مجازر الأرثوذكس في إثيوبيا اتهامات للحكومة ومطالب بكشف الحقيقة
تتزايد التساؤلات حول حقيقة ما يتعرض له أتباع الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية من مجازر واعتداءات متكررة في إقليم أوروميا ومناطق أخرى من إثيوبيا، وسط اتهامات متصاعدة للسلطات الحكومية بالفشل في وقف نزيف الدم، ومطالبات بكشف الجهات المسؤولة عن هذه الجرائم، والتحقيق في أي دور محتمل لمؤسسات أو جهات مرتبطة بالدولة في الانتهاكات التي تستهدف المدنيين على خلفية دينية.
وفي أحدث تحرك لكشف ما يتعرض له المؤمنون الأرثوذكس، أصدرت جمعية القديسين، بيانًا مفصلاً تناولت فيه المجازر التي شهدتها مدينة أرسي ومناطق مختلفة من البلاد، مسلطة الضوء على مسؤوليات الحكومة ووسائل الإعلام والقيادات الكنسية وعموم المؤمنين، وما ينبغي على كل طرف القيام به إزاء هذه الانتهاكات.
ويأتي البيان في ظل حالة من الغضب والقلق داخل الأوساط الأرثوذكسية، بسبب استمرار الاعتداءات وسقوط الضحايا، وما يرافق ذلك من تساؤلات حول أسباب عجز السلطات عن وقف هذه الجرائم، ومدى جدية تعاملها مع المطالب المتكررة بتوفير الحماية للمجتمعات الدينية المتضررة.
الحكومة الإثيوبية في دائرة المساءلة:
إن تكرار المجازر التي تستهدف أتباع الكنيسة الأرثوذكسية يضع الحكومة الإثيوبية أمام تساؤلات تتجاوز مسألة التقاعس الأمني، لتصل إلى ضرورة الكشف عن حقيقة دور السلطات ومؤسسات الدولة في هذه الأحداث، وما إذا كانت هناك جهات رسمية أو عناصر مرتبطة بها متورطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الانتهاكات.
فمن غير المقبول أن تستمر عمليات القتل والاستهداف دون تحقيقات مستقلة تكشف هوية المنفذين والجهات التي تقف وراءهم، كما لا يمكن استبعاد أي فرضية تتعلق بمسؤولية مؤسسات الدولة قبل إجراء تحقيق جاد وشفاف.
وتزداد خطورة هذه التساؤلات في ظل تكرار الاعتداءات رغم المناشدات السابقة الصادرة عن الكنيسة والجهات الحقوقية، وهو ما يفرض على الحكومة تقديم إجابات واضحة للرأي العام، بدلاً من الاكتفاء بالتصريحات الرسمية التي لا تبدد مخاوف الضحايا وعائلاتهم.
كما أن مسؤولية الدولة لا تتوقف عند ملاحقة المنفذين المباشرين، بل تشمل التحقيق في أي تواطؤ أو تسهيل أو تستر محتمل، ومحاسبة كل من يثبت تورطه، أياً كان موقعه أو منصبه.
أرسي.. مجازر تعيد فتح ملف استهداف الأرثوذكس:
وقد أعادت الأحداث الدامية في منطقة أرسي تسليط الضوء على خطورة الوضع الأمني في أوروميا، بعدما أعلنت الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية سقوط عشرات القتلى في هجمات استهدفت أتباعها، إلى جانب إصابة آخرين وتدمير منازل وممتلكات.
وتطرح هذه الأحداث أسئلة جوهرية بشأن طبيعة الجهات التي تنفذ الاعتداءات، والظروف التي تسمح بتكرارها، ومدى وجود إجراءات فعلية لمنع استهداف المدنيين والمؤسسات الدينية.
كما أن غياب نتائج تحقيقات مستقلة ومعلنة بصورة كافية يزيد من حالة الشك وانعدام الثقة، ويجعل المطالبة بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين ضرورة لا يمكن تأجيلها.
جمعية القديسين تدعو إلى تدويل القضية:
وفي مواجهة ما تصفه الأوساط الأرثوذكسية باستمرار المجازر والتعتيم، تبرز أهمية بيان جمعية القديسين الذي يدعو إلى توسيع نطاق التحرك الإعلامي، ونشر البيان والوثائق المتعلقة بالانتهاكات باللغة الإنجليزية ولغات أخرى، لضمان وصول القضية إلى المؤسسات الإعلامية والحقوقية الدولية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى تجاوز حدود التغطية المحلية، وإيصال شهادات الضحايا والأدلة المتعلقة بالاعتداءات إلى الرأي العام العالمي، حتى لا تبقى معاناة المجتمعات المتضررة بعيدة عن اهتمام المؤسسات الدولية.
كما أن وصول البيانات الكنسية الأخيرة إلى أكثر من اثنتي عشرة وسيلة إعلام دولية، وفقًا لما أشير إليه في الدعوة، يعكس أهمية الضغط الإعلامي في إبقاء القضية حاضرة على الساحة الدولية، ودفع الجهات المعنية إلى متابعة التطورات.
هل تتحول القضية إلى ملف دولي للمساءلة؟
إن تدويل القضية لا ينبغي أن يقتصر على نقل أخبار المجازر أو إصدار بيانات التضامن، بل يجب أن يمتد إلى توثيق الانتهاكات بصورة مهنية، وجمع شهادات الناجين وأسر الضحايا، والتحقق من الأدلة، ومطالبة المؤسسات الحقوقية الدولية بمتابعة التحقيقات وتحديد المسؤوليات.
كما يتعين مطالبة الحكومة الإثيوبية بالكشف عن نتائج التحقيقات، وتوضيح ما إذا كانت هناك أي صلات بين الجهات المنفذة وأجهزة الدولة، وضمان عدم تدخل أي جهة رسمية لحماية المتورطين أو عرقلة المساءلة.
وفي المقابل، ينبغي ألا تتحول القضية إلى اتهامات جماعية ضد أي مكون ديني أو عرقي، بل يجب أن تركز المطالب على المسؤولين الفعليين، سواء كانوا أفرادًا أو جماعات مسلحة أو مسؤولين حكوميين، وفقاً لما تثبته الأدلة.
الحقيقة والمحاسبة قبل فوات الأوان:
إن استمرار المجازر التي تستهدف أتباع الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية يمثل تحديًا خطيرًا لمستقبل التعايش والاستقرار في البلاد، ويضع الحكومة أمام اختبار حقيقي بشأن مدى التزامها بحماية المواطنين وضمان المساواة أمام القانون.
ولن تكون البيانات الرسمية كافية لإنهاء الأزمة ما لم يصاحبها تحقيق مستقل يكشف الحقيقة كاملة، بما في ذلك أي مسؤولية محتملة لمؤسسات الدولة أو مسؤولين فيها عن وقوع الاعتداءات أو التستر عليها.
إن ما تطالب به جمعية القديسين يتجاوز مجرد التضامن مع الضحايا؛ إنه دعوة لكسر حاجز الصمت، وإيصال القضية إلى العالم، وفتح الطريق أمام مساءلة حقيقية تضمن عدم ضياع حقوق الضحايا.