رئيسة سلوفينيا: حل الدولتين ضرورة.. ومصر شريك تاريخي وتجاري ونسعى لتعزيز التعاون العلمي والتكنولوجي
قالت الدكتورة ناتاشا بيرتس موسار، رئيسة جمهورية سلوفينيا، إن زيارتها الحالية إلى مصر أعادت إليها ذكريات رحلتها السياحية السابقة قبل 15 عامًا، مشيدة بما شاهدته في المتحف المصري الكبير، ومؤكدة أن بلادها تعتز بموقف مصر التاريخي الداعم لاستقلال سلوفينيا، وتسعى إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والعلمي والثقافي بين البلدين.
وأضافت موسار، في لقاء خاص مع الإعلامية منة فاروق، عبر قناة "إكسترا نيوز"، أنها زارت مصر قبل 15 عامًا برفقة زوجها وابنها، وشاهدت الأهرامات، وقامت برحلة نيلية من الأقصر إلى أبو سمبل، كما زارت عددًا من أبرز المعالم السياحية، مؤكدة أنها لا تزال تحتفظ بذكريات رائعة عن تلك الزيارة.
وأوضحت أن زيارة المتحف المصري الكبير كانت تتويجًا لتجربتها السابقة، ووصفتها بأنها شرف كبير بالنسبة إليها، خاصة أنها لم تتمكن من حضور حفل افتتاحه الرسمي، لكنها أتيحت لها الفرصة لمشاهدة أبرز أقسامه خلال الزيارة الحالية. وأضافت أنها وقعت في سجل كبار الزوار وكتبت رسالة قالت فيها: «أشكركم لعرض تراثكم أمام العالم، إنه عمل نبيل، وهو الصواب بعينه»، معتبرة أن هذه العبارة تمثل الرسالة التي تتركها بصفتها رئيسة للجمهورية.
القضية الفلسطينية ومباحثاتها مع الرئيس السيسي
وفيما يتعلق بلقائها بالرئيس عبد الفتاح السيسي، قالت موسار إنها كانت تتطلع إلى هذا اللقاء منذ فترة طويلة، ولا سيما لمناقشة القضية الفلسطينية، مشيرة إلى أنها تولت منصب الرئاسة قبل أربع سنوات، وكانت ترغب طوال هذه الفترة في التحدث معه بشأن تطورات الأوضاع في فلسطين.
وأشادت بالدور المصري في تقديم المساعدات الإنسانية والقيام بدور الوساطة للتوصل إلى حل للأزمة، معتبرة أن هذه المهمة من أصعب المهام التي يمكن تصورها. وأوضحت أن القضية الفلسطينية كانت محورًا رئيسيًا في مباحثاتها مع الرئيس السيسي، وأنها سألته عن رؤيته للحل، مؤكدة أن حل الدولتين هو الحل الوحيد الذي يمكن تقديمه للشعب الفلسطيني.
وشددت على أن الفلسطينيين يستحقون إقامة دولتهم المستقلة والعيش في أمن، مثل الإسرائيليين، موضحة أنها لا تقف إلى جانب طرف على حساب الآخر، وإنما تقف إلى جانب الإنسانية، بحسب تعبيرها. ووصفت ما يحدث في قطاع غزة والضفة الغربية بأنه أمر غير مقبول ولا يمت إلى الإنسانية بصلة، مشيرة إلى أن أعداد القتلى والجرحى مفجعة، وأن معظم الضحايا من النساء والأطفال.
وأضافت أن ما يحدث يسلب أجيالًا كاملة كرامتها ومستقبلها، مؤكدة أنه لا يمكن لأي إنسان أو سياسي الالتزام الصمت أمام هذه الأوضاع، أو الامتناع عن رفع صوته دفاعًا عن الكرامة الإنسانية. وأشارت إلى أن العالم يشهد نحو 100 نزاع في مناطق مختلفة، وهو أعلى عدد من النزاعات منذ الحرب العالمية الثانية، معتبرة أن ذلك يعكس إخفاقًا في توفير البيئة الآمنة التي يستحقها البشر.
اعتراف سلوفينيا بفلسطين والمساعدات الإنسانية
وفيما يتعلق بموقف بلادها، قالت رئيسة سلوفينيا إن اعتراف بلادها بدولة فلسطين قبل عامين ونصف العام يمثل خطوة عادلة، لكنه لا يكفي وحده لتحقيق حل الدولتين، موضحة أن وجود دولتين يمكن العمل على أساسهما يتطلب الاعتراف بالدولة الفلسطينية باعتباره الخطوة الأولى.
وأضافت أن الخطوة التالية تتمثل في مواصلة الدفاع عن القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى الفلسطينيين، مشيرة إلى مرور فترات لم تصل خلالها مساعدات إلى الأراضي الفلسطينية بسبب منع دخولها، في وقت كان العالم يشاهد فيه أناسًا يتضورون جوعًا.
وتساءلت عن إمكانية قبول مشاهدة المجاعة في القرن الحادي والعشرين، مؤكدة أن هذه المشاهد تؤلمها يومًا بعد يوم، وأن على دول مثل مصر وسلوفينيا مواصلة رفع الصوت بشأن القضية الفلسطينية. وأشارت إلى إيمانها بالتعددية الدولية، باعتبارها تتيح مساحة للحوار بين الدول والثقافات، محذرة من أن التوقف عن الحوار يحرم الشعوب من فرص التفاهم وتبادل الخبرات.
ولفتت إلى أن فهم الثقافات المختلفة يتطلب التواصل مع الشعوب والسياسيين ورجال الدولة في مختلف المناطق، موضحة أن سفرها لا يرتبط بالأغراض السياحية فقط، وإنما يمثل فرصة لاكتساب المعرفة والاستماع إلى أصحاب الخبرة، وفهم تفاصيل الأوضاع في دول مثل السودان واليمن وفلسطين.
إعادة إعمار غزة وإصلاح مجلس الأمن
وحذرت موسار من البدء في إعادة إعمار قطاع غزة دون معالجة جذور الأزمة وأسبابها الأساسية، موضحة أن إعادة بناء ما دمرته الحرب دون التوصل إلى حل سياسي قد تؤدي إلى تدميره مرة أخرى، والدخول في حلقة مفرغة لا تنتهي.
وأكدت ضرورة العمل على تسوية سياسية من خلال الأمم المتحدة، مشيرة إلى أن سلوفينيا كانت عضوًا غير دائم في مجلس الأمن خلال الفترة من 2024 إلى 2026، وقدمت خلال عضويتها مشروعات قرارات بشأن فلسطين ونزاعات أخرى حول العالم، لكنها انتقدت ما وصفته باستخدام متزايد لحق النقض «الفيتو» لإسقاط مقترحات تتعلق بحل القضية الفلسطينية.
وطرحت رئيسة سلوفينيا مقترحًا يدعو الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى طلب رأي استشاري من محكمة العدل الدولية بشأن سلطة الفيتو، لتحديد الحالات التي يجوز فيها استخدامه، ومتى يمثل إساءة لاستعمال هذه السلطة. وقالت إن ميثاق الأمم المتحدة يقدم أساسًا قانونيًا لمناقشة هذه المسألة، معتبرة أنه لا ينبغي استخدام الفيتو عند وقوع الفظائع الجماعية وجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية.
وأوضحت أن قضاة محكمة العدل الدولية هم الأقدر على تقديم رأي قانوني بشأن هذه المسائل، داعية إلى الاستماع إليهم لتوضيح الحالات التي يجوز فيها استخدام الفيتو وتلك التي ينبغي الامتناع عن استخدامه فيها.
وأقرت موسار بأن الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن لن تتخلى طواعية عن حق الفيتو، وأن الرأي الاستشاري للمحكمة يندرج ضمن القانون غير الملزم، لكنها ترى أنه قد يمنح الدول المطالبة بإصلاح استخدام هذه السلطة حجة قانونية إضافية لمخاطبة الدول الخمس ومطالبتها بعدم إساءة استخدامها.
وأضافت أنها تدرك أن هذا المسار بطيء، لكنه يستحق المحاولة، قائلة: "إذا لم نتخذ خطوة فلن يتغير شيء، ولا أريد أن أكون رئيسة لا تتخذ خطوة، فهذا ببساطة لا يمثلني".
العلاقات التاريخية بين مصر وسلوفينيا والتعاون التجاري
وفي سياق العلاقات الثنائية، أكدت موسار أن سلوفينيا لن تنسى موقف مصر الداعم لاستقلالها قبل 35 عامًا، عندما كانت يوغوسلافيا تتفكك، مشيرة إلى أن مصر كانت أول دولة عربية وأفريقية تعترف باستقلال بلادها، وهو موقف ارتبط بالعلاقات التاريخية بين مصر ويوغوسلافيا ودورهما في حركة عدم الانحياز.
وأوضحت أن حركة عدم الانحياز تأسست عام 1957 بمشاركة جمال عبد الناصر وجوزيف تيتو وجواهر لال نهرو، بهدف إتاحة كتلة ثالثة للدول خارج حلف وارسو وحلف شمال الأطلسي، في ظل الصراع بين المعسكرين خلال الحرب الباردة. وأضافت أن سلوفينيا تعد إحدى الدول التي خلفت يوغوسلافيا السابقة، لكنها أصبحت اليوم دولة ديمقراطية حديثة تتبنى النظام البرلماني.
وقالت إنها لا ترغب في أن يتذكرها التاريخ باعتبارها أول امرأة تتولى منصب رئيسة الجمهورية، وإنما من خلال كلماتها وأفعالها، مؤكدة أهمية ترجمة الصداقة التاريخية بين البلدين إلى مزيد من التعاون في المجالات المختلفة.
وأشارت إلى أن المسافة الجغرافية وصغر حجم السوق السلوفينية يمثلان تحديًا أمام زيادة التعاون التجاري، موضحة أن عدد سكان سلوفينيا يبلغ نحو 2.1 مليون نسمة. ومع ذلك، أكدت وجود مجالات مشتركة يمكن للبلدين العمل عليها، من بينها الاقتصاد الدائري والسياحة المستدامة.
وكشفت أن حجم التبادل التجاري بين مصر وسلوفينيا بلغ 310 ملايين يورو خلال عام 2025، ووصل إلى 247 مليون يورو خلال النصف الأول من العام الحالي، داعية إلى مراعاة حجم الاقتصاد السلوفيني عند تقييم هذه الأرقام، ومشيرة إلى أن الدخل القومي الإجمالي لمصر يبلغ، وفقًا لما ذكرته، نحو تريليوني يورو.
وأضافت أن ميناء كوبر، أكبر موانئ المنطقة، يتعاون مع الموانئ المصرية منذ نحو 40 عامًا، واصفة العلاقة بين الجانبين بأنها شراكة طويلة الأمد يمكن البناء عليها لتعزيز التعاون في مجال النقل البحري.
الذكاء الاصطناعي والروبوتات والتبادل العلمي
وفيما يتعلق بفرص التعاون المستقبلية، قالت موسار إن التبادل العلمي، وخاصة بين الشباب، يمثل أحد المجالات المهمة التي يمكن من خلالها تعزيز الشراكة بين مصر وسلوفينيا، إلى جانب التدريب المهني والذكاء الاصطناعي والروبوتات وإدارة الموارد المائية.
وأوضحت أن بلادها تمتلك مركزًا للذكاء الاصطناعي يعمل تحت رعاية منظمة اليونسكو، إلى جانب معهد جوزيف ستيفان الذي يضم نحو 1100 عالم من مختلف أنحاء العالم يعملون في مجالي الذكاء الاصطناعي والروبوتات، مشيرة إلى أن سلوفينيا تحتل المرتبة السابعة عالميًا من حيث الاعتماد على الروبوتات في العمليات الصناعية.
وأكدت أن هناك فرصًا لتبادل الخبرات في إدارة الموارد المائية، وهو مجال بالغ الأهمية بالنسبة إلى مصر، مشيرة إلى رغبتها في أن تسهم زيارتها الحالية في تحقيق نتائج إيجابية على مستوى التعاون الاقتصادي والعلمي بين البلدين.
كما دعت إلى تعزيز التعاون بين الجامعات المصرية والسلوفينية، وتوسيع برامج المنح الدراسية المتبادلة، بما يتيح للطلاب من البلدين الدراسة واكتساب الخبرات لدى الطرف الآخر. وأكدت أن تبادل المعرفة يمثل أحد أهم أشكال التعاون، وأن الاحتفاظ بالخبرات داخل حدود الدول لا يخدم مستقبل البشرية.
التبادل الثقافي والسياحة ومواجهة تغير المناخ
وعن التعاون الثقافي، أشارت موسار إلى أن السلوفينيين يحبون السفر إلى القاهرة، وأنها التقت خلال زيارتها للمتحف المصري الكبير بسائحين من بلادها تعرفوا عليها ولوحوا لها، في مشهد يعكس اهتمام مواطنيها بزيارة مصر.
وأضافت أن هناك روابط ثقافية ومعمارية تجمع البلدين، من بينها أعمال المهندس المعماري أنطون لاشياك، الذي كان كبير مهندسي مدينة الإسكندرية، مشيرة إلى أن زوجها زار خلال الزيارة عددًا من القصور التي شيدها هذا المهندس في القاهرة.
وأكدت أهمية الربط بين الثقافة والتعليم، مشيرة إلى أن مصر عضو في الجامعة الأورومتوسطية "إيموني"، التي تربط دول منطقة البحر المتوسط، وهو ما يوفر إطارًا قائمًا للتعاون بين البلدين يمكن تطويره من خلال التبادل الجامعي والمنح الدراسية.
وفي ملف تغير المناخ، شددت موسار على ضرورة تعزيز التعاون الدولي وتثقيف الشباب بشأن المخاطر التي يحذر منها العلم، منتقدة انتشار نظريات المؤامرة التي تنكر حدوث تغير المناخ. وأكدت أهمية الثقة بالعلم وتبادل المعرفة، قائلة إن العالم لا يمتلك سوى كوكب الأرض، ولا يوجد كوكب بديل يمكن الانتقال إليه.
تنظيم الذكاء الاصطناعي ومخاطر استخدامه عسكريًا
وتطرقت رئيسة سلوفينيا إلى مخاطر الذكاء الاصطناعي، مؤكدة أنها تتابع تطوراته منذ نحو 20 عامًا، ودرست جوانبه القانونية والتقنية، وترى أنه أصبح واقعًا لا يمكن الهروب منه أو إيقافه، ما يستلزم وضع أطر لتنظيم استخدامه والحد من مخاطره.
وأوضحت أن شركات التكنولوجيا الكبرى بدأت تدرك أهمية تنظيم الذكاء الاصطناعي واختبار أنظمته داخل المختبرات قبل إتاحتها للاستخدام العام، لكنها حذرت من أن هذه الأنظمة قد تقدم نتائج مختلفة حتى بعد تكرار اختبارها مرات عديدة، وهو ما يتطلب مزيدًا من إجراءات التقييم والرقابة.
وقالت إن الذكاء الاصطناعي لا يمتلك مشاعر، وإنما يعتمد على المعرفة التي أنتجتها البشرية، واستخدمت وصفًا تشبيهيًا له بأنه يشبه "شخصًا مختلًا نفسيًا" للتعبير عن مخاوفها من غياب المشاعر والضوابط الإنسانية في قراراته.
واعتبرت أن الخطر الأكبر يتمثل في استخدام الذكاء الاصطناعي في الأسلحة ذاتية التشغيل، موضحة أن هذا المجال لا يخضع لتنظيم موحد داخل الاتحاد الأوروبي، لأن شؤون الدفاع والصناعات العسكرية تقع ضمن اختصاص الدول الأعضاء.
وحذرت من تطوير أنظمة عسكرية قادرة على القتل دون تدخل أو تقدير إنساني، مؤكدة أنها تعتزم مواصلة إثارة هذه القضية والدعوة إلى تنظيمها.
مسيرتها المهنية ورسالتها من العمل السياسي والصحفي
وعن تجربتها في الوصول إلى منصب الرئاسة، قالت موسار إن كثيرين طلبوا منها الترشح في انتخابات عام 2022، رغم أنها لا تنتمي إلى حزب سياسي ولم تكن لديها خلفية سياسية تقليدية، لكنها وافقت في نهاية المطاف، معتبرة أن منصب الرئاسة بالنسبة إليها ليس مجرد وظيفة، وإنما رسالة ومسؤولية تشغلها طوال الوقت.
وأضافت أنها لا تندم على الوقت الذي تقضيه مع المواطنين الذين تمثلهم، أو على اللقاءات التي تجمعها برؤساء الدول، لأنها تتيح لها اكتساب خبرات ومعارف جديدة. وأكدت أنها لا ترى أن الغضب في السياسة يحقق النتائج المرجوة، داعية إلى وجود مزيد من السياسيين القادرين على التفكير خارج الأطر الحزبية التقليدية والبحث عن حلول وسط.
وحذرت من أن عدم تقديم إجابات واضحة للأجيال الشابة عن التحديات التي تواجه العالم يدفع بعض الشباب نحو التيارات المتطرفة، سواء في أقصى اليمين أو أقصى اليسار، بما يضيق مساحة التفاهم والتسويات. وأكدت أن القيم التي تسعى إلى تمثيلها تتمثل في التواضع والكرامة والإنسانية والاعتدال.
واستعادت موسار تجربتها المهنية في العمل الصحفي والإعلامي، قائلة إن فترة عملها مذيعة للأخبار كانت من أكثر مراحل حياتها متعة، وأسهمت في معرفة الجمهور بها، لكنها أكدت أن القيمة الأهم التي اكتسبتها من الصحافة تمثلت في تعلم البحث والتحقق والاستماع والموضوعية والصدق.
وأوضحت أن الموضوعية لا تعني بالضرورة الحياد، مشيرة إلى أن العمل الصحفي علمها ضرورة الاستماع إلى مختلف الأطراف والتحقق من المعلومات قبل إصدار الأحكام.
واستشهدت موسار بمقولة لمارتن لوثر كينج الابن: "تنتهي حياتنا يوم نصمت عن القضايا التي تستحق أن نتحدث عنها"، داعية إلى مواصلة رفع الصوت دفاعًا عن القضايا التي تستحق الاهتمام.