محمد سعيد رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة «آى دى تى» للاستشارات والنظم:
معركة الديون تشبه «الحرث فى البحر»
85 شركة مستهدفة فى عام 2027
رحلة تتجدد فصولها مع كل تحدٍ.. طموح لا يعترف بالسكون أو يرضى بحدود هكذا تُكتب حكايات الاستثنائيين؛ سعى متواصل لبلوغ الأهداف، وإرادة صلبة لا تكتفى باعتلاء القمة، بل تسعى إلى ترسيخ المكانة والحفاظ على الصدارة.
بين الثقة التى لا تهتز، والفكر الذى يتجاوز المألوف، والرؤية التى تستشرف آفاقًا أبعد، تتشكل ملامح تجربة استثنائية، لا تصنعها المصادفة، بل يرسمها الإصرار ويصقلها التحدى وتتوجها النجاحات. إنها حكاية عقل لا يتوقف عن الإبداع، وروح لا تعرف المستحيل، ومسيرة اختارت أن يكون التميز عنوانها، وأن يُختتم كل فصل فيها بشعار لا يحمله إلا العظماء، وكذلك محدثى صفحات حكايته لا تعرف النهاية.
السعى إلى الأفضل هو سر الاستمرار فى المقدمة، وعنوان العقول التى لا تتوقف عن التعلم، ولا تكف عن صناعة الفارق، وعلى هذا الأساس كانت مسيرته منذ الصبا.
محمد سعيد رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة «آى دى تى» للاستشارات والنظم.. يسعى أن يترك بصمة استثنائية فى كل طريق يخوضه، التحديات فى فلسفته تعتبر فرصًا، قدرة على تحويل المستحيل إلى ممكن.
فى قلب الشارع الذى يحمل اسمه، تخليدًا لدوره التاريخى والوطنى، يقف اسم مكرم عبيد، ذلك السياسى الوفدى والمفكر البارز، أحد أهم رموز الحركة الوطنية المصرية فى القرن العشرين، والذى كان ضمن الوفد المصرى المصاحب لسعد زغلول باشا، قبل أن يشاركه رحلة النفى إلى جزيرة مالطة.. فى أحد المبانى الشامخة، الممتدة إلى 12 طابقًا، وتحديدًا فى الطابق الرابع، تتجلى أجواء يسودها الهدوء، وتفرض فيها دقة العمل والتركيز إيقاعهما على مختلف الإدارات.
عند المدخل الرئيسى، ينقسم المكان إلى جناحين، يضم أحدهما مجموعة من الغرف، تتدرج فى ترتيبها حتى تصل إلى تلك الغرفة التى تُصاغ بين جدرانها السياسات الاستثمارية، وتُحسم فيها القرارات المهمة. غرفة تحمل طابعًا خاصًا، لا تشبه سواها، سواء فى تفاصيل ديكوراتها الأنيقة، أو لوحاتها الفنية التى تزين جدرانها، وتحكى كل واحدة منها حكاية تحمل قدرًا من الجمال والتأثير.
مكتبة تتراص على أرففها مؤلفات ترتبط جميعها بمجال تخصصه، وفى الركن البعيد منضدة دائرية تحتضن الاجتماعات اليومية، بينما يتوسط المكان مكتب تتوزع عليه الملفات بقدر لافت من النظام والدقة؛ لكل ملف موضعه، ولكل ورقة حكايتها، وبين القصاصات والملاحظات تتشكل ملامح يوم عمل لا يتوقف، تكشف تفاصيله عن حس عالٍ بالمسئولية، وقدرة على التنظيم، ووعى فى قراءة المشهد، وحسم فى اتخاذ القرار، ووضوح فى تحديد الأهداف.
بين هذه الملفات المرتبة، تطل أجندة الذكريات، حاملة بين صفحاتها فصولًا من مشوار استثنائى، لم يكن مجرد رحلة مهنية عابرة، بل تجربة صاغتها معادلة الاعتماد على النفس، والعمل المتواصل، والتجدد الدائم فى رسم الأهداف. وكأن غلافها يختزل فلسفة صاحبها فى عبارة واحدة، مواصلة السعى هى التى ترسم الطريق، والإصرار على التقدم هو ما يضمن البقاء فى القمة.
حماس لا تنقصه حكمة التحليل، وموضوعية فى قراءة الأحداث وتفسير تداعياتها، رؤية متفائلة تستشرف المستقبل بثقة واطمئنان؛ هكذا يبدو المشهد حين ينتقل الحديث إلى الاقتصاد.. يرى أن مساره مرّ بمرحلتين فارقتين. الأولى سبقت تصاعد التوترات الجيوسياسية، وشهدت تحرك الاقتصاد فى الاتجاه الصحيح، مدعومًا بسياسة نقدية أكثر تيسيرًا، رسمت ملامح رؤية مشرقة للمستقبل، لكن تبدل المشهد الجيوسياسى وتصاعد حدة التوترات فرضًا واقعًا مختلفًا، دفع إلى انتهاج سياسة أكثر تشددًا، عبر توظيف الأدوات المالية لضبط إيقاع الاقتصاد واحتواء التداعيات الناجمة عن ارتفاع أسعار البترول، وما صاحبها من انعكاسات سلبية على معدلات التضخم، وأسعار السلع والخدمات. وبين ضغوط الفاتورة الاستيرادية وتزايد الأعباء، دخل الاقتصاد فى حالة من عدم الاستقرار، ليصبح الإصلاح الهيكلى ضرورة لا تحتمل التأجيل، خاصة فى ظل ما يعانيه الاقتصاد من هشاشة تجعله أكثر تأثرًا بالصدمات الخارجية.
يقول إن «السوق المحلى يحظى بقوة وموارد بشرية، من شأنها التأثير على الاقتصاد بإيجابية، خاصة فى قطاع التكنولوجية مع التوسع فى الذكاء الصناعى، الذى يتصدر قائمة القطاعات فى الناتج المحلى الإجمالى».
< إذن.. هل نجحت الحكومة فى التعامل مع المتغيرات الخارجية واحتواء تداعياتها؟
< على ملامحه ترتسم علامات التفكير، وكأنه يعيد قراءة المشهد قبل أن يجيبنى قائلًا: «الحكومة لا تزال بحاجة إلى مزيد من الإجراءات الإصلاحية لمواجهة مثل هذه الأزمات، ووضع رؤية واضحة للتعامل معها، فلم تنجح بالشكل المطلوب فى إدارة الأزمات الخارجية واحتواء آثارها».
عمق فى التفكير، واتساع فى الرؤية، يرافقان انتقال الحديث إلى التحديات الداخلية، التى يرى أن زيادة الدين الخارجى تأتى فى مقدمتها، فى ظل اتساع الفجوة التمويلية. ويصف تعامل الحكومة مع ملف الدين بأنه أشبه بـ«الحرث فى البحر»، مشيرًا إلى أن تجاوز هذه المعضلة يتطلب العمل على خفض تكلفة التمويل، وترشيد النفقات، وإطالة آجال الدين، بما يخفف الضغوط التمويلية ويمنح الاقتصاد مساحة أكبر للحركة.
يمضى فى تحليل المشهد، قائلا إن «معدلات التضخم فى السوق المحلية لا تزال تحت السيطرة، مدعومة بضعف القدرة الشرائية، إلى جانب تراجع العملة نتيجة المتغيرات الخارجية».
يجيد النفاذ إلى ما وراء الأرقام، واستكشاف خبايا المشهد، وقراءة ما بين السطور؛ ليصوغ من التفاصيل رؤى تتجاوز ظاهر الأحداث. ولا تختلف نظرته إلى المرحلة المقبلة عن منهجه فى قراءة الحاضر، إذ يغلّف التفاؤل رؤيته لمستقبل الاقتصاد، معوّلًا على عودة النشاط إلى برنامج الطروحات، باعتباره أحد المحاور التى يراهن عليها فى المرحلة القادمة.
فى قراءته لأداء السياسة النقدية، يرى أنها قدمت أداءً متميزًا رغم ما واجهته من ضغوط وتحديات، مشيرًا إلى نجاح البنك المركزى فى إدارة السياسة النقدية، وتعزيز قيمة الاحتياطى النقدى، فضلًا عن قدرته على استقطاب الأموال الساخنة، وتحويل جزء منها إلى استثمارات أجنبية مباشرة، بما يدعم موارد الاقتصاد ويعزز قدرته على مواجهة التحديات.
< كيف ترى أداء السياسة المالية؟
< علامات تركيز تبدو على ملامحه قبل أن يجيبنى قائلًا: «نجحت السياسة المالية فى تنفيذ برامجها وخططها، مدعومة بارتفاع حصيلة المنظومة الضريبية، وتعمل حاليًا على تعزيز مرونة الإنتاج، بما يتيح للشركات التوسع فى تنفيذ المشروعات القومية، ويسهم فى زيادة معدلات الإنتاج».
السعى نحو الأفضل ليس مجرد رغبة عابرة، بل مسار متواصل لا يعرف التوقف، وهى فلسفة تمتد إلى رؤيته للاستثمار الأجنبى المباشر، الذى يرى ضرورة توجيهه نحو زيادة الإنتاج فى القطاعات الأكثر إسهامًا فى النمو الاقتصادى وتحقيق التنمية المستدامة، مستفيدًا من المزايا التنافسية التى يتمتع بها السوق المصرى.
تعزيز تدفقات الاستثمار لا يتوقف عند امتلاك المقومات، بل يتطلب، من وجهة نظره، دعم المستثمر المحلى، وتعزيز تنافسية القطاع الخاص، الذى لا يزال بحاجة إلى مزيد من المقومات التى تمكنه من المنافسة. وهو ما يستدعى توفير بيئة استثمارية ملائمة، إلى جانب الدور الذى تلعبه التحركات والجولات الخارجية للقيادة السياسية فى عدد من الدول، باعتبارها عاملًا مساعدًا على جذب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز تدفقاتها إلى السوق.
منهج واضح فى العمل، وقدرة على إدارة التفاصيل برؤية واعية، ينعكسان كذلك على قراءته للدور الذى لعبته وحدة الشركات المملوكة للدولة، وجهودها فى ملف القيد المؤقت للشركات الحكومية بالبورصة. ويرى أن هذه الخطوة تمثل إجراء اعتياديًا فى مسار إعداد تلك الشركات، ومن شأنها أن تضيف زخمًا جديدًا إلى السوق، وتعزز عمقه وتنوعه.
لا يغفل فى قراءته لمستقبل سوق المال أهمية المنتجات والأدوات المالية الحديثة، مشيرًا إلى أن المشتقات المالية، و«الشورت سيلينج»، وصانع السوق، وموفر السيولة، تمثل جميعها أدوات من شأنها جذب شرائح جديدة من المستثمرين، وتوسيع قاعدة المتعاملين بالسوق، غير أن تحقيق المستهدف منها يحتاج إلى بعض الوقت، بالتوازى مع تكثيف جهود التوعية بطبيعة هذه الأدوات وآليات عملها.
دروس صقلت الشخصية، ومحطات كشفت عن حجم القدرات، وتجارب متراكمة تحولت إلى رصيد من الخبرة والنجاح؛ هكذا تشكلت ملامح رحلة مهنية انعكست نتائجها على مسيرة الشركة، التى عززت حضورها فى الأسواق المحلية والعربية، ونجحت فى ترسيخ مكانتها بأداء استثنائى.
استطاعت الشركة، من خلال إعادة هيكلة الشركات، تحقيق معدلات نمو لافتة وصلت إلى 260% خلال العام المالى 2024/2025، سواء على مستوى نتائج الأعمال أو عدد الشركات، بالتوازى مع إدخال تطبيقات الذكاء الاصطناعى، ومواصلة التطوير التكنولوجى، فى خطوة تعكس حرصها على مواكبة المتغيرات وتعزيز قدراتها التنافسية.
لم تتوقف الطموحات عند ما تحقق، بل امتدت إلى مستهدفات جديدة ترتكز على محاور عدة، فى مقدمتها التوسع بالأسواق الأوروبية والأفريقية، تنويعًا لقاعدة الانتشار وتعزيزًا للحضور الخارجى، إلى جانب استهداف الوصول بعدد الشركات إلى 85 شركة.
سمعة طيبة، وبصمة راسخة فى مجال عمله، ونجاحات متتالية وضعته فى مساحة مختلفة من التميز، لكن النجاح الحقيقى لا يقاس بما تحقق فحسب، بل بالقدرة على صيانته والبناء عليه. وبين طموحات التوسع وتحديات المنافسة، يظل الحفاظ على ريادة الشركة شغله الشاغل، والسؤال الذى يفرض نفسه: هل ينجح فى مواصلة رحلة الصعود، وترسيخ مكانة الشركة فى صدارة المشهد؟