بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

القانون واقتصاد المعرفة

من أبرز التحولات في مفهوم الثروة أن المعرفة أصبحت أصلًا اقتصاديًا تتحدد قيمته بقدرة الإنسان على تطويره وتوظيفه. فكل اكتشاف يسهم في تحسين الإنتاج، وكل مهارة ترفع كفاءة العمل، وكل ابتكار يعالج حاجة مجتمعية، يضيف إلى الاقتصاد موردًا جديدًا للنمو. وتتجلى أهمية هذا التحول في اتساع الفرص التي يتيحها أمام الدول للاستثمار في قدرات أبنائها، والاستفادة من العلم في تطوير مواردها وخدماتها.
ويحتل القانون موقعًا أساسيًا في هذه العملية؛ إذ يحدد الحقوق الناشئة عن الإنتاج الفكري، وينظم الانتفاع بها، ويوفر ضمانات التعاون بين الباحثين والمؤسسات والمستثمرين. وفي مصر، تستند هذه العلاقة إلى مبادئ دستورية وتشريعات متخصصة تجعل العلم والابتكار من مقومات التنمية الوطنية، وتربط حماية المعرفة بإمكان تحويلها إلى قيمة اقتصادية واجتماعية.
أولًا: المعرفة بوصفها مصدرًا للقيمة الاقتصادية
يقصد باقتصاد المعرفة ذلك الاقتصاد الذي يعتمد في جانب جوهري من أنشطته على إنتاج المعارف والمهارات واستخدامها في تحسين السلع والخدمات وطرق العمل. وتقوم مقوماته على التعليم والبحث العلمي والكفاءة البشرية والبنية التكنولوجية، إلى جانب المؤسسات القادرة على استثمار النتائج العلمية.
ويرتبط بهذا المفهوم الابتكار، وهو تحويل معرفة أو فكرة جديدة أو محسّنة إلى منتج أو أسلوب عمل يدخل حيز الاستخدام. وتظهر أهميته في المجالات التي تتصل مباشرة بحياة الإنسان، مثل تطوير الأدوية، وتحسين الإنتاج الزراعي، وترشيد الطاقة، وتحديث الخدمات.
وتتميز المعرفة بقابليتها للتراكم والتطوير والاستفادة المتجددة منها. غير أن انتقال النتائج العلمية إلى تطبيقات اقتصادية يتطلب تمويلًا واختبارًا فنيًا وتعاونًا مؤسسيًا. ومن هنا تنشأ الحاجة إلى قواعد قانونية تحدد حقوق الأطراف والتزاماتها، وتنظم الاستغلال المشروع للمعرفة بما يشجع الاستثمار ويتيح استمرار التطور العلمي.
ثانيًا: الأساس الدستوري لبناء اقتصاد المعرفة
أولى الدستور المصري البحث العلمي مكانة ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالتنمية والسيادة الوطنية. فقد نصت المادة الثالثة والعشرون على أن "تكفل الدولة حرية البحث العلمي وتشجيع مؤسساته، باعتباره وسيلة لتحقيق السيادة الوطنية، وبناء اقتصاد المعرفة"، وقررت رعاية الباحثين والمخترعين، وتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للبحث العلمي لا تقل عن ١٪ من الناتج القومي الإجمالي، تتصاعد تدريجيًا وفقًا للنص الدستوري.
وتؤكد المادة السادسة والستون أن "حرية البحث العلمي مكفولة"، مع التزام الدولة برعاية الباحثين والمخترعين وحماية ابتكاراتهم والعمل على تطبيقها. كما تقرر المادة التاسعة والستون حماية حقوق الملكية الفكرية بمختلف أنواعها، وإنشاء جهاز مختص برعايتها وحمايتها القانونية.
وتتكامل هذه الأحكام مع الضمانات الدستورية للتعليم والتدريب الفني والتقني، بما يعكس ارتباط اكتساب المعرفة بإنتاجها وتطبيقها. وتبرز الدلالة القانونية لهذه النصوص في أنها تجمع بين حرية البحث والالتزامات الإيجابية المتعلقة بتشجيعه وحماية نتائجه. ويتولى التشريع تحديد وسائل تنفيذ هذه الالتزامات، واختصاصات المؤسسات المعنية بها، والإجراءات التي تكفل ممارسة الحقوق وفقًا للقانون.
ثالثًا: الملكية الفكرية والتوازن بين الحقوق والمصلحة العامة
تعني الملكية الفكرية مجموعة الحقوق التي يمنحها القانون لأصحاب صور معينة من الإنتاج الذهني، وفق شروط تختلف بحسب طبيعة كل حق. وتمثل هذه الحماية وسيلة لتشجيع الإبداع وتنظيم استثماره، مع تحديد نطاق الاستئثار القانوني وحدوده.
وينظم قانون حماية حقوق الملكية الفكرية رقم ٨٢ لسنة ٢٠٠٢، وتعديلاته، مجالات متعددة تشمل براءات الاختراع والعلامات التجارية والتصميمات الصناعية وحقوق المؤلف. وتشترط المادة الأولى لمنح براءة الاختراع الجدة والخطوة الإبداعية والقابلية للتطبيق الصناعي، بينما تستبعد المادة ١٤١ مجرد الأفكار والمبادئ والاكتشافات والبيانات من نطاق حماية حق المؤلف.
ولهذا التمييز أهمية عملية؛ إذ تتحدد وسيلة الحماية وفق طبيعة الإنتاج الفكري، وتختلف تبعًا لذلك حقوق صاحبه وإمكانات استغلاله. كما أن نشر نتائج بعض الاختراعات قبل تقديم طلب البراءة قد يؤثر في استيفاء شرط الجدة، الأمر الذي يجعل التخطيط القانوني جزءًا من الإدارة السليمة للمشروعات البحثية.
وتراعي التشريعات كذلك مقتضيات المصلحة العامة؛ إذ تجيز المادة الثالثة والعشرون من قانون الملكية الفكرية منح تراخيص إجبارية لاستغلال الاختراعات في حالات محددة، مع مراعاة الضمانات والحقوق المالية المقررة. ويعكس هذا التنظيم فلسفة قانونية تسعى إلى تحقيق التوازن بين تشجيع المبتكر، وحماية مصالح المجتمع، واستمرار الانتفاع المشروع بالتقدم العلمي.
رابعًا: المؤسسات والعقود في استثمار المخرجات العلمية
تحتاج حماية المعرفة إلى مؤسسات متخصصة تتولى تنظيم الحقوق وتيسير التعامل معها. وفي هذا الإطار، صدر القانون رقم ١٦٣ لسنة ٢٠٢٣ بإنشاء الجهاز المصري للملكية الفكرية، الذي نصت مادته الثالثة على توظيف نظام الملكية الفكرية بما يوازن بين حماية الحقوق ومتطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتكنولوجية المستدامة وبناء اقتصاد المعرفة.
كما أتاح قانون حوافز العلوم والتكنولوجيا والابتكار رقم ٢٣ لسنة ٢٠١٨ أطرًا قانونية لدعم استثمار نتائج البحث العلمي، من بينها إنشاء الحاضنات التكنولوجية وأودية العلوم والشركات وفق الضوابط المقررة. وتتكامل هذه الأدوات مع المؤسسات الوطنية المعنية بتمويل العلوم والتكنولوجيا ورعاية المبتكرين والنوابغ.
وتؤدي العقود دورًا مهمًا في تحويل البحث إلى نشاط اقتصادي؛ فهي تنظم العلاقة بين المؤسسات البحثية والجهات الممولة والشركاء الصناعيين، وتحدد ملكية النتائج وحقوق الاستغلال والعوائد والالتزامات المتبادلة، في حدود الأحكام القانونية الواجبة التطبيق.
ويتصل بذلك نقل التكنولوجيا، الذي يقصد به إتاحة المعرفة الفنية أو التقنية لاستخدامها وتطويرها من خلال ترتيبات مشروعة، تشمل الترخيص والتعاون والتدريب. ويسهم وضوح هذه العلاقات في استقرار المعاملات، وتوزيع المخاطر، وتشجيع الشراكات بين المؤسسات العلمية والقطاعات الإنتاجية.
خامسًا: الأثر التنموي للمعرفة وفاعلية المنظومة القانونية
جعلت رؤية مصر ٢٠٣٠ المحدّثة بناء اقتصاد متنوع معرفي تنافسي أحد أهدافها الاستراتيجية، وهو توجه يرتبط بتطوير القدرات البشرية، وتعزيز الابتكار، وتوسيع الاستفادة من البحث العلمي في الأنشطة الاقتصادية.
وتظهر أهمية هذا التوجه في ربط المشروعات البحثية بالاحتياجات الوطنية، ولا سيما في مجالات الصحة والزراعة والمياه والطاقة والصناعة والخدمات الرقمية. ويتطلب ذلك دعم خدمات نقل التكنولوجيا داخل الجامعات والمراكز البحثية، وتطوير الشراكات الإنتاجية، وتوفير الإرشاد القانوني للباحثين منذ المراحل الأولى للابتكار.
كما يمثل توسيع فرص التعليم التقني والتدريب الرقمي في المحافظات مسارًا مهمًا لتنمية المهارات وإتاحة المشاركة في الاقتصاد المعرفي. وتُستكمل هذه الجهود بقياس نتائجها من خلال مؤشرات تشمل الابتكارات التي وصلت إلى التطبيق، واتفاقات نقل التكنولوجيا، والمشروعات المستحدثة، وفرص العمل، والتحسن الفعلي في الخدمات والإنتاج.
ويكتسب هذا القياس قيمته من ارتباطه بغاية التشريع ومقاصد التنمية؛ ففاعلية المنظومة تتجسد في قدرتها على حماية الحقوق، وتشجيع النشاط العلمي، وتيسير وصول منافعه إلى المجتمع.
وفي ضوء ما تقدم، تتضح العلاقة الوثيقة بين القانون واقتصاد المعرفة؛ إذ توفر الضمانات الدستورية أساسًا للبحث والإبداع، وتنظم التشريعات حقوق أصحاب الابتكارات، وتتيح المؤسسات والعقود فرص استثمارها. وقد أرست مصر لهذه العلاقة مقومات قانونية ومؤسسية مهمة، تتعزز آثارها بالتعاون بين التعليم والبحث العلمي والقطاعات الإنتاجية. ومن هذا التكامل تنشأ فرص أوسع لبناء اقتصاد يستثمر في قدرات الإنسان، ويوظف المعرفة في زيادة الإنتاجية، وتعزيز التنافسية، وتحسين جودة الحياة، بما يخدم التنمية الوطنية على المدى الطويل.