بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

دورة «الأحكام الفقهية المتعلقة بالمصارف».. الإفتاء توضح كيف تضبط الشريعة معاملات البنوك؟

بوابة الوفد الإلكترونية

استعرضت دار الإفتاء المصرية ضوابط المعاملات المصرفية وأسسها الشرعية، وذلك خلال فعاليات دورة «الأحكام الفقهية المتعلقة بالمصارف»، التي تنظمها للطلاب الإندونيسيين، حيث تناولت المحاضرات دور القواعد الفقهية وأحاديث الأحكام في ضبط المعاملات المالية المعاصرة، وتحقيق التوازن بين المصالح الاقتصادية والالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية.

وشهدت الدورة محاضرتين علميتين؛ الأولى لفضيلة الدكتور محمد وسام خضر، عضو الهيئة الاستشارية العليا للبحوث والتدريب، بعنوان «القواعد الفقهية الحاكمة للمعاملات المصرفية»، والثانية لفضيلة الدكتور محمود خالد الطحان، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، بعنوان «أحاديث الأحكام المتعلقة بالمصارف الإسلامية»، حيث تناول المحاضران الأصول الشرعية التي تستند إليها المؤسسات المالية الإسلامية في تقديم خدماتها ومنتجاتها.

القواعد الفقهية.. إطار منهجي لضبط المعاملات المصرفية

أكد الدكتور محمد وسام خضر أن الرجوع إلى القواعد والكليات الفقهية يمثل ضرورة لفهم التطورات المتلاحقة والابتكارات المتجددة في الخدمات المصرفية، موضحًا أن فقه المعاملات الإسلامية يقوم على التيسير وجلب المصالح ودفع المفاسد وتحقيق العدالة بين أطراف العقود.

وأشار إلى أن الاقتصار على الأحكام الجزئية دون استحضار القواعد الكلية قد لا يحقق الفهم المتكامل لطبيعة المعاملات المستحدثة، لافتًا إلى أهمية قاعدة «الأصل في الأشياء الإباحة»، وما تمنحه من مرونة في ابتكار صيغ تمويلية واستثمارية تلبي احتياجات العصر، ما دامت لا تتعارض مع دليل شرعي مانع.

وأوضح عضو الهيئة الاستشارية العليا للبحوث والتدريب أن قاعدة «العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني» تعد من القواعد الأساسية في تقييم المنتجات المصرفية، إذ لا يكون الحكم على المعاملة بمجرد الاسم الذي تطلقه المؤسسة عليها، وإنما بالنظر إلى حقيقتها وطبيعة هيكلها التمويلي، ومدى تحقق التملك وتحمل المخاطر.

وشدد على ضرورة التأكد من أن الصيغ المشروعة، مثل المرابحة والإجارة، لا تتحول إلى معاملات صورية تفضي إلى نتائج القروض الربوية، مؤكدًا أن القواعد الفقهية الحاكمة توفر إطارًا منهجيًا يضبط تطبيق هذه الصيغ ويحافظ على توافقها مع أحكام الشريعة.

متى يستحق المصرف الربح وفقًا لأحكام الشريعة؟

وتناول الدكتور محمد وسام خضر أثر قاعدتي «الغُرم بالغُنم» و«الخراج بالضمان» في التمييز بين التمويل الإسلامي والتمويل القائم على الفائدة المضمونة، موضحًا أن استحقاق الربح في المعاملات الاستثمارية يرتبط بتحمل تبعة المخاطر، ولا يصح الجمع بين ضمان رأس المال والربح على نحو يخالف طبيعة الاستثمار.

كما تطرق إلى قاعدة «الحاجة تنزل منزلة الضرورة، عامة كانت أو خاصة»، مستعرضًا تطبيقاتها في عدد من الخدمات المصرفية المعاصرة، مثل البطاقات الائتمانية والاعتمادات المستندية وخطابات الضمان، مع التأكيد على ضرورة مراعاة الضوابط الشرعية التي تمنع الوقوع في الربا أو الجهالة المفضية إلى النزاع.

أحاديث الأحكام أساس شرعي للتطبيقات المصرفية المعاصرة

وفي سياق متصل، أكد الدكتور محمود خالد الطحان، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن أحاديث الأحكام المتعلقة بالبيوع والمعاملات المالية تمثل أساسًا شرعيًا لتأصيل التطبيقات المصرفية المعاصرة وضبط ممارسات المؤسسات المالية الإسلامية.

وأوضح أن الشريعة الإسلامية جاءت بتنظيم شامل لشؤون الحياة، وأن المعاملات المالية جزء أصيل من أحكامها، مستشهدًا بقول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، مبينًا أن الأصل في المعاملات الإباحة، ما لم يرد دليل شرعي بالتحريم أو تشتمل المعاملة على ضرر أو جهالة فاحشة أو ربا.

واستعرض عددًا من أحاديث الأحكام المتعلقة بالبيوع، وفي مقدمتها حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عند الإنسان، موضحًا صلته بضوابط المرابحة للآمر بالشراء، التي تقتضي أن يتملك المصرف السلعة ويقبضها قبل بيعها للعميل.

كما تناول حديث النهي عن بيعتين في بيعة، وما يتضمنه من منع العقود التي تشتمل على جهالة أو تؤدي إلى الربا، مؤكدًا أهمية وضوح العقود التمويلية واستقلال صيغها المشروعة، بما يحول دون اختلاط المعاملات المباحة بالصور المحرمة.

ضوابط الصرف والتقابض في المعاملات المالية

وتطرق أمين الفتوى إلى حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه في أحكام الصرف، وما اشتمل عليه من اشتراط التقابض عند اختلاف الأصناف النقدية، موضحًا أثر ذلك في ضبط معاملات تغيير العملات والتحويلات المالية وغيرها من الخدمات التي تقدمها المصارف.

وأشار إلى ضرورة مراعاة التقابض الحقيقي أو الحكمي وفق الضوابط الشرعية، إلى جانب الالتزام بأحكام السنة النبوية التي تقتضي تجنب الربا والغرر والجهالة، ومراعاة ضوابط التملك والتقابض في مختلف صور المعاملات المصرفية.

واستخلص الدكتور محمود خالد الطحان من أحاديث السنة النبوية عددًا من القواعد الحاكمة للعمل المصرفي، من أبرزها قاعدة «الغُنم بالغُرم»، التي تربط استحقاق العائد بتحمل تبعة المخاطرة، وتحريم الربا بصورتيه ربا الفضل وربا النسيئة، فضلًا عن حظر الغرر والجهالة، وضرورة الوضوح في مواصفات السلع والأثمان ومواعيد الاستحقاق والتسليم.

وأكد أهمية الفتوى المؤسسية والجهات الإفتائية المعتبرة في توجيه عمل المصارف الإسلامية وفق المعايير الشرعية، بما يضمن سلامة التطبيقات العملية للمعاملات المالية واتساقها مع أحكام الشريعة ومقاصدها.