عندما تختفي اللحوم
هل نحن أمام طفرة بيئية عابرة أم هندسة ممنهجة لإفراغ الحظائر من الأبقار و الجاموس والأغنام؟؟؟
يتصاعد الذعر يوماً بعد يوم في الولايات المتحدة وأوروبا على وقع زحف حشرة صغيرة تُعرف بـ«قراد النجمة الوحيدة». إصابة واحدة بلدغة هذه الحشرة تعني باختصار حرمان الإنسان إلى الأبد من تذوق اللحوم الحمراء، تحت طائلة صدمة تحسسية قد تكون مميتة. وبينما يصنف العلماء هذه الظاهرة ضمن التغيرات البيئية، ترتد أصابع الاتهام الشعبية والبحثية بسرعة لتوجه بوصلتها نحو الرجل الذي يملك مئات الآلاف من الأفدنة الزراعية، وضخ مئات الملايين لتمويل بدائل اللحوم وتعديل الحشرات وراثياً؛ إنه الملياردير الأمريكي مالك كبري شركات المعرفة الذي لا يتخفى خلف رغباته، بل يدعو علناً الدول الغنية إلى التحول بنسبة 100% نحو اللحوم الاصطناعية بحجة إنقاذ المناخ.
السيناريو يبدو وكأنه أُحكم بعناية فائقة؛ ففي الوقت الذي تتعرض فيه مشاريع الإنتاج الحيواني التقليدية لضربات متتالية، وتُفرض القيود المشددة على المزارعين الأوروبيين والأمريكيين بحجة الانبعاثات الغازية، تبرز على الجبهة المقابلة دولة الاحتلال الإسرائيلي لتتخذ موقع العاصمة العالمية لتقنية «اللحوم المطبوعة ثلاثياً والمستنسخة».
بمباركة ورعاية رسمية قادها بنيامين نتنياهو متفاخراً بتذوق أول شريحة لحم مستزرعة في المختبر، تسابقت الشركات الإسرائيلية لغزو سلاسل الوجبات السريعة العالمية، لتكون البديل الجاهز لحظة سقوط قطاع تربية الماشية التقليدي. إن الخيط الرفيع الذي يربط بين طموحات غيتس ومختبرات تل أبيب ليس صدفة علمية بريئة، بل هو «مشروع احتكار عالمي» يبدأ بتجريم اللحوم الطبيعية وتجفيف ينابيعها، لينتهي بفرض أغذية اصطناعية بالكامل تخضع لأسرار «الملكية الفكرية» سر الخلطة وباتفاقيات ترخيص الشركات الكبرى. لم يعد الغذاء حقاً مكتسباً للإنسان من خيرات أرضه، بل سلعة مشفرة تتحكم في تسعيرها ومكوناتها عواصم التكنولوجيا.
لكن الرياح لا تأتي دائماً بما تشتهي سفن العولمة ومحتكري الغذاء؛ ففي توقيت حاسم يتزامن مع هذا التمدد البيولوجي والتكنولوجي، وجه القضاء الأوروبي ضربة موجعة أحدثت دويّاً في أروقة وول ستريت. فقد رفضت محكمة «ليوواردن» (Leeuwarden) الهولندية الدفوع الشكلية بعدم الاختصاص التي تقدم بها فريق المليادير الأمريكي، وألزمته بالمثول أمامها في دعوى مدنية كبرى. هذا القرار القضائي جاء ليتلاقى مع سيل من الأحكام والتحقيقات التي بدأت تكشف زيف التضليل الممنهج لكبار مسئولي التقنية، مؤكداً أن عباءة «العمل الخيري الدولي» و «إنقاذ الكوكب» لم تعد درعاً واقية تكفي لمنع المساءلة القانونية، وأن محاولات الوصاية على صحة وغذاء شعوب العالم بدأت تصطدم بجدران المحاكم الوطنية الحرة.
إنها لحظة فارقة في تاريخ البشرية؛ لحظة يُسلب فيها الفلاح أرضه وماشيته تدريجياً، ليتحول العالم بأسره من منتج مستقل إلى «زبون مجبر» في سوق لا تبيع لقمة العيش، بل تبيع «اشتراكات بقاء» مشروطة. فهل تتحرك الحكومات العربية والنامية لحماية أمنها الغذائي المستقل، أم نجد أنفسنا قريباً أسرى في زنزانة التكنولوجيا الحيوية التي تحكمها أصابع المليارديرات؟
الأيام وحدها كفيلة بالإجابة، لكن المعركة على المائدة قد بدأت بالفعل.
عضو لجنة الزراعة بحزب الوفد