حكم الشرع في خدمة المرأة زوجها
يسأل الكثير من الناس عن حكم خدمة الزوجة لزوجها فأجاب بعض اهل العلم وقال ذهب جمهور الفقهاء من الشافعية والحنابلة وبعض المالكية إلى أن خدمة الزوجة لزوجها غير واجبة، وإنما يُستحب لها أن تقوم بما جرت به العادة من أعمال البيت، لما فيه من حُسن العشرة وإدامة الألفة.
قال الحافظ ابن حزم في المحلى (227 ـ 228: “لا يلزم المرأة أن تخدم زوجها في شيء أصلا، لا في عجن، ولا طبخ، ولا فرش، ولا كنس، ولا غزل، ولا نسج، ولا غير ذلك أصلا؛ ولو أنها فعلتْ لكان أفضل لها” ثم ذكر بعض أدلة القائلين بالوجوب وردّ عليها، ثم قال: “ومن ألزم المرأة خدمة دون خدمة فقد شرع ما لم يأذن به الله تعالى، وقال ما لا يصح، وما لا نص فيه».انتهى.
و قال ابن قدامة في المغني: «...ولنا - أن المعقود عليه من جهتها الاستمتاع، فلا يلزمها غيره، كسقي دوابه، وحصاد زرعه. فأما قسم النبي - صلى الله عليه وسلم - بين علي وفاطمة، فعلى ما تليق به الأخلاق المرضية، ومجرى العادة، لا على سبيل الإيجاب، كما قد روي عن أسماء بنت أبي بكر، أنها كانت تقوم بفرس الزبير، وتلتقط له النوى، وتحمله على رأسها. ولم يكن ذلك واجبا عليها، ولهذا لا يجب على الزوج القيام بمصالح خارج البيت، ولا الزيادة على ما يجب لها من النفقة والكسوة، ولكن الأولى لها فعل ما جرت العادة بقيامها به؛ لأنه العادة، ولا تصلح الحال إلا به.....».
•ويُعلِّلون ذلك بأن عقد الزواج إنما وُضع للاستمتاع والمودة، لا للاستعباد أو الخدمة، وأن الزوجة إن قامت بالخدمة تبرعًا منها، فهو من باب الإحسان لا الإلزام.
•و لعدم ورود نص من الكتاب والسنة يوجب على المرأة خدمتَها لزوجها، فيبقى الأمر على البراءة الأصلية، وهو عدم الوجوب.
2-القول الثاني: وجوب خدمة المرأة زوجها بالمعروف:
ذهب جماعة من العلماء إلى أنَّ خدمة الزوجة لزوجها واجبةٌ في حدود ما جرى به العُرفُ والعادة، وأنها من الحقوق الزوجية التي تقتضيها الحياة المشتركة بين الزوجين، وهذا هو مذهب الحنفية والمالكية في الجملة، وهو أيضًا قول الطبري وابن تيمية، وابن القيم، وابن حجر رحمهم الله جميعًا.
قال الإمام ابن جرير الطبري:«كل من كانت لها طاقة من النساء على خدمة بيتها في خبز أو طحن أو غير ذلك: أن ذلك لا يلزم الزوج، إذا كان معروفا أن مثلها يلي ذلك بنفسه). ((فتح الباري)) لابن حجر (9/506).
وجاء فيها (30/126) أيضاً في بيان مذهب المالكية السابق: "... إلا أن تكون من أشراف الناس فلا تجب عليها الخدمة، إلا أن يكون زوجها فقير الحال " انتهى.
و التفريق بين الشريفة و غيرها لا دليل عليه،بل الدليل يبطله،فقد أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم فاطمة رضي الله عنها أن تخدم زوجها عليا،و لا خلاف بين أحد من الناس أنها أشرف من جميع النساء غير أمهات المؤمنين.
و قال ابن تيمية: (تنازع العلماء: هل عليها أن تخدمه في مثل فراش المنزل، ومناولة الطعام والشراب، والخبز والطحن، والطعام لمماليكه وبهائمه؛ مثل علف دابته ونحو ذلك؟ فمنهم من قال: لا تجب الخدمة. وهذا القول ضعيف كضعف قول من قال: لا تجب عليه العشرة والوطء؛ فإن هذا ليس معاشرة له بالمعروف، بل الصاحب في السفر الذي هو نظير الإنسان، وصاحبه في المسكن، إن لم يعاونه على مصلحة، لم يكن قد عاشره بالمعروف. وقيل -وهو الصواب- وجوب الخدمة؛ فإن الزوج سيدها في كتاب الله، وهي عانية عنده بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى العاني والعبد الخدمة؛ ولأن ذلك هو المعروف).
و حجة هذا المذهب:
•قوله تعالى: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف [البقرة: 228]
وجه الدلالة:
أن للنساء على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن؛ فليؤد كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف
ثانيا: من السنة.
•عن علي رضي الله عنه: ((أن فاطمة رضي الله عنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم تشكو إليه ما تلقى في يدها من الرحى، وبلغها أنه جاءه رقيق فلم تصادفه، فذكرت ذلك لعائشة، فلما جاء أخبرته عائشة، قال: فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبنا نقوم، فقال: على مكانكما! فجاء فقعد بيني وبينها حتى وجدت برد قدميه على بطني، فقال: ألا أدلكما على خير مما سألتما: إذا أخذتما مضاجعكما -أو أويتما إلى فراشكما- فسبحا ثلاثا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، وكبرا أربعا وثلاثين؛ فهو خير لكما من خادم )) .
وجه الدلالة:
أن فاطمة كانت تشتكي ما تلقى من الخدمة، فلم يقل النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: لا خدمة عليها، وإنما هي عليك، وهو صلى الله عليه وسلم لا يحابي في الحكم أحدا
3-القول الثالث: ذهب طائفة من أهل العلم منهم الحافظ ابن حجر و الماوردي و غيرهم إلى أن حكم خدمة الزوجة لزوجها،يختلف باختلاف الأعراف و العادات.
قال ابن حجر: (الذي يترجح: حمل الأمر في ذلك على عوائد البلاد؛ فإنها مختلفة في هذا الباب). ((فتح الباري)) (9/324).
قال المرداوي: (الصواب أن يرجع في ذلك إلى عرف البلد). ((الإنصاف)) (8/267).