بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

بيانات المصريين ليست للبيع.. من يحمي المواطن من الشركات التي تعرف عنه كل شيء؟

 

لم يعد الاعتداء على خصوصية المواطن يحتاج إلى اقتحام منزله أو الاستيلاء على ممتلكاته؛ فقد تكفي قاعدة بيانات مسرّبة لتكشف تفاصيل حياته، وتضع أرقامه وعنوانه واهتماماته في أيدي أشخاص لا يعرفهم، وربما لم يتعامل معهم من الأساس.

لم تعد خطورة التعامل مع الشركات والمؤسسات تقتصر على جودة الخدمة أو الالتزام تجاه العملاء، بل أصبحت هناك قضية أكثر خطورة، تتعلق بحجم البيانات الشخصية التي تجمعها هذه الجهات، وكيفية استخدامها، ومن يملك حق الاطلاع عليها.

فالمواطن الذي يقدم بياناته لشركة عقارية أو مؤسسة خدمية أو منصة إلكترونية، يفعل ذلك لإتمام معاملة محددة، وليس لمنحها تصريحًا مفتوحًا بتداول معلوماته أو تحويلها إلى سلعة تحقق من خلالها الأرباح.

والسؤال هنا: متى أصبحت بيانات المواطنين سلعة تتداولها الشركات دون علم أصحابها؟

من أين حصلوا على أرقام هواتفنا؟

أصبح المواطن يتلقى يوميًا اتصالات من شركات التسويق العقاري، تعرض عليه وحدات ومشروعات لم يسبق له الاستفسار عنها، بل إن بعض المتصلين يمتلكون معلومات تتجاوز رقم الهاتف، لتصل أحيانًا إلى محل السكن والاهتمامات وطبيعة التعاملات السابقة.

وهنا يبرز سؤال مشروع: من أين حصلت هذه الجهات على تلك المعلومات؟ وهل وافق المواطن على مشاركتها؟ أم أن هناك قواعد بيانات يجري تداولها بين جهات مختلفة دون علم أصحابها؟

إن رقم الهاتف ليس معلومة مباحة لمجرد أن المواطن استخدمه في إحدى المعاملات، وبيانات العميل ليست ملكًا للشركة التي حصلت عليها.

عندما تتحول الخدمة إلى اختراق للخصوصية

تزداد خطورة المسألة عند التعامل مع المشروعات السكنية الكبرى والمجمعات العقارية المغلقة، التي تجمع بحكم طبيعة إدارتها معلومات عن السكان وأسرهم والزائرين والعاملين.

وهنا تبرز تساؤلات مهمة: ما حدود البيانات التي يحق لإدارة المشروع جمعها؟ وهل هناك ضرورة للاحتفاظ بمعلومات دقيقة عن تحركات السكان والزائرين ومواعيد دخولهم وخروجهم؟ ومن يملك صلاحية الاطلاع عليها؟

نحن لا نعترض على الإجراءات التنظيمية والأمنية المشروعة، ولكننا نرفض أن تتحول الضرورة إلى ذريعة لجمع معلومات تتجاوز الحاجة الفعلية أو تتيح الاطلاع على تفاصيل حياة المواطنين دون ضوابط.

فالحصول على بيانات المواطن لتقديم خدمة لا يعني امتلاك حياته الخاصة.

من تسريب البيانات إلى تهديد أمن الأسرة

لا تتوقف خطورة تسريب البيانات عند المكالمات المزعجة أو الرسائل الدعائية، بل قد تمتد إلى الأمن الشخصي والأسري.

فمعرفة عنوان الأسرة وأرقام هواتف أفرادها وطبيعة سكنها ومواعيد وجودها أو غيابها قد تفتح أبوابًا للاحتيال وانتحال الصفة والاستهداف.

وقد يستغل البعض هذه المعلومات في التواصل مع المواطنين بصورة تبدو موثوقة، مستندين إلى معرفتهم بأسماء أفراد الأسرة أو تفاصيل تعاملاتهم السابقة، لاكتساب ثقتهم قبل تنفيذ عمليات الاحتيال.

وتزداد المخاطر مع انتشار خدمات التوصيل والصيانة والدخول إلى المنازل، الأمر الذي يستوجب ضوابط حقيقية تمنع وصول بيانات العملاء إلى غير المخولين بالاطلاع عليها.

فالمعلومة التي تبدو بسيطة في نظر الشركة قد تتحول إلى خطر حقيقي على أسرة بأكملها إذا وصلت إلى الشخص الخطأ.

أين مسؤولية الشركات؟ ومن يحاسب المقصر؟

من السهل أن تطلب المؤسسة من المواطن تسجيل بياناته، لكن المسؤولية الحقيقية تبدأ بعد الحصول عليها.

من الموظفون الذين يمتلكون صلاحية الاطلاع على قواعد البيانات؟ وهل توجد رقابة على عمليات النسخ والتداول؟ وهل تشارك الشركات بيانات عملائها مع جهات تسويق أو تشغيل خارجية؟ وما الضمانات التي تمنع تسريب هذه المعلومات أو بيعها؟

إن الاكتفاء بعبارات عامة عن سرية المعلومات لا يكفي، فحماية الخصوصية تحتاج إلى إجراءات واضحة ورقابة حقيقية ومحاسبة عند وقوع المخالفات.

ولا يجوز أن تختبئ المؤسسة خلف تصرف موظف أو وسيط إذا ثبت وجود إخفاق في التزاماتها القانونية بحماية بيانات عملائها.

القانون موجود.. فأين التطبيق؟

لقد نظم المشرع المصري هذه المسألة من خلال قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020، ولائحته التنفيذية الصادرة بقرار وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات رقم 816 لسنة 2025.

ويضع هذا الإطار القانوني ضوابط لجمع البيانات الشخصية ومعالجتها واستخدامها، وينظم حقوق أصحاب البيانات والتزامات الجهات التي تتعامل معها، بما في ذلك ضوابط التسويق الإلكتروني المباشر.

ومن حق المواطن، وفقًا للضوابط القانونية، معرفة طبيعة البيانات التي تحتفظ بها الجهات عنه، والغرض من جمعها، والجهات التي تشاركها معها، وممارسة حقوقه في الاطلاع والتصحيح والمحو أو الاعتراض بحسب الأحوال.

لكن السؤال الأهم: كيف نضمن تطبيق القانون على أرض الواقع؟

فالمواطن لا يحتاج إلى نصوص قانونية على الورق بقدر حاجته إلى رقابة فعالة، وآليات واضحة لتقديم الشكاوى، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في مخالفة القانون.

وفي النهاية..

نحن لا نرفض التطور التكنولوجي، ولا استخدام البيانات لتحسين الخدمات، ولكننا نرفض أن يتحول المواطن إلى ملف مفتوح، وأن تصبح تفاصيل حياته ومعلومات أسرته متاحة لكل من يستطيع الوصول إليها.

فليس من حق شركة أن تعرف عن المواطن كل شيء لمجرد أنه أصبح عميلًا لديها، وليس من حق مؤسسة أن تتعامل مع أسرار الناس باعتبارها أصلًا تجاريًا يمكن تداوله.

إن قوة الشركات لا تقاس فقط بحجم استثماراتها ومشروعاتها، وإنما أيضًا بمدى احترامها لحقوق عملائها وقدرتها على حماية المعلومات التي ائتمنها الناس عليها.

وإذا كان المواطن مطالبًا بالثقة في المؤسسة التي يقدم لها بياناته، فمن يضمن له أن هذه المؤسسة لن تتحول إلى نقطة البداية لتسريب أسراره؟ ومن يحاسبها إذا حدث ذلك؟

بيانات المواطنين ليست للبيع، وخصوصيتهم ليست امتيازًا تمنحه الشركات، بل حق أصيل لا يجوز المساس بهً.