بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

من النيل إلى البحر الأحمر.. دلالات مشاورات «2+2» المصرية السودانية

جانب من اللقاء
جانب من اللقاء

تعكس الجولة الثالثة من آلية المشاورات «2+2» بين وزراء الخارجية والري في مصر والسودان، المنعقدة اليوم الموافق 2 نوفمبر 2026 بالقاهرة، تحولاً في طبيعة التنسيق الثنائي، من إدارة الملفات التقليدية للعلاقات بين دولتي وادي النيل إلى محاولة بناء مقاربة أكثر تكاملاً تجاه التحديات الأمنية والمائية والحي سياسية في محيطهما الإقليمي.

 

فالإعلان المشترك الصادر عن الاجتماع لا يقتصر على تأكيد الروابط التاريخية بين البلدين، وإنما يربط بصورة مباشرة بين وحدة الدولة السودانية، والأمن المائي لدولتي المصب، ومستقبل التعاون داخل حوض النيل، وترتيبات الأمن في البحر الأحمر، فضلًا عن تداعيات الهجمات التي تستهدف البنية التحتية السودانية.

وتكشف هذه الملفات، عند قراءتها ضمن سياق واحد، عن إدراك متزايد لدى القاهرة والخرطوم بأن التحديات التي تواجههما لم تعد منفصلة جغرافيًا أو سياسيًا. 

فالحرب السودانية تتقاطع مع التنافس الإقليمي في القرن الأفريقي، والخلاف حول سد النهضة يرتبط بمستقبل التعاون المؤسسي داخل حوض النيل، فيما تتصل ترتيبات الوصول إلى البحر الأحمر بقضايا السيادة والنفوذ والممرات البحرية.

وتزداد أهمية هذا التقارب بالنظر إلى إعلان العلمين الرباعي الصادر في 4 أكتوبر 2026، بمشاركة مصر والسودان وإريتريا والصومال، والذي أكد دعم وحدة الدول وسيادتها، ورفض الإجراءات الأحادية التي تمس المصالح المائية لدولتي المصب، والتشديد على مسؤولية الدول المشاطئة عن حوكمة البحر الأحمر.

 

 وبذلك يأتي إعلان القاهرة في سياق مسار إقليمي أوسع يسعى إلى تعزيز التشاور وتنسيق المواقف بين مجموعة من الدول التي تتقاطع مصالحها في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

وتتمثل الإشكالية الرئيسية في تحديد ما إذا كانت هذه المشاورات تمثل تطورًا في مستوى التنسيق الدبلوماسي التقليدي، أم أنها تؤسس تدريجيًا لمقاربة استراتيجية تربط الأمن المائي بالأمن الوطني وبالتوازنات الجيوسياسية في الإقليم.

وتنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن آلية «2+2» تعكس محاولة مصرية سودانية لتقليص الفجوة بين المواقف السياسية والاحتياجات الأمنية والمائية، لكنها تظل مرتبطة بقدرة الطرفين على تحويل التفاهمات المعلنة إلى ترتيبات مؤسسية قابلة للتنفيذ، في ظل استمرار الحرب السودانية والخلاف حول سد النهضة وتنافس القوى الإقليمية على النفوذ في البحر الأحمر.

 آلية «2+2» وتطور طبيعة العلاقات المصرية السودانية

 

تكتسب الآلية التشاورية المشتركة أهميتها من جمعها بين وزارتي الخارجية والري في البلدين، بما يسمح بربط الحسابات السياسية بالاعتبارات الفنية في ملفات تتداخل فيها السيادة والمياه والتنمية والأمن الإقليمي.

فالمشاورات الدبلوماسية وحدها قد تتيح التوصل إلى مواقف مشتركة، لكنها لا تكفي لمعالجة التعقيدات المرتبطة بإدارة الموارد المائية أو إعادة تأهيل المنشآت السودانية أو تنسيق المواقف في المحافل الدولية. 

 

ومن هنا، فإن مشاركة وزيري الخارجية والري توفر إطارًا يجمع بين صياغة الموقف السياسي وتحديد الاحتياجات الفنية اللازمة لتنفيذه.

ويكتسب هذا النموذج أهمية إضافية في العلاقات المصرية السودانية، نظرًا إلى الترابط الجغرافي والهيدرولوجي بين البلدين، وتشابك مصالحهما في إدارة مياه النيل، إلى جانب ارتباط استقرار السودان بالبيئة الأمنية المحيطة بمصر.

كما أن انعقاد الجولة الثالثة بعد اجتماع سابق في سبتمبر 2025 ومشاورات رئيسي الوزراء في فبراير 2026 يعكس توجهًا نحو الحفاظ على استمرارية الحوار المؤسسي، بدلًا من حصر التنسيق في اللقاءات المرتبطة بالأزمات الطارئة.

غير أن استمرارية الاجتماعات لا تعني بالضرورة تحقق نتائج استراتيجية تلقائيًا؛ إذ يتوقف ذلك على انتظام آليات المتابعة، ووضوح المسؤوليات، ووجود برامج تنفيذية ومؤشرات قابلة للقياس.

وبالتالي، فإن القيمة الأساسية للآلية تتمثل في قدرتها المحتملة على تحويل التقارب السياسي إلى تنسيق مؤسسي دائم، لا في مجرد تأكيد العلاقات التاريخية بين البلدين.

وحدة السودان باعتبارها مصلحة استراتيجية مصرية

يمثل تأكيد القاهرة رفض إنشاء كيانات موازية في السودان أو الاعتراف بها أحد المحاور الرئيسية للإعلان المشترك،  ويعكس هذا الموقف تصورًا مصريًا يرى أن الحفاظ على وحدة الدولة السودانية ومؤسساتها يمثل شرطًا أساسيًا لاستقرار البيئة الأمنية في وادي النيل.

فاستمرار الصراع السوداني يهدد بإطالة أمد الانقسام السياسي والمؤسسي، ويزيد صعوبة إعادة بناء الدولة، كما يفتح المجال أمام تنافس القوى الخارجية على التأثير في أطراف الصراع ومناطق النفوذ داخل السودان.

ومن المنظور المصري، تتجاوز تداعيات هذا الوضع حدود السودان، نظرًا إلى الامتداد الجغرافي بين البلدين، والروابط الاقتصادية والاجتماعية، والارتباط المباشر بين استقرار السودان وأمن الحدود الجنوبية المصرية.

كما أن أي تحول طويل الأمد نحو تعدد مراكز السلطة قد يعقد إدارة الموارد المائية، ويضعف قدرة الدولة السودانية على حماية منشآتها الحيوية، ويزيد صعوبة تنفيذ مشروعات التعافي وإعادة الإعمار.

لذلك، يمكن تفسير تأكيد القاهرة على وحدة السودان بوصفه محاولة لمنع تحول الأزمة الداخلية إلى واقع جيوسياسي جديد، يصعب احتواؤه أو إعادة ترتيبه عبر التسويات السياسية التقليدية.

لكن دعم وحدة الدولة لا يعني أن استعادة الاستقرار يمكن تحقيقها من خلال دعم المؤسسات وحده؛ إذ يتطلب الأمر أيضًا وقف القتال، وحماية المدنيين، وتهيئة الظروف لمسار سياسي سوداني، ومعالجة العوامل التي تغذي استمرار الحرب.

وتبرز هنا ضرورة التمييز بين الحفاظ على مؤسسات الدولة بوصفه هدفًا استراتيجيًا، وبين معالجة الأزمة السياسية التي تحدد مستقبل الحكم والعلاقة بين المكونات السودانية المختلفة.

ومن ثم، فإن الاختبار الحقيقي للسياسة المصرية يتمثل في قدرتها على الجمع بين دعم وحدة السودان وتشجيع تسوية سياسية قابلة للاستمرار، تحول دون تفكك الدولة وتحد من التدخلات الخارجية.

دلالات الإشارة إلى اتفاقية الدفاع المشترك

تكتسب الإشارة إلى اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والسودان أهمية سياسية، لأنها ترفع مستوى الرسالة الموجهة إلى الأطراف المعنية بمستقبل الدولة السودانية، وتؤكد أن القاهرة تنظر إلى تهديد وحدة السودان باعتباره قضية تتصل بمصالحها الأمنية المباشرة.

وقد يؤدي هذا التأكيد وظيفة ردعية، من خلال إظهار أن مصر لا تستبعد الأدوات القانونية والسياسية المتاحة لدعم السودان وحماية مصالحها المرتبطة باستقراره.

ومع ذلك، لا يجوز تفسير النص باعتباره إعلانًا عن تدخل عسكري وشيك أو دليلًا على اتخاذ قرار باستخدام القوة؛ فالإعلان يؤكد الاستعداد لاتخاذ التدابير التي يتيحها القانون الدولي واتفاقية الدفاع المشترك، ولا يحدد إجراءً عسكريًا بعينه.

وتتوقف القيمة العملية لهذه الرسالة على مدى وضوح الالتزامات المتبادلة، وطبيعة التهديدات التي تستدعي تفعيلها، والأدوات الدبلوماسية والأمنية المتاحة للتعامل مع الأزمة.

كما أن توظيف الاتفاقية في السياق الحالي يطرح مسألة التوازن بين الردع والتصعيد، فكلما كانت الرسائل السياسية واضحة ومسنودة بتحرك دبلوماسي منظم، زادت قدرتها على حماية المصالح من دون توسيع نطاق المواجهة.

وعليه، فإن الأهمية الاستراتيجية لهذا البند تكمن في إدراج أمن السودان ضمن تصور أكثر وضوحًا للأمن القومي المصري، مع إبقاء طبيعة التحرك الفعلي مرتبطة بتطورات الميدان والاعتبارات القانونية والسياسية.

سد النهضة وإعادة تثبيت معادلة دولتي المصب

يحتل ملف سد النهضة موقعًا مركزيًا في الإعلان، إذ يؤكد الطرفان رفض الإجراءات الأحادية في حوض النيل الشرقي، وضرورة الالتزام بمبادئ القانون الدولي ذات الصلة، بما في ذلك الإخطار المسبق والتشاور وعدم الإضرار.

وتعكس هذه الصياغة استمرار الخلاف المصري السوداني الإثيوبي حول القواعد التي ينبغي أن تحكم تشغيل السد وإدارته، رغم انتقال المشروع من مرحلة الإنشاء إلى واقع التشغيل.

فالتحدي الأساسي أمام القاهرة والخرطوم لم يعد متعلقًا بمسألة بناء السد وحدها، وإنما بكيفية إدارة مخاطره المائية، وتبادل البيانات، والتعامل مع فترات الجفاف والفيضانات، وتوفير ترتيبات واضحة للتنسيق بين الدول المعنية.

ومن هذا المنطلق، تسعى مصر والسودان إلى إعادة تركيز النقاش على ضرورة وجود قواعد تشغيل وتنسيق مقبولة، بدلًا من التعامل مع اكتمال المشروع باعتباره نهاية للخلاف.

ويعكس الإعلان أيضًا محاولة لتعزيز الموقف التفاوضي المشترك لدولتي المصب، في ضوء ما تراه القاهرة والخرطوم من ترابط بين أمنهما المائي.

لكن قوة هذا الموقف لا تتوقف على توافق الدولتين فيما بينهما فحسب، بل تعتمد على إمكانية تحويله إلى مسار تفاوضي يستوعب المصالح الإثيوبية التنموية، ويعالج مخاوف دولتي المصب، ويحدد ترتيبات عملية للتعامل مع المخاطر المائية.

كما أن التوصيف السياسي الوارد في الإعلان بشأن مخالفة السد للقانون الدولي يعبر عن موقف الطرفين، ولا ينبغي اعتباره حكمًا قضائيًا دوليًا نهائيًا في النزاع.

وتظل المعالجة المستدامة للملف مرتبطة بوجود اتفاقات وترتيبات واضحة، وآليات لتبادل المعلومات والتشاور، وقواعد للتعامل مع الظروف الهيدرولوجية الاستثنائية.

وعليه، فإن التقارب المصري السوداني يعزز التنسيق بين دولتي المصب، لكنه لا يغني عن التوصل إلى ترتيبات تفاوضية مع إثيوبيا، باعتبارها الطرف الثالث المعني مباشرة بملف السد.

 مبادرة حوض النيل والصراع على قواعد التعاون الإقليمي

لا يقتصر الإعلان على سد النهضة، بل يتناول مستقبل مبادرة حوض النيل والاتفاق الإطاري التعاوني، مؤكدًا ضرورة استعادة الشمولية والتوافق بين دول الحوض.

وتكشف هذه النقطة عن بُعد مؤسسي مهم في الخلاف المائي؛ إذ لا يتعلق الأمر بتوزيع المياه واستخداماتها فقط، وإنما أيضًا بالقواعد التي تنظم التعاون بين الدول المشاطئة للنهر، وطبيعة المؤسسات التي ستدير هذا التعاون مستقبلًا.

وتسعى مصر والسودان إلى الحفاظ على منصة إقليمية جامعة، يمكن من خلالها معالجة الخلافات المتعلقة بالمشروعات المائية وتبادل المعلومات والتنسيق الفني، مع رفض تحول المبادرة إلى إطار منقسم يعكس تباعد المواقف بين الدول.

وتبرز أهمية العملية التشاورية المتعلقة بالدول غير الأطراف في الاتفاق الإطاري التعاوني، باعتبارها محاولة لمعالجة المخاوف المتبادلة وإعادة بناء التوافق حول مستقبل التعاون.

كما أن الإشارة إلى الدور الذي تضطلع به أوغندا ورواندا وجنوب السودان تعكس أهمية الوساطة الأفريقية في إدارة الخلافات داخل الحوض.

غير أن استعادة الشمولية تتطلب أكثر من التأكيد السياسي على ضرورة التوافق؛ فهي تحتاج إلى معالجة فعلية للاختلافات بشأن الاتفاق الإطاري، وإيجاد صيغة مقبولة توازن بين مصالح الدول المختلفة والتزاماتها القانونية.

ومن ثم، فإن المعركة المؤسسية داخل حوض النيل لا تقل أهمية عن الخلاف حول سد النهضة، لأن شكل التعاون الإقليمي سيؤثر في قدرة الدول على إدارة النزاعات المستقبلية.

البحر الأحمر والقرن الأفريقي.. السيادة في مواجهة الجغرافيا السياسية

 

يمثل البند العاشر من الإعلان امتدادًا مباشرًا للمخاوف المرتبطة بتطورات القرن الأفريقي، ولا سيما الجدل حول النفاذ البحري لإثيوبيا، وترتيبات استخدام المواني، ومستقبل التوازنات الأمنية على ساحل البحر الأحمر.

ويؤكد الإعلان أن حوكمة البحر الأحمر مسؤولية الدول المشاطئة له، ويرفض أي نفاذ بحري لدولة غير مشاطئة إذا كان ذلك على حساب سيادة الدول الساحلية ووحدة أراضيها وسلامة موانيها.

وتنبع أهمية هذا الموقف من التداخل بين الجغرافيا والاقتصاد والأمن في البحر الأحمر؛ فالممر البحري يمثل شريانًا رئيسيًا للتجارة الدولية، كما ترتبط به مصالح استراتيجية مباشرة لمصر، نظرًا إلى اتصاله بقناة السويس، وللسودان من خلال ساحله وموانيه.

وفي المقابل، تنظر إثيوبيا إلى الوصول إلى البحر باعتباره مصلحة استراتيجية مرتبطة باحتياجاتها الاقتصادية وموقعها الإقليمي، بعد فقدان منفذها البحري المباشر عقب استقلال إريتريا عام 1993.

لكن ينبغي التمييز بين حق الدولة الحبيسة في الوصول إلى البحر وفق القواعد والاتفاقات القانونية ذات الصلة، وبين أي ترتيبات قد تمس سيادة دولة ساحلية أو تنتقص من سلطتها على أراضيها وموانيها.

وبالتالي، لا تتمثل المسألة في رفض الوصول البحري باعتباره مبدأً عامًا، وإنما في طبيعة الوسائل والترتيبات التي يمكن أن تحقق المصالح الاقتصادية للدول الحبيسة من دون فرض واقع سياسي أو أمني جديد على الدول المشاطئة.

ومن منظور القاهرة والخرطوم، فإن تحويل قضية النفاذ البحري إلى مسألة ترتيبات أحادية قد يؤدي إلى زيادة التوترات الإقليمية، ويشجع على عسكرة الممرات البحرية، ويفتح المجال أمام تنافس خارجي أوسع على النفوذ في المنطقة.

ومع ذلك، فإن الإعلان يمثل موقفًا سياسيًا مشتركًا، ولا يحسم بمفرده جميع المسائل القانونية المتعلقة بالملاحة الدولية أو حقوق الدول الحبيسة.

وتكمن الأولوية الاستراتيجية في منع تحول التنافس على الوصول البحري إلى أزمة أمنية أوسع، من خلال التفاوض واحترام السيادة والتوصل إلى ترتيبات قانونية واضحة.

 الهجمات على المنشآت السودانية وتدويل البعد الأمني للأزمة

يدين الإعلان استهداف البنية التحتية السودانية، ولا سيما محطات الكهرباء والمنشآت المائية، بواسطة مسيّرات يقول النص إنها أُطلقت من إحدى دول الجوار.

وتحمل هذه الإشارة دلالة سياسية وأمنية مهمة، لأنها تربط الهجمات على المنشآت الحيوية بقضية السيادة السودانية، وتثير مسألة امتداد تداعيات الحرب إلى البيئة الإقليمية المحيطة.

فالمنشآت المائية والكهربائية تمثل جزءًا من البنية الأساسية اللازمة لاستمرار الخدمات العامة، كما أن استهدافها يزيد الأعباء على المؤسسات السودانية ويعقد جهود التعافي وإعادة الإعمار.

وتتجاوز خطورة هذه الهجمات الأضرار المباشرة؛ إذ قد تؤدي إلى تعطيل الخدمات، وإضعاف القدرة على إدارة الموارد المائية، ورفع تكاليف إعادة التأهيل، فضلًا عن زيادة المخاطر التي تواجه المدنيين.

لكن الإعلان لا يسمّي الدولة المجاورة التي يشير إليها، ولا يقدم في نصه تفاصيل فنية أو أدلة مستقلة تسمح بحسم المسؤولية. ولذلك، ينبغي الفصل بين الموقف الرسمي الوارد في البيان وبين التحقق المستقل من مصدر الهجمات والمسؤولية عنها.

وتبرز هنا أهمية المسار الدبلوماسي والقانوني في التعامل مع الاتهامات المرتبطة بالهجمات العابرة للحدود، بما يحد من احتمالات التصعيد غير المحسوب.

كما أن دعم المؤسسات السودانية وحماية المنشآت المدنية ينبغي أن يرتبطا بإجراءات عملية لتعزيز الحماية، وتوثيق الأضرار، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتوفير الدعم الفني اللازم.

وبذلك، يصبح الأمن المائي جزءًا من منظومة أوسع لحماية الدولة السودانية، وليس مجرد ملف فني منفصل عن الحرب.

التعاون المائي وإعادة الإعمار من التفاهم السياسي إلى الشراكة التنفيذية

 

تمثل ملفات التعافي وإعادة الإعمار أحد أهم الجوانب العملية في الإعلان، خاصة ما يتعلق بتقييم الأضرار التي لحقت بخزان جبل أولياء، واستمرار أعمال الصيانة، وتدريب الكوادر السودانية، وتعزيز التعاون الفني بين وزارتي الري في البلدين.

وتعكس هذه الملفات محاولة لربط التقارب السياسي بمشروعات ذات أثر مباشر في استعادة القدرات المؤسسية السودانية.

وتزداد أهمية هذا المسار في ظل ما خلفته الحرب من أضرار بالبنية التحتية واضطرابات في الخدمات، الأمر الذي يجعل إعادة تأهيل المنشآت المائية وتطوير أنظمة الرصد وتبادل البيانات من الاحتياجات الأساسية لمرحلة التعافي.

وفي هذا السياق، ناقش وزيرا الري المصري والسوداني في 2 نوفمبر 2026 تسريع إجراءات توقيع مذكرة تفاهم للتعاون المائي، تشمل حصاد مياه الأمطار، ومحطات المياه الجوفية العاملة بالطاقة الشمسية، والتدريب وبناء القدرات، وتبادل الخبرات، فضلًا عن إعادة تأهيل خزان جبل أولياء وأنظمة الرصد الهيدرولوجي.

وتوضح هذه الخطوات أن التعاون الثنائي يمتلك مسارًا فنيًا يمكن البناء عليه، بما يتجاوز المواقف السياسية العامة إلى مشروعات محددة تتصل باحتياجات المجتمعات المحلية.

لكن فاعلية هذه المشروعات ستتوقف على توفير التمويل، واستقرار الأوضاع الأمنية، وتحديد المسؤوليات التنفيذية، ووضع جداول زمنية واضحة، وإنشاء آليات للمتابعة والتقييم.

كما أن استدامة التعاون تتطلب أن يكون جزءًا من خطة أوسع لإعادة بناء المؤسسات السودانية، بما يضمن قدرة الجهات الوطنية على تشغيل المنشآت وصيانتها بعد انتهاء مراحل الدعم الفني.

ومن ثم، فإن التعاون المائي يمكن أن يتحول إلى إحدى الركائز الأكثر استدامة في العلاقات المصرية السودانية، إذا اقترن بالقدرة على التنفيذ وبناء القدرات المحلية.

 

 هل يتجه الإقليم إلى صيغة جديدة من التنسيق الاستراتيجي؟

 

تكشف مقارنة إعلان القاهرة بإعلان العلمين الرباعي عن تقاطع واضح في عدد من المبادئ، أبرزها دعم وحدة الدول وسلامة أراضيها، ورفض التدخلات التي تهدد مؤسساتها الوطنية، والتأكيد على التعاون المائي، واعتبار أمن البحر الأحمر مسؤولية ترتبط بالدول المشاطئة له.

وقد يتيح هذا التقاطع بناء شبكة من التشاور الإقليمي بين مصر والسودان وإريتريا والصومال، مع إمكانية توسيع التعاون في ملفات محددة تتعلق بالأمن البحري والتجارة والبنية التحتية والتنمية.

لكن من الضروري عدم المبالغة في توصيف هذا التقارب باعتباره تحالفًا عسكريًا مكتملًا أو جبهة موحدة ضد إثيوبيا.

في المواقف المشتركة لا تعني بالضرورة تطابق المصالح في جميع الملفات، كما أن لكل دولة أولوياتها وحساباتها الخاصة، وقد تختلف رؤيتها لوسائل معالجة الأزمات الإقليمية.

والأدق أن ما يتشكل هو إطار للتنسيق السياسي يستهدف حماية مجموعة من المصالح المتقاطعة، وليس بالضرورة تأسيس تكتل مغلق أو استراتيجية مواجهة شاملة.

وتتوقف قدرة هذا الإطار على الاستمرار على انتظام المشاورات، وتطوير آليات متابعة مشتركة، وإطلاق مشروعات اقتصادية وتنموية، وإدارة الخلافات المحتملة بين الدول المشاركة.

كما أن استقرار القرن الأفريقي لا يمكن أن يتحقق عبر ترتيبات تستبعد بقية الأطراف المعنية بصورة دائمة؛ بل يتطلب صيغًا للتعاون تراعي المصالح المشروعة للدول المختلفة، وتحافظ على سيادة الدول وسلامة أراضيها.

السيناريوهات المحتملة لتطور التنسيق المصري السوداني

 

يمكن استشراف ثلاثة مسارات رئيسية لتطور نتائج الإعلان خلال المرحلة المقبلة.

السيناريو الأول: تعميق التنسيق المؤسسي

يفترض هذا المسار انتظام اجتماعات آلية «2+2»، وتسريع توقيع مذكرة التفاهم المائي، وتنفيذ مشروعات إعادة التأهيل والتدريب، وتعزيز تبادل البيانات والتنسيق في المحافل الإقليمية والدولية.

وفي حال تحقق ذلك، يمكن أن يتحول التقارب السياسي إلى شراكة عملية أكثر استدامة، وأن يكتسب الموقف المشترك في ملف النيل دعمًا مؤسسيًا وفنيًا أكبر.

السيناريو الثاني: استمرار التوافق السياسي مع محدودية التنفيذ

في هذا المسار، يحتفظ الطرفان بمواقف مشتركة بشأن وحدة السودان وسد النهضة والبحر الأحمر، لكن التنفيذ يتباطأ بفعل الحرب أو القيود التمويلية أو استمرار الخلافات الإقليمية.

وقد يؤدي ذلك إلى بقاء الإعلان أداة مهمة لتأكيد المواقف السياسية، من دون أن يحقق تحولًا جوهريًا في الوقائع الميدانية أو في مسار التفاوض بشأن المياه.

السيناريو الثالث: اتساع الضغوط الإقليمية وتعقد الملفات المشتركة

يفترض هذا المسار تصاعد التوترات في القرن الأفريقي، أو استمرار الهجمات على البنية التحتية السودانية، أو تعثر الجهود الرامية إلى التوصل لترتيبات مائية مقبولة.

وفي هذه الحالة، قد تزداد أهمية التنسيق المصري السوداني، لكن كلفته السياسية والأمنية قد ترتفع أيضًا، خصوصًا إذا اتسعت دائرة الاتهامات المتبادلة أو تراجعت فرص التسوية الدبلوماسية.

ولا يمكن الجزم بأي من هذه السيناريوهات في الوقت الحالي؛ إذ ستتحدد اتجاهات التطور وفق مسار الحرب السودانية، ومدى استجابة الأطراف المعنية للحوار، وقدرة المؤسسات المشتركة على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه.