بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

روائح التوتر القادمة من شرق المتوسط

في خضم الصراعات المشتعلة على الحدود المصرية في أكثر من اتجاه، وما تشهده مصر والسعودية من تعاون لمواجهة التهديدات التي تستهدف أمن المنطقة، تفاجأنا بموافقة البرلمان الليبي في شرق البلاد على الاتفاقية البحرية الموقعة بين تركيا وليبيا عام 2019، رغم اعتراض مصر ودول أخرى عليها.
وهنا يتبادر إلى أذهاننا سؤالان مهمان:
هل تستغل تركيا التقارب مع مصر لإعادة ترتيب موازين النفوذ البحري والغازي في شرق المتوسط؟
وهل من قبيل المصادفة أن يُفتح ملف الاتفاق البحري التركي الليبي في هذا التوقيت تحديدًا، بينما تواجه مصر ضغوطًا متزايدة على أكثر من جبهة؟
فإلى الجنوب، تستمر الحرب في السودان بما تحمله من تهديدات للأمن القومي المصري، وإلى الشرق تتصاعد التوترات المرتبطة بأمن السعودية والبحر الأحمر. وعلى المستوى الاقتصادي، تضغط اضطرابات أسواق الطاقة ومخاوف المستثمرين وتحركات الأموال الساخنة على الاقتصادات الناشئة، وتزيد صعوبة المشهد أمام القاهرة.
وفي مثل هذه الظروف، لا تنتظر الدول انتهاء أزمات الآخرين حتى تتحرك لتحقيق مصالحها، فقد يستغل الصديق قبل الخصم لحظة انشغال الدولة أو تراجع قدرتها على الحركة. فالعلاقات الدولية لا تحكمها الصداقة وحدها، وإنما المصالح وحسابات القوة.
أولًا: لماذا ليبيا الآن؟
هل ابتعدت ليبيا عن مصر، أم أن ما حدث يرتبط بحسابات عائلة حفتر وطموحاتها السياسية؟
لا تكفي الموافقة على الاتفاق لإثبات ابتعاد شرق ليبيا عن القاهرة، لكنها تكشف تحولًا مهمًا في الحسابات. فصدام حفتر وعائلته قد يجدون في التقارب مع تركيا فرصة لتوسيع نفوذهم، وربما تعزيز فرصهم في المشاركة في صياغة مستقبل السلطة الموحدة في ليبيا. فتركيا تمتلك نفوذًا عسكريًا وسياسيًا راسخًا في غرب البلاد، والتفاهم معها قد يفتح أمام قيادة الشرق أبوابًا لم تكن متاحة من قبل.
وفي المقابل، تكسب أنقرة فرصة لتوسيع علاقاتها من الغرب إلى الشرق، بما يعزز قدرتها على التأثير في مستقبل ليبيا. وهكذا قد يلتقي هدف الطرفين، حتى إن اختلفت حساباتهما النهائية.
ثانيًا: ماذا تريد تركيا من شرق المتوسط؟
لا يتعلق الأمر بالغاز وحده، بل بالنفوذ والقدرة على التأثير في مستقبل المنطقة. فتركيا تسعى إلى تثبيت مطالبها البحرية، والوصول إلى الموارد، وتعزيز موقعها في أي ترتيبات مستقبلية لاستكشاف الغاز ونقله وتصديره.
كما أن التقارب مع مصر لا يعني بالضرورة تطابق المصالح. فقد عرضت أنقرة التفاوض على ترسيم الحدود البحرية مع القاهرة، مقدمةً تقديرات لمكاسب محتملة لمصر. لكن هذا العرض يطرح سؤالًا مهمًا: هل تسعى تركيا إلى تعاون متوازن، أم إلى إعادة تشكيل خيارات مصر البحرية بما يمنحها مساحة أكبر من النفوذ؟
لا توجد أدلة كافية لحسم النوايا، لكن المؤكد أن أنقرة لا تريد أن تُرسم خريطة شرق المتوسط دون أن يكون لها دور مؤثر فيها.
ثالثًا: ماذا ستفعل مصر؟
لن يكون الاعتراض الدبلوماسي وحده كافيًا لحماية المصالح المصرية. فالقاهرة تحتاج إلى مواصلة التنسيق مع اليونان وقبرص، والتحرك قانونيًا ودوليًا، مع الاحتفاظ بقنوات الحوار مع تركيا دون التفريط في حقوقها البحرية.
وتزداد أهمية ذلك لأن مصر تمتلك بنية تحتية لإسالة الغاز وتصديره، يمكن أن تجعلها مركزًا إقليميًا لتجارة الغاز، بما في ذلك الغاز القبرصي الذي تستهدف الخطط المعلنة نقله إلى مصر وإسالته في دمياط. لكن الحفاظ على هذا الدور يتطلب إمدادات مستقرة واستثمارات واتفاقات تجارية قابلة للاستمرار، وليس مجرد امتلاك محطات الإسالة.
الخاتمة
إن ما يجري في ليبيا وشرق المتوسط قد يكون أكثر من مجرد خلاف على الحدود البحرية؛ فهو جزء من تنافس على النفوذ والثروات والمواقع الاستراتيجية. وبينما تواجه مصر ضغوطًا إقليمية واقتصادية، تتحرك الأطراف الأخرى لتحقيق مصالحها، سواء كانت صديقة أو منافسة.
ولا يعني ذلك أن كل تحرك يستهدف مصر، لكن الحكمة تقتضي ألا نفترض أن أحدًا سيؤجل مصالحه مراعاةً لانشغالنا بأزماتنا.
فالمهم ليس فقط أن نرفض ما يمس حقوقنا، بل أن نمتلك البدائل والأدوات التي تحمي مصالحنا وتضمن استمرار دورنا الإقليمي.
وبعد كل ما سبق، هل نستطيع أن نتوقع الخطوة القادمة؟