مقام الزهد.. هل يعني الزهد ترك الدنيا واعتزال الحياة وكيف تصل إليه؟
مقام الزهد عند الصوفية من المقامات المهمة في طريق تزكية النفس والسير إلى الله تعالى، إذ لا يقوم على مجرد ترك المال أو الابتعاد عن متع الحياة، وإنما يرتكز على تحرير القلب من التعلق بالدنيا، وعدم جعلها الغاية الكبرى للإنسان، مع الحرص على أداء الحقوق والواجبات الدينية والدنيوية، وقد اعتنى أئمة التصوف ببيان هذا المقام ودرجاته وعلاقته بالقناعة والتوكل والرضا والإخلاص.
ما مفهوم الزهد عند الصوفية؟
الزهد في اللغة هو الإعراض عن الشيء وعدم الرغبة فيه، أما في الاصطلاح الصوفي فيشير إلى انصراف القلب عن التعلق بالدنيا، وعدم الانشغال بزخارفها على حساب الصلة بالله تعالى.
ويرى الصوفية أن الزهد ليس بالضرورة أن يكون الإنسان فقيرًا أو محرومًا من النعم، بل قد يمتلك المال ويستمتع بالحلال، دون أن يستولي حب الدنيا على قلبه أو يصرفه عن طاعة الله.
وقد ورد في شرح مقام الزهد لدى الصوفية عدد من التعريفات، منها ما نُسب إلى الإمام الجنيد، إذ عبّر عنه بأنه خلو الأيدي من الأملاك والقلوب من التتبع، في إشارة إلى أن حقيقة الزهد تتعلق بما يستقر في القلب، لا بمجرد المظهر الخارجي للإنسان.
هل يعني الزهد ترك الدنيا واعتزال الحياة؟
لا يعني الزهد في التصور الإسلامي الصحيح ترك العمل أو إهمال مسؤوليات الحياة، كما لا يعني تحريم الطيبات التي أباحها الله، وإنما يتمثل في ألا تصبح الدنيا مسيطرة على القلب أو شاغلة للإنسان عن واجباته الدينية والأخلاقية.
ويستند هذا المعنى إلى قول الله تعالى في سورة الملك: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: 15].
فالآية تدعو إلى السعي في الأرض وطلب الرزق، مع تذكير الإنسان بأن مرجعه إلى الله تعالى، وهو ما يوضح أن امتلاك أسباب الحياة لا يتعارض مع الزهد، ما دام القلب غير أسير لها.
ومن هنا يمكن التمييز بين الزهد الإيجابي الذي يدفع الإنسان إلى العمل والكسب الحلال مع عدم التعلق المفرط بالدنيا، وبين الانقطاع السلبي الذي قد يتحول إلى تعطيل لمصالح الحياة وإهمال للواجبات.
درجات الزهد عند الصوفية
لم ينظر أئمة التصوف إلى الزهد باعتباره مرتبة واحدة، بل تحدثوا عن درجات تتفاوت بحسب قوة إيمان الإنسان ومدى تحرره من التعلق بالماديات.
ومن أبرز هذه الدرجات:
1- الزهد في الحرام
وهو أول مراتب الزهد وأوجبها، ويتمثل في الابتعاد عن المحرمات، وعدم السعي إلى المال أو المتاع من الطرق التي نهى عنها الشرع، فترك الحرام واجب على المسلم، ولا يصح أن يدعي الإنسان الزهد مع إصراره على المعاصي.
2- الزهد في فضول المباحات
ويقصد به التقليل من المباحات التي تزيد على حاجة الإنسان، إذا كان الانشغال بها يصرفه عن الطاعة أو يستغرق وقته واهتمامه، دون أن يعني ذلك تحريم ما أحله الله.
3- الزهد فيما يشغل القلب عن الله
وهي مرتبة أعمق في التصور الصوفي، إذ لا يقتصر الأمر فيها على ترك بعض متاع الدنيا، بل يتجه إلى تخليص القلب من كل تعلق يصرفه عن ذكر الله ومراقبته، فيصبح اهتمام الإنسان الأكبر بطاعة الله وطلب رضاه.
العلاقة بين الزهد والقناعة والرضا
يرتبط مقام الزهد عند الصوفية بالقناعة ارتباطًا وثيقًا؛ فالقناعة تعني رضا النفس بما قسمه الله لها، وعدم التطلع المستمر إلى ما في أيدي الآخرين، بينما يتجاوز الزهد ذلك إلى تقليل التعلق بما تمتلكه النفس أو ترغب في الحصول عليه.
وقد عرّف بعض مشايخ التصوف القناعة بأنها ترك التشوف إلى المفقود والاستغناء بالموجود، وهو معنى يوضح أن القناعة تساعد الإنسان على تهذيب رغباته، وتجعله أكثر قدرة على سلوك طريق الزهد.
كما يرتبط الزهد بالرضا بقضاء الله تعالى، إذ يتعلم الإنسان ألا يجعل تقلبات الحياة ومكاسبها وخسائرها سببًا في اضطراب قلبه أو اعتراضه على ما قدره الله، بل يسعى ويأخذ بالأسباب، ثم يرضى بما قسمه الله له.
كيف يعرف الإنسان أنه يسير في طريق الزهد؟
ذكر علماء التصوف عددًا من العلامات التي تعكس تحقق الزهد في سلوك الإنسان، ومن أبرزها:
قصر الأمل وعدم الاغترار بطول الحياة.
عدم الحزن المفرط على ما يفوته من متاع الدنيا.
عدم الانشغال المستمر بجمع المال والتفاخر بالممتلكات.
السخاء بما يمتلكه الإنسان والحرص على مساعدة المحتاجين.
التواضع والابتعاد عن حب الشهرة والرياسة.
تقديم طاعة الله والواجبات على المصالح الدنيوية العابرة.
ولا تعني هذه العلامات أن الزاهد لا يشعر بالحزن أو لا يسعى إلى تحسين ظروف حياته، وإنما تعني ألا تتحول متاع الدنيا إلى محور حياته أو معيار سعادته ورضاه.
ما المقصود بالزهد في الزهد؟
من المعاني الدقيقة التي تناولها بعض أئمة التصوف مفهوم «الزهد في الزهد»، ويقصد به أن يصل الإنسان إلى مرتبة لا ينشغل فيها حتى بكونه زاهدًا، فلا يعجب بعمله أو يرى لنفسه فضلًا بسبب ابتعاده عن متاع الدنيا.
فالمقصود أن يتخلص الإنسان من العجب والغرور، وألا يجعل الزهد نفسه وسيلة لطلب المكانة أو الثناء من الناس، بل يكون توجهه خالصًا إلى الله تعالى.
وقد تناول أبو طالب المكي هذا المعنى في كتابه «قوت القلوب»، كما تعرض له عدد من أئمة التصوف في حديثهم عن تفاوت مراتب الزهد وأحوال السالكين.
الزهد في القرآن الكريم والسنة النبوية
تستند قيمة الزهد إلى توجيهات القرآن الكريم والسنة النبوية التي تذكر الإنسان بحقيقة الحياة الدنيا، وتدعوه إلى عدم الاغترار بزخارفها، والاستعداد للآخرة بالعمل الصالح.
قال الله تعالى في سورة الحديد: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الحديد: 20].
كما قال سبحانه في سورة القصص: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77]، وهي آية تجمع بين السعي للآخرة وعدم إهمال نصيب الإنسان من الحياة الدنيا.
وفي السنة النبوية، قال رسول الله ﷺ: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»، رواه البخاري، وهو توجيه نبوي يذكر المسلم بألا يركن إلى الدنيا أو يغفل عن الاستعداد للآخرة.