بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

أوراق مسافرة

الإنسان والاصطناعي وحرب قادمة"7"



تجولت معكم داخل عقل الذكاء الاصطناعي عبر ست مقالات سابقة، بدءًا من نشأة فكرته عند الإغريق القدماء ومراحل تطوره اللاحقة، ثم دخوله مجالات الحياة ليقدم خدمات فريدة وسريعة ودقيقة في الطب والعلم والتعليم والأمن والسلم والعدل، وأصل بكم اليوم إلى دخوله هو وذراعه المعدنية، وأعني به "الروبوت"، إلى مجال الحروب والدفاع وإدارة الأزمات العسكرية.
لقد أصبح لدينا منذ سنوات روبوت لنزع الألغام والمتفجرات من مخلفات الحروب، لتمهيد الطريق أمام القوات البرية للتوغل دون مخاطر، كما ظهرت الطائرات بدون طيار "الدرونز" التي توجه عن بعد لضرب الأهداف أو التقاط الصور والمعلومات وتقوم بدور الجاسوس بدقة وسرعة لا تتوافر في البشر، وتطور الأمر إلى أسراب الدرونز، حيث تطلق عشرات الطائرات الصغيرة المترابطة بـ"خوارزمية" واحدة لتشوش على الرادارات وتستنزف الدفاعات الجوية للعدو دفعة واحدة.
وقد ظهر مصطلح "الحرب الخوارزمية"، وفيها يحسب الذكاء الاصطناعي في ثانيتين أن صاروخًا ما سيسقط في أرض فارغة فيتم تجاهل التصدي له، وآخر سيسقط في مدرسة فيتم اعتراضه، وتتجلى أهميته بوضوح في صواريخ فرط الصوتية التي تصل سرعتها إلى 6000 كم في الساعة، حيث يستغرق رد فعل الإنسان ربع دقيقة وهو زمن طويل في عمر الحروب، بينما ترد الآلة في 0.001 ثانية.
ولا تتوقف استخداماته عند ميدان الحرب المباشر، بل أيضاً في مجال الصيانة العسكرية التنبؤية، وأعني بها أن يتنبأ الذكاء الاصطناعي بعطل ما سيحث في محرك دبابة أو طائرة قبل وقوعه بأسابيع، فيوفر مليارات الدولارات ويمنع سقوطها أو توقفها عن العمل في أرض العدو، وفي مجال اللوجستيات في الحرب وأعني بها إدارة كل ما يحتاجه الجندي ليحارب من غير السلاح نفسه مثال كيف يصل الطعام والوقود والذخيرة والدواء وقطع الغيار للجندي في الجبهة  في الوقت الصحيح وبأقل تكلفة وأقل من حيث المخاطرة والخطر، فالذكاء الاصطناعي الآن هو من يخطط هذه العملية، هو من يتنبأ بالنقص قبل حدوثه، هو من يختار الطريق الأقصر والأفضل، ويحسب الكمية المطلوبة، يدير مسارات الإمداد والذخيرة والوقود ويختار الطريق الأكثر أمانًا. 
وفي مجال الاستخبارات العسكرية يقوم الاصطناعي بتحليل ملايين الصور التي تلتقطها الأقمار الصناعية يوميًا، ويغوص في المحيط المفتوح للمعلومات ليحلل منشورات السوشيال ميديا والمكالمات 
والفيديوهات ويرسم صورة كاملة لتحركات العدو، كما دخل بقوة في الحرب السيبرانية والإلكترونية، حيث يخترق شبكات العدو ويشوش على راداراته ويحمي شبكات جيشه، بجانب أنه اصبح البطل في الحرب المعلوماتية اثناء الحروب، فهو يكشف الفيديوهات المفبركة كفيديو قائد يعلن استسلام جيشه لبث الذعر وهدم الروح المعنوية لجيش العدو ولدى شعب الدولة التابع لها هذا الجيش، وفي المقابل تستخدمه بعض الجيوش في الحرب النفسية لتوليد حملات تضليل موجهة لكل فئة من جمهور العدو بلغته ولهجته.
وتتوسع ترسانة الذكاء الاصطناعي بألياته لتشمل الأسلحة البحرية والبرية غير المتعارف ولا يتم تداولها في بساطة، مثل الغواصات ذاتية القيادة والزوارق الانتحارية والمركبات القتالية بدون سائق، كما يساعد وزارات الدفاع في محاكاة الحرب قبل وقوعها، حيث يجمع بيانات الجيشين ويحاكي ما يصل إلى 10 آلاف سيناريو قتالي، وهو رقم مهول وفقا لعقلية البشر، فهويقول للقائد مثلاً لو هاجمت من هنا خسائرك 3000 جندي، ولو من هناك خسائرك أقل، فيساعد ذلك على ضبط موازين القوى وتلافي الخسائر قدر الإمكان.
كما يساهم في منع الأخطاء البشرية القاتلة بنسبة تصل إلى 80% في حوادث الطائرات الحربية الناتجة عن إرهاق الطيار، فالاصناعي لا يتعب ولا يكل ولا يفقد التركيز لارتكاب مثل هذه الأخطاء، ورغم هذا التقدم، لا يوجد حتى الآن سلاح يُستخدم رسميًا يمكنه أن يختار ويقتل بشكل ذاتي كامل دون موافقة بشرية، فحتى الدرونز التركية والإسرائيلية المتقدمة تحتاج إلى مشغل بشري، وكذلك منظومة القبة الحديدية الإسرائيلية التي تتصدى أوتوماتيكيًا للصواريخ، يتم تغذيتها بالمعلومات والتحكم بها بشريًا، فهي لا تعمل وحدها.
ونصل إلى النقاط التي يستحيل أن يحل فيها الذكاء الاصطناعي محل الإنسان وفي مقدمتها أخلاقيات الحرب، فاتفاقيات جنيف تقول" لا تقتل جريحًا يستسلم لك"، وهو ما لا يدركه الذكاء الاصطناعي، فهو لا يرى سوى بكسلات تتحرك، بينما الإنسان وحده يفهم معنى رفع جندي أو كتيبة للراية البيضاء للأستسلام أو رمي السلاح، ولا يمكنه ادراد أن جنى من العدو جريح ووقغ أسيراً فلا يجب قتله بل التعامل معه بموجب اتفاقيات الحرب بشأن التعامل مع الأسرى، كما أن الروبوت لا يدرك معاني التضحية والشجاعة، فلن يُلقي بنفسه مثلاً فوق قنبلة لينقذ كتيبته، فهو مبرمج للحفاظ على نفسه وتنفيذ مهمته.
كذلك قرار إنهاء الحرب وعقد السلام لا يمكن أن يصدره الذكاء الاصطناعي، فالحرب قد تبدأ بحسابات يدخل فيها الاصطناعي بقوة في العصر الحديث، لكن السلام يبدأ بمصافحة وغفران ونظرة في العين"، ولا توجد خوارزمية تفهم معنى المسامحة وإطلاق مبادرة للسلام...وللحديث بقية 
فكرية أحمد
[email protected]