القمة الروسية الإفريقية.. مصر ترسم خريطة الشراكة التنموية
تأتى مشاركة الرئيس عبدالفتاح السيسى فى أعمال القمة الروسية الإفريقية الثالثة بالعاصمة الروسية موسكو، فى توقيت تكتسب فيه الشراكات الدولية أهمية متزايدة فى ظل التحولات السياسية والاقتصادية المتسارعة التى يشهدها العالم، لتؤكد حرص مصر على توسيع دوائر التعاون الدولى، وتعزيز علاقاتها الاستراتيجية مع القوى الدولية، بما يخدم المصالح المصرية والإفريقية، ويفتح آفاقًا جديدة للتنمية والاستثمار والتكامل الاقتصادى داخل القارة السمراء.
وتحمل القمة أهمية خاصة باعتبارها محطة جديدة فى مسار العلاقات الروسية الإفريقية، التى انطلقت إلى مستوى أكثر تنظيماً مع القمة الأولى بمدينة سوتشى عام 2019، والتى ترأست مصر أعمالها بصورة مشتركة مع روسيا، وصولًا إلى الاجتماع الوزارى الثانى بالقاهرة فى ديسمبر 2025، ثم القمة الثالثة التى تستهدف الانتقال بالشراكة من مرحلة التفاهمات السياسية إلى مرحلة التنفيذ والمشروعات المشتركة.
إن مشاركة الرئيس السيسى فى القمة تؤكد موقع مصر فى معادلة التعاون الإفريقى الدولى، خاصة فى ظل ما تمتلكه من مقومات جغرافية واقتصادية وبنية تحتية ومشروعات استراتيجية يمكن أن تمثل نقطة انطلاق لتعزيز التعاون بين روسيا ودول القارة، وفى مقدمة هذه المشروعات محطة الضبعة للطاقة النووية، والمنطقة الصناعية الروسية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، باعتبارهما نموذجين للتعاون فى مجالات الطاقة والصناعة والاستثمار ونقل الخبرات والتكنولوجيا.
وطرحت كلمة الرئيس السيسى خلال الجلسة العامة للقمة رؤية مصرية متكاملة لمستقبل التنمية فى إفريقيا، تقوم على ضرورة تجاوز النموذج الاقتصادى القائم على تصدير المواد الخام، والانتقال إلى بناء قواعد إنتاجية متنوعة، بما يتيح للدول الإفريقية تعظيم القيمة المضافة لثرواتها الطبيعية، وتوفير فرص العمل، وزيادة قدرتها التنافسية فى الأسواق العالمية.
وحدد الرئيس السيسى خمسة محاور رئيسية للتحرك الإفريقى خلال المرحلة المقبلة، تشمل دعم إقامة الممرات الاستراتيجية والمناطق اللوجستية، وزيادة التجارة البينية الإفريقية، وتعزيز التعاون فى مجالات الطاقة والربط الكهربائى، وتحقيق الأمن المائى والغذائى ودعم التنمية الزراعية، إلى جانب توسيع التعاون فى الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعى.
هذه الرؤية تضع خريطة طريق للتنمية فى إفريقيا، وتكتسب هذه المحاور أهمية متزايدة فى ظل التحديات التى تواجه الاقتصادات الإفريقية، وفى مقدمتها ضعف التكامل التجارى وارتفاع تكلفة النقل والفجوات فى البنية التحتية، والحاجة إلى جذب الاستثمارات ونقل التكنولوجيا، كما أن إدراج الذكاء الاصطناعى ضمن مجالات التعاون يعكس اتساع أجندة الشراكة لتشمل القطاعات التكنولوجية الحديثة، وهو ما يتسق مع اعتماد القمة إعلاناً بشأن التعاون فى الاستخدام المدنى لتكنولوجيات الذكاء الاصطناعى.
كما أن كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسى لم تقتصر على الجوانب الاقتصادية، بل امتدت إلى القضايا السياسية والاستراتيجية، حيث شدد على ضرورة إصلاح النظام الدولى وتعزيز تمثيل إفريقيا فى المؤسسات الدولية، خاصة مجلس الأمن، بما يتماشى مع توافق أوزولينى وإعلان سرت، باعتبارهما مرجعيتين للموقف الإفريقى المطالب بتمثيل عادل للقارة فى منظومة صنع القرار الدولى.
أيضا شهدت القمة تركيز الرئيس السيسى على أزمات القارة وتحديد الحلول المناسبة لها، حيث تناول التوترات فى القرن الإفريقى، مؤكدًا رفض مصر أى انتهاك لسيادة دول المنطقة أو تدخل فى شئونها الداخلية، ومحذراً من محاولات عسكرة البحر الأحمر وفرض وجود عسكرى لدول غير مشاطئة على سواحله، وجدد كذلك موقف مصر الرافض للمساس بوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية، داعياً إلى توحيد الجهود لإنهاء الحرب ودعم مسار سياسى يفضى إلى حوار سودانى خالص.
وحظى ملف المياه بحضور واضح فى كلمة الرئيس، الذى أكد أهمية حوكمة الأنهار العابرة للحدود وفقاً لقواعد القانون الدولى، وفى مقدمتها مبادئ عدم الإضرار والإخطار المسبق والتشاور والتوافق، فالمياه يجب أن تكون جسراً للتعاون بين الشعوب وليس سبباً للتوتر والنزاعات.
كما رحب الرئيس بخطة عمل منتدى الشراكة الروسية الإفريقية للفترة 2027-2029، التى تم اعتمادها ضمن حزمة الوثائق الصادرة عن القمة، إلى جانب الإعلان الختامى، وإعلان التعاون فى الاستخدام المدنى للذكاء الاصطناعى، بما يعكس أهمية القمة الروسية الافريقية فى دفع دول القارة إلى قراءة الواقع وما آل إليه وضرورة التحرر من الوضع الحالى والانطلاق إلى التنمية ودفع عجلة التكامل والتعاون الاقتصادى والاستفادة من العلاقات مع مختلف القوى الدولية.
وتبقى القيمة الحقيقية للقمة مرهونة بقدرة أطرافها على ترجمة الاتفاقات إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، واستثمارات إنتاجية وشراكات تكنولوجية، وفرص اقتصادية ملموسة، فالمطلوب اليوم ليس فقط توسيع العلاقات السياسية بين روسيا وإفريقيا، وإنما بناء شراكة تحقق المصالح المتبادلة، وتحترم الأولويات الإفريقية وتمنح دول القارة مساحة أكبر للمشاركة فى صياغة مستقبلها الاقتصادى والتنموى.