الاستثمار العربي في المعرفة وبراءات الاختراع وأثره في النهضة الاقتصادية
ارتبطت الاقتصادات العربية، خلال مراحل طويلة، بالموارد الطبيعية والتجارة والخدمات والإنفاق الحكومي. وقد وفرت هذه القطاعات مصادر مهمة للدخل، وأسهمت في بناء المدن والبنية الأساسية ومؤسسات التعليم والصحة، لكنها لم تُنشئ في معظم الدول قاعدة واسعة لإنتاج التقنية أو امتلاكها. ومع اتساع الاعتماد العالمي على الصناعات المتقدمة، ظهرت الحاجة إلى بناء مورد اقتصادي آخر يقوم على المعرفة، ويمنح الاقتصادات العربية قدرة أكبر على الإنتاج والمنافسة والاستمرار.
المعرفة المقصودة هنا ليست ما يُدرّس في الجامعات وحده، ولا ما يُنشر في المجلات العلمية، وإنما ما يتحول إلى تقنية أو منتج أو طريقة إنتاج أو خدمة جديدة. البحث العلمي يكتسب قيمته الاقتصادية عندما ينتقل من المختبر إلى السوق، وتصبح نتائجه قابلة للاستخدام في الصناعة والزراعة والطاقة والدواء والاتصالات والخدمات. وتأتي براءات الاختراع ضمن هذه العملية لأنها تحفظ حق صاحب الابتكار، وتمنحه أساساً قانونياً لاستثماره أو ترخيصه أو تطوير شركة تقوم عليه.
لهذا ترتبط قيمة البراءة بما ينتج عنها، لا بمجرد تسجيلها. فقد تسجل مؤسسة بحثية عدداً كبيراً من البراءات من دون أن يتحول معظمها إلى نشاط اقتصادي، بينما قد تؤسس براءة واحدة صناعة جديدة أو تفتح سوقاً واسعة. ويعتمد ذلك على وجود شركات قادرة على التطوير، وتمويل يتحمل مخاطر المراحل الأولى، وخبرات قانونية وتجارية تساعد على حماية الابتكار وتسويقه. ومن دون هذه العناصر تبقى البراءة وثيقة محفوظة، ولا تدخل في تكوين الثروة أو الإنتاج.
أنشأت الدول العربية خلال العقود الماضية جامعات ومراكز أبحاث، ووسعت برامج الدراسات العليا والابتعاث، وأصبح لديها عدد متزايد من الباحثين والمتخصصين. وقد أسهم ذلك في رفع مستوى التعليم وتكوين خبرات علمية مهمة. غير أن الصلة بين هذه المؤسسات وبين الاقتصاد بقيت محدودة في قطاعات كثيرة. فالجامعة تعمل وفق معايير النشر والترقية الأكاديمية، بينما تعتمد الشركات على شراء التقنية من الخارج، ولا يلتقي الطرفان إلا في مشروعات متفرقة. ونتيجة لذلك، يخرج جزء كبير من البحث العلمي من دون مسار واضح للتطوير أو الاستثمار.
تظهر هذه الفجوة في عدد من المراحل. فقد ينجز الباحث عملاً علمياً جيداً، لكنه لا يعرف إن كان قابلاً للحماية القانونية، ولا يجد جهة تتولى فحص جدواه التجارية، ولا يملك الموارد اللازمة لإنتاج نموذج أولي. وقد ترى الشركة حاجة عملية داخل المصنع أو السوق، لكنها لا تتواصل مع الجامعة القادرة على تطوير الحل. وبين الحالتين تضيع فرص يمكن أن تتحول إلى منتجات أو شركات أو حقوق ملكية فكرية ذات قيمة.
تحتاج معالجة هذه الفجوة إلى مؤسسات تعمل بين البحث والإنتاج. وتؤدي مكاتب نقل التكنولوجيا هذه الوظيفة عندما تتولى تقييم نتائج الأبحاث، وتحديد ما يصلح منها للتسجيل، وإدارة حقوق الباحث والجامعة، والبحث عن شريك صناعي أو مستثمر. كما تساعد الحاضنات والمسرعات التقنية على تطوير النماذج الأولية، واختبار المنتج، وبناء الفريق الإداري، والوصول إلى السوق. ولا تنجح هذه المؤسسات عندما تقتصر على تنظيم الفعاليات أو تقديم مساحات العمل، بل عندما تمتلك خبرات فنية وقانونية واستثمارية قادرة على متابعة المشروع حتى مرحلة الإنتاج.
ويظل دور القطاع الخاص أساسياً في هذه المنظومة. فالشركات هي الأقرب إلى السوق، والأقدر على معرفة المشكلات التي تحتاج إلى حلول جديدة. وعندما تمول الشركة بحثاً مرتبطاً بنشاطها، فإن فرص تطبيق نتائجه تكون أكبر من البحث الذي يجري بعيداً عن احتياجات الإنتاج. كما أن إنشاء وحدات للبحث والتطوير داخل الشركات يساعد على تراكم الخبرة، ويقلل الاعتماد الكامل على التقنية المستوردة، ويفتح المجال لتطوير منتجات تناسب الظروف المحلية.
ولا يعني توطين المعرفة إغلاق السوق أمام التكنولوجيا العالمية. فقد بنت دول كثيرة قدراتها الصناعية من خلال الاستيراد والترخيص والشراكات، ثم انتقلت تدريجياً إلى التطوير المحلي. والمهم أن يصاحب شراء التقنية نقل للخبرة، وتدريب للكوادر، ومشاركة في التصميم والتشغيل، وقدرة على تحسين المنتج بعد دخوله إلى السوق. أما الاستيراد الذي يقتصر على الاستخدام، فيبقي المعرفة لدى المورد، ويجعل الاقتصاد تابعاً للتحديثات والخدمات التي تأتي من الخارج.
وتستطيع الدول العربية توجيه البحث والابتكار نحو مجالات ترتبط بحاجاتها المباشرة. فشح المياه يفتح مجالاً لتقنيات التحلية وإعادة الاستخدام والري الذكي. والبيئة الصحراوية تحتاج إلى حلول في الزراعة والطاقة والتبريد والمواد المقاومة للحرارة. كما توفر قطاعات النفط والغاز والصناعات البحرية والخدمات المالية والصحة مجالات واسعة لتطوير تقنيات محلية قابلة للتوسع في أسواق أخرى. وتزداد قيمة البحث عندما ينطلق من مشكلة قائمة، ويجد جهة مستعدة لتجربة الحل وشراءه.
وتحتاج براءات الاختراع إلى إدارة تختلف عن التعامل الإداري المعتاد. فالتسجيل في أكثر من دولة مكلف، ويتطلب اختيار الأسواق التي تستحق الحماية، ومتابعة المدد القانونية، وفحص البراءات المشابهة، والتأكد من أن الحماية تغطي العناصر المهمة في الاختراع. ولهذا لا يكفي تشجيع الباحثين على التسجيل من دون توفير مستشارين متخصصين وتمويل واضح وخطة للاستثمار. كما ينبغي وقف الإنفاق على البراءات التي لا تملك فرصة للتطوير، وتوجيه الموارد إلى الابتكارات الأقرب إلى الاستخدام الصناعي أو التجاري.
ويمثل رأس المال الجريء جزءاً آخر من هذه العملية، ولا سيما في التقنيات التي تحتاج إلى سنوات من التطوير قبل تحقيق الإيرادات. فالمشروعات العلمية تختلف عن التطبيقات التجارية السريعة؛ إذ تحتاج إلى مختبرات وتجارب واعتمادات وتنظيم قانوني. ويصعب تمويلها بالقروض التقليدية لأنها لا تملك أصولاً كافية أو دخلاً ثابتاً في بدايتها. لذلك تحتاج إلى صناديق تفهم طبيعة التقنية، وتقبل دورة استثمار أطول، وتستطيع الجمع بين التمويل والخبرة الإدارية والوصول إلى الشركاء.
وقد بدأت دول عربية في الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والفضاء والتقنيات الحيوية والصناعات المتقدمة. وتوفر هذه الاستثمارات قاعدة مهمة لتكوين خبرات وطنية، خاصة عندما ترتبط بالجامعات والشركات المحلية وبرامج المشتريات الحكومية. فالحكومة تستطيع أن تدعم الابتكار بوصفها مشترياً أول للتقنية، لا ممولاً فقط. وعندما تحصل الشركة المحلية على فرصة لتجربة منتجها في مشروع فعلي، تتمكن من تحسينه وإثبات كفاءته ثم التوسع إلى أسواق أخرى.
وتعتمد النهضة الاقتصادية المرتبطة بالمعرفة على استمرارية العمل وتراكم الخبرة. فالنتائج لا تظهر في سنة واحدة، ولا تقاس بعدد المبادرات أو المؤتمرات. ويظهر أثرها في زيادة الشركات التقنية، ونمو الإنفاق الخاص على البحث والتطوير، وارتفاع عدد المنتجات المبنية على معرفة محلية، وزيادة دخل الجامعات من الترخيص، ودخول التقنيات العربية إلى الأسواق الخارجية.
العالم العربي يمتلك الموارد المالية والبشرية التي تسمح له ببناء قاعدة معرفية أقوى. لكن المسألة تبقى مرتبطة بكيفية تنظيم العلاقة بين الباحث والجامعة والشركة والمستثمر والدولة. وعندما تنتقل المعرفة بصورة منتظمة بين هذه الأطراف، تتحول براءات الاختراع من نتائج أكاديمية متفرقة إلى أصول تدخل في الصناعة والتجارة، وتساعد على تنويع الدخل ورفع الإنتاجية. ومن هذه القدرة يبدأ بناء اقتصاد عربي ينتج جانباً أكبر من التقنيات التي يستخدمها، ويحول الخبرة العلمية المتاحة إلى عمل وثروة واستقرار اقتصادي.