مسجد سيدي عطية أبو الريش بدمنهور.. منارة للعلم والذكر
في قلب مدينة دمنهور، وفي الحي الذي حمل اسمه يقف مسجد سيدي عطية أبو الريش واحدا من أشهر المساجد التاريخية بمحافظة البحيرة، شاهدا على قرون من ارتباط المسجد بحياة أهل المدينة وذاكرتهم الدينية والاجتماعية.
وترجع شهرة المسجد إلى صاحبه سيدي عطية عز الدين بن يحيى، الذي تذكر المصادر أنه وُلد بأرض الحجاز سنة ٣١١هـ، وينتهي نسبه إلى آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. وقد انتقل إلى مصر واستقر به المقام في مدينة دمنهور، حيث تلقى العلم على أيدي علماء عصره وعُرف بين الناس بالصلاح والزهد.
وتذكر الرواية المحلية الأشهر أنه بعد وفاته سنة ٣٨١هـ دُفن في منزله بمدينة دمنهور، ثم تحول المكان إلى مسجد حمل اسمه، وعُرف الحي المحيط به منذ ذلك الوقت باسم «حي أبو الريش»، لتصبح سيرة صاحبه جزءا من هوية المكان وتاريخه.
ويجمع المسجد في تكوينه بين بيت الصلاة وحجرة الضريح، كما يضم ضريح سيدي قضيب، أحد أبناء سيدي عطية، وتنبع قيمته المعمارية من نشأته داخل النسيج العمراني القديم لمدينة دمنهور، ومن احتفاظه بطابعه الروحي والتاريخي على الرغم من تغير العمران من حوله؛ فأصبح المسجد وضريحه علامة مميزة للحي ومعلمًا معروفًا لدى أبناء المدينة وزائريها.
ولا تتوقف قيمة مسجد سيدي عطية أبو الريش عند مكانته التاريخية؛ فقد عُثر فيه على عدد من الكتب النادرة، من بينها مصحف مخطوط يرجع تاريخه إلى القرن العاشر الهجري، يجمع بين النص القرآني والتفسير وعلم القراءات، وتضم خاتمته فهرسًا لحصر الحروف الأبجدية وفق عدد ورودها في القرآن الكريم، وهو ما يمنحه قيمة علمية وفنية جديرة بالدراسة والعناية.
وعلى امتداد تاريخه، أدى المسجد دورًا دعويًّا بارزًا؛ فعُقدت في رحابه الدروس والندوات ومجالس الذكر، واستقبل المصلين والزائرين من مدينة دمنهور ومختلف مراكز محافظة البحيرة، ولا سيما في أيام الجمعة وشهر رمضان والمناسبات الدينية.
وهكذا يظل مسجد سيدي عطية أبو الريش أكثر من موضع للصلاة؛ فهو صفحة حية من تاريخ دمنهور، وذاكرة لحيٍّ كامل حمل اسمه، ومنارة اجتمع في رحابها القرآن والعلم والذكر، لتبقى رسالته ممتدة بين أصالة الماضي ودور المسجد الجامع في الحاضر.