علماء يكشفون بوابتين غامضتين عند حدود النظام الشمسي
كشف باحثان عن تصور علمي جديد يعيد تعريف الحدود الخارجية للنظام الشمسي، مشيرين إلى أن تأثير جاذبية الشمس يمتد لمسافة تصل إلى نحو 3.8 سنة ضوئية، أي ما يعادل قرابة 241 ألف وحدة فلكية، وهي مسافة تقترب من نطاق المسافات الفاصلة بين النجوم المجاورة.
وتشير النظرية التي عرضها الباحثان إلى أن جاذبية مجرة درب التبانة، بما في ذلك المادة المظلمة الموجودة فيها، تؤثر على الحدود التي تستطيع الشمس الاحتفاظ بالأجسام داخل نطاقها الجاذبي.
والأكثر إثارة في هذا التصور هو احتمال وجود منطقتين خاصتين تعملان بمثابة بوابتين، يمكن للأجسام القادمة من الفضاء بين النجوم العبور من خلالهما إلى النظام الشمسي، وربما تستقر داخله بشكل دائم في ظل ظروف معينة.
وتقدم هذه الفكرة تصورًا مختلفًا عن الحدود التقليدية للنظام الشمسي، وتفتح المجال أمام فهم جديد لكيفية انتقال الأجسام بين الأنظمة النجمية المختلفة.
أين تنتهي حدود النظام الشمسي؟
عندما يُسأل علماء الفلك عن المكان الذي ينتهي عنده النظام الشمسي، فإن الإجابة لا تتوقف عند الكواكب، أو حزام كايبر الذي يوجد فيه كوكب بلوتو، بل تمتد إلى منطقة بعيدة تُعرف باسم سحابة أورت.
ويُعتقد أن هذه المنطقة تحتوي على نحو تريليون جسم جليدي، معظمها بقايا مذنبات تدور حول الشمس عند الحدود الخارجية لتأثير جاذبيتها، على مسافة تصل إلى نحو 1.5 سنة ضوئية.
وتُعد سحابة أورت مصدرًا محتملًا للمذنبات طويلة الدورة، التي يمكن أن تبدأ رحلتها نحو النظام الشمسي الداخلي نتيجة تأثير جاذبية النجوم المارة بالقرب منها.
وفي المتوسط، يصل إلى النظام الشمسي مذنب واحد من سحابة أورت كل عام تقريبًا.
لكن جاذبية الشمس لا تتوقف عند حدود محددة مثل الحدود السياسية بين الدول، إذ تضعف تدريجيًا مع زيادة المسافة، ويمكن من الناحية النظرية أن يمتد تأثيرها إلى مسافات بعيدة للغاية.
لذلك يرى الباحثان أن السؤال الأكثر دقة ليس المكان الذي تصبح فيه جاذبية الشمس ضعيفة، بل المكان الذي تتوقف فيه عن كونها القوة الجاذبية المسيطرة، وتبدأ جاذبية مجرة درب التبانة في منافستها والتأثير على حركة الأجسام.
جاذبية الشمس تمتد إلى 3.8 سنة ضوئية
وفقًا للحسابات التي عرضها الباحثان، تمتد الحدود الجاذبية للنظام الشمسي إلى نحو 3.8 سنة ضوئية من الشمس، بما يعادل قرابة 241 ألف وحدة فلكية.
وتعني هذه المسافة أن النطاق الجاذبي الفعلي للشمس أكبر بكثير من المسافات التي ترتبط عادة بسحابة أورت، كما أنه يقترب من المسافات الفاصلة بين النجوم المجاورة.
وتلعب المادة المظلمة دورًا أساسيًا في هذا التصور، إذ أخذ الباحثان في الاعتبار كتلتها عند حساب تأثير جاذبية مجرة درب التبانة على الشمس.
وعند إجراء الحسابات باستخدام المادة المرئية فقط في المجرة، بما يشمل النجوم والغاز والغبار، تظهر نتيجة مختلفة، إذ يصل نطاق النظام الشمسي الجاذبي إلى نحو 12 سنة ضوئية.
ويرجع الاختلاف إلى أن زيادة الكتلة الكلية للمجرة تعني وجود مجال جاذبي منافس أقوى، وهو ما يقلص المنطقة التي تستطيع الشمس السيطرة عليها جاذبيًا.
وبذلك لا تقتصر أهمية المادة المظلمة على تشكيل بنية المجرات على نطاق واسع، بل تمتد أيضًا إلى تحديد حجم النطاق الجاذبي الفعلي للشمس.
بوابتان خفيتان لدخول الأجسام من الفضاء بين النجوم
تعتمد النظرية الجديدة على مفهوم نقاط لاجرانج، وهي خمس نقاط خاصة تنشأ في الأنظمة التي يتفاعل فيها جسمان كبيران بفعل الجاذبية، مثل الشمس والأرض.
وفي هذه النقاط تتوازن تأثيرات الجاذبية مع الحركة المدارية، بما يسمح للأجسام الصغيرة بالبقاء في مواقع أو مدارات معينة وفقًا للظروف المحيطة بها.
وتُستخدم هذه النقاط بالفعل في مهام الفضاء، إذ توجد أقمار صناعية بالقرب من نقطة لاجرانج الأولى بين الشمس والأرض لمراقبة الرياح الشمسية وتقديم إنذارات مبكرة بشأن الظواهر المرتبطة بالطقس الفضائي.
كما تدور مراصد فلكية، مثل تلسكوب جيمس ويب الفضائي، بالقرب من نقطة لاجرانج الثانية، حيث توفر هذه المنطقة بيئة حرارية مستقرة ورؤية مناسبة للفضاء العميق.
ويطبق الباحثان الفكرة نفسها على العلاقة بين الشمس ومجرة درب التبانة، حيث توجد نقطتان جاذبيتان يمكن أن تؤديا دور بوابتين طبيعيتين.
وتقع النقطة الشمسية الأولى في اتجاه مركز المجرة، بينما تقع الثانية في الاتجاه المعاكس.
ووفقًا للحسابات، تبعد كل من النقطتين نحو 3.81 سنة ضوئية عن الشمس، ويمكن أن تتشكل بالقرب منهما ممرات ديناميكية تسمح لبعض الأجسام القادمة من الفضاء بين النجوم بالدخول إلى النطاق الجاذبي الشمسي.
وتبلغ المساحة المميزة لفتحة هذه الممرات نحو 7880 وحدة فلكية وفقًا للتقديرات المبسطة التي استخدمها الباحثان.
هل تستطيع الشمس التقاط كواكب من أنظمة نجمية أخرى؟
تشير النظرية إلى أن دخول جسم من الفضاء بين النجوم إلى نطاق جاذبية الشمس لا يعني بالضرورة استقراره داخله إلى الأبد.
لكن في ظروف محددة، يمكن أن يحدث ما يُعرف بالالتقاط الضعيف الدائم، وهي عملية تصبح فيها طاقة الجسم المدارية بالنسبة إلى الشمس سالبة، بما يعني أن الشمس تستطيع الاحتفاظ به جاذبيًا، دون أن يعود الجسم إلى الفضاء بين النجوم أو يصطدم بالشمس.
ويتطلب حدوث هذه العملية أن يتحرك الجسم بسرعة منخفضة نسبيًا عند اقترابه من البوابتين، وتصل السرعات المطلوبة في نطاق الدراسة إلى عشرات الأمتار في الثانية.
ويمثل ذلك شرطًا صعبًا، لأن كثيرًا من الأجسام القادمة من الفضاء بين النجوم تتحرك بسرعات تصل إلى عدة كيلومترات في الثانية، وهو ما يجعلها تستمر في مسارها دون أن ترتبط جاذبيًا بالشمس.
ومع ذلك، يرى الباحثان أن وجود أجسام بطيئة الحركة في المنطقة المحيطة بالشمس قد يجعل عملية الالتقاط ممكنة، خاصة مع مرور فترات زمنية تمتد لمئات الملايين أو مليارات السنين.
شهدت السنوات الأخيرة اكتشاف أجسام قادمة من خارج النظام الشمسي، وهو ما وفر فرصة مباشرة لدراسة المواد التي تشكلت حول نجوم أخرى.
ومن أبرز هذه الأجسام أومواموا الذي اكتُشف عام 2017، وبوريسوف عام 2019، بالإضافة إلى الجسم 3I/ATLAS الذي اكتُشف عام 2025.
وتتحرك هذه الأجسام في مسارات زائدة، ما يؤكد أنها جاءت من خارج النظام الشمسي ولم تتشكل حول الشمس.
وتقدم هذه الزوار الكونية أدلة مباشرة على أن أجزاء من أنظمة نجمية أخرى تمر بانتظام عبر منطقتنا الفضائية، حاملة معها معلومات كيميائية وتركيبية وديناميكية عن البيئات التي نشأت فيها.
ويطرح الباحثان احتمال أن تتمكن بعض المذنبات والكويكبات القادمة من خارج النظام الشمسي من العبور عبر البوابات الجاذبية، وربما الاستقرار داخل نطاق الشمس.
ومن بين الاحتمالات الأكثر إثارة وجود كواكب شاردة، وهي كواكب تتحرك في الفضاء بين النجوم دون أن ترتبط جاذبيًا بأي نجم.
وقد تنشأ هذه الكواكب نتيجة التفاعلات الجاذبية العنيفة داخل الأنظمة النجمية حديثة التكوين، التي يمكن أن تؤدي إلى طرد بعض الكواكب بعيدًا عن نجومها الأصلية.
كيف يمكن استكشاف الحدود الجديدة للنظام الشمسي؟
يرى الباحثان أن هذا التصور يعيد النظر في فهم الحدود الخارجية للنظام الشمسي، دون أن يقلل من أهمية سحابة أورت، التي تظل منطقة رئيسية لدراسة المذنبات طويلة الدورة وتاريخ تكوين النظام الشمسي.
كما يسلط الضوء على الدور الذي تلعبه مجرة درب التبانة في تشكيل حركة الأجسام الموجودة في المناطق الخارجية للنظام الشمسي، من خلال تأثير مجالها الجاذبي والمد والجزر الجاذبي الذي تسببه.
ويمكن استخدام تلسكوب جيمس ويب الفضائي للبحث عن أجسام قادمة من الفضاء بين النجوم، ودراسة سرعاتها ومساراتها، إلى جانب تحسين عمليات رصد الكواكب الشاردة الموجودة في المنطقة المحيطة بالشمس.
ويطرح الباحثان أيضًا تساؤلات حول إمكانية أن تحمل بعض الأجسام التي جرى التقاطها من الفضاء بين النجوم بصمات نظيرية مختلفة عن المواد الموجودة في النظام الشمسي، وربما تكون قد ساهمت في نقل مواد مرتبطة بمكونات الحياة.