، موضحًا أن هيكلها التنظيمي يشمل الهيئة المعنية بإصدار الفتاوى واعتماد الضوابط الشرعية للمنتجات والخدمات قبل طرحها، إلى جانب إدارة التدقيق والرقابة الداخلية التي تتولى متابعة تنفيذ القرارات وفحص العمليات المصرفية داخل الفروع.

وأوضح خبير الاقتصاد الإسلامي أن الرقابة الشرعية تمر بثلاث مراحل متكاملة، تبدأ بالرقابة السابقة، التي تتضمن دراسة فكرة المنتج المصرفي وصياغة عقوده ونماذجه والتحقق من توافقها مع الأحكام الشرعية قبل طرحه، ثم الرقابة المصاحبة التي تتابع إجراءات التنفيذ وتوقيع العقود والقبض والتملك الفعلي للسلع، بما يمنع الوقوع في صور البيع غير المستوفية لشروطها.

وتأتي المرحلة الثالثة، وهي الرقابة اللاحقة، وتشمل مراجعة القوائم المالية وحسابات الأرباح والخسائر، والتحقق من عدالة توزيع الأرباح بين المودعين والمساهمين، فضلًا عن معالجة الإيرادات غير المشروعة من خلال تطهير الأرباح وفق الضوابط الشرعية.

وأشار إلى أن التطورات التكنولوجية والرقمنة المالية فرضت تحديات جديدة على منظومة الرقابة الشرعية، خاصة فيما يتعلق بالتطبيقات المصرفية الذكية والعملات الرقمية والعقود الذكية، وهو ما يستدعي تطوير أدوات التدقيق والتحقق، وتأهيل كوادر تجمع بين المعرفة الفقهية والخبرة المالية والإدارية.

وشدد على أهمية تعزيز الحوكمة الشرعية من خلال الأطر التشريعية والرقابية، والاستفادة من تقنيات المعلومات والذكاء الاصطناعي في متابعة العمليات المصرفية، مع توجيه الإيرادات غير المشروعة إلى أوجه الخير والخدمات المجتمعية وفق الضوابط التي تقررها الهيئة الشرعية.

تأهيل طلاب إندونيسيا لمواجهة المستجدات المالية

وتأتي هذه المحاضرات ضمن البرنامج التدريبي الذي تقدمه دار الإفتاء المصرية لطلاب إندونيسيا، بهدف تنمية مهاراتهم العلمية والتطبيقية في مجال الأحكام الفقهية المتعلقة بالمصارف، وتعريفهم بمناهج البحث في النوازل المالية، وطرق حفظ الفتاوى وتوثيقها، ودور الرقابة الشرعية في متابعة المعاملات المصرفية.

وتعكس محاور الدورة توجهًا نحو الجمع بين التأصيل الفقهي والخبرة الاقتصادية والتطوير المؤسسي والتكنولوجي، بما يسهم في إعداد كوادر علمية قادرة على التعامل مع المستجدات المالية والمصرفية، وإصدار معالجات شرعية تستند إلى دقة الفهم، وسلامة التكييف الفقهي، ومراعاة مقاصد الشريعة الإسلامية.