كيف تجعل الحمد لله منهج حياة في السراء والضراء؟
أكد الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية السابق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أن الحمد والشكر لله سبحانه وتعالى ليسا مجرد كلمات يرددها الإنسان بلسانه، بل ينبغي أن يتحولا إلى منهج حياة يعيشه المسلم في كل أحواله، موضحًا أن الوصول إلى ذلك يبدأ بمعرفة المعنى، ثم العمل به، والاستمرار عليه حتى يصبح عادة راسخة وسلوكًا ملازمًا للإنسان في جميع تصرفاته.
وأوضح علي جمعة، أن الله سبحانه وتعالى أمر عباده بالحمد والشكر، وجعل تكرار الحمد في الصلاة وسيلة لتعويد النفس عليه، حتى ينتقل من مجرد القول إلى أسلوب حياة ينعكس على حركات الإنسان وسكناته، فيحمد الله في السراء والضراء.
الحمد والشكر
قال الدكتور علي جمعة إن المعاني الإيمانية التي أمر الله بها عباده تبدأ بالمعرفة، ثم تتحول إلى عمل، وبعد ذلك يداوم الإنسان على هذا العمل حتى يصبح عادة لا يتخلى عنها، ثم يرتقي بها إلى أن تكون منهج حياة يعيشه وتصبح جزءًا من سلوكه وتفكيره.
وأضاف أن من أعظم هذه المعاني الحمد والشكر لله رب العالمين، فالمسلم يتعرف على قيمة الحمد، ثم يعمل به، ويداوم عليه حتى يصبح أسلوبًا في حياته، فيعيش في الحمد ويعيش الحمد في قلبه وسلوكه.
واستشهد بقول الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾، موضحًا أن الله سبحانه وتعالى أمر عباده بالشكر، وأرشدهم إلى أن يكون الحمد حاضرًا في أقوالهم وأعمالهم.
لماذا فرض الله الحمد في الصلاة؟
وأوضح علي جمعة أن الله سبحانه وتعالى لم يكتفِ بالأمر بالشكر، بل وجّه عباده إلى التعبير عنه بالعمل والقول، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾.
وأشار إلى أن الحمد أصبح جزءًا متكررًا من عبادة المسلم اليومية، إذ فرض الله قراءة سورة الفاتحة في الصلاة، وفيها قول الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وبذلك يكرر المسلم الحمد في صلواته كل يوم، فيتعود لسانه على ذكر الله والثناء عليه، ويستمر في ممارسة هذه العبادة حتى تصبح راسخة في نفسه، مؤكدًا أن المقصود ليس تكرار الكلمات فقط، وإنما الانتقال بها إلى مرحلة أعمق، يكون فيها الحمد حاضرًا في حياة الإنسان كلها.
كيف نحمد الله في السراء والضراء؟
وأكد مفتي الجمهورية السابق أن الحمد الحقيقي لا يقتصر على أوقات الرخاء والنعمة، وإنما ينبغي أن يصاحب الإنسان في مختلف أحواله، سواء في السراء شكرًا لله واعترافًا بفضله ونعمته، أو في الضراء تسليمًا بقضائه وقدره.
واستشهد بما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حمد الله على كل حال، فكان يقول: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ»، موضحًا أن المسلم الذي يجعل الحمد منهجًا لحياته لا ينقطع عن شكر الله عندما تتغير ظروفه أو يواجه الابتلاءات.
قصة بيت الحمد.. كيف يكون الصبر على فقد الأبناء سببًا للأجر؟
وضرب علي جمعة مثالًا يوضح منزلة الحمد عند وقوع المصائب، مستشهدًا بحديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، الذي أخرجه الإمام الترمذي، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبر عن حال العبد عندما تقبض الملائكة روح ولده، فيسأل الله الملائكة عما قاله عبده، فيخبرونه أنه قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ».
وجاء في الحديث أن الله سبحانه وتعالى يأمر ببناء بيت لهذا العبد وتسميته «بيت الحمد»، جزاء حمده لله وصبره على فقد ولده.
وأوضح علي جمعة أن فقد الأبناء من أشد المصائب على الإنسان، فالولد نعمة عظيمة، وقد فطر الله قلب الأم والأب على محبته والتعلق به، ويزداد هذا التعلق كلما كبر الطفل ونما أمام أعين والديه، ولذلك يكون فقده ابتلاءً شديدًا على النفس.
وأشار إلى أن العبد الذي يحمد الله رغم عظم المصيبة، ولا يتسخط على قضائه، ينال أجرًا عظيمًا، مستشهدًا بما ورد في الحديث عن بناء بيت الحمد له، مبينًا أن هذا البيت يكون جزاءً لصبره وحمده وثباته عند الابتلاء.
الحمد منهج حياة.. رسالة علي جمعة للمسلمين
واختتم الدكتور علي جمعة حديثه بالتأكيد على أن الغاية من تكرار الحمد في العبادات والأذكار هي أن يتحول إلى منهج حياة، فلا يكون مجرد لفظ يقوله المسلم في أوقات محددة، بل معنى يرافقه في جميع أحواله.
فالمسلم يحمد الله على النعم فيشكره ويعترف بفضله، ويحمده عند الابتلاء ثقةً في حكمته وتسليمًا لقضائه، وبذلك يصبح الحمد حاضرًا في قلبه ولسانه وسلوكه، ويعيش الإنسان في دائرة الحمد لله رب العالمين في كل حركاته وسكناته.