بحث فلسفة الزمن والمقام!
د. هانى أحمد زويل: الموسيقى المصرية بخير.. وأبحث فى جذورى
الكندي وابن سينا وآينشتاين.. أغروني بالموسيقى
صوت أم كلثوم رباني صغيراً.. وفريد الأطرش أذهلني كبيراً
كان ولم يزل هذا السؤال: ما هى الموسيقى؟ جال السؤال أكثر ما تحركت الإجابة، وبينما كان ينجلى نور التساؤل الكاشف، تقولبت الإجابة فى الممارسة أكثر مما اتضح منها، وفى هذا المضمار الذى بدأ مع الكندى والفارابى ومن قبل فلاسفة اليونان، انضم إلى هذه القائمة الباحثة، والمتفلسفة التى تحاول هى نفسها أن تخلق الاثنين السؤال والاجابة.
د. هانى أحمد زويل، ابن العالم المصرى الكبير أحمد زويل.. نشأ محبًا للعلم كأبيه، إلا أنه اختار الموسيقى، وانتخب من دوربها سبيل العلم، وليس الممارسة بالاكتشاف، والاكتشاف بالممارسة، فأصبحت الدكتوراه التى يتقلدها فى فلسفة الموسيقى، وماهية المقام.. التقيته هنا وسط القاهرة وعلى ضفاف النيل، وعلى الشاطئ المقابل لمنزل الموسيقار محمد عبدالوهاب، إذ انتبهنا أن منزله يتلألأ لنا من هناك، كأنه يقول لنا أحبوا بلادكم واحموها بالموسيقى وعناية الله معكم، سألت د. هانى أحمد زويل:

< ما المباحث الموسيقية التى تباشرها؟
- مبحثى الموسيقى الأول هو ارتباط الموسيقى بالزمن، إذ إن الموسيقى لديها اضطرار أن يكون الزمن جوهراً لديها، وهذا الاضطرار يجعلها مختلفة عن كل ألوان الفنون الأخرى، فالموسيقى إذاً تعبر عن الزمن، ومن خلال فلسفة الزمن نقيس الزمان على حالين، «الاستاتيك» و«الديناميك»، والملاحظ أن «الاستاتيك» يقول لنا إن الزمن يستطيع أن يفعل، بينما فى «الديناميك» تأتى الوجوه وتخرج من ماضٍ وحاضر ومستقبل، والماضى ذهب والمستقبل لا يوجد، إذ لا يوجد سوى الحاضر، وهذا هو لعبة الوجدان، ونتساءل بدورنا، كيف أن الزمن الموسيقى مضاف على «الديناميك» ففيه فكرة المدة الزمنية، وكذلك أتساءل أيضاً: هل الثقافة الموسيقية المصرية تقدم واحدة من هذه، هل تقدم موسيقى ديناميك أم استاتيك؟.. فأنا أبحاثى الآن تجمع ما بين الموسيقى والفلسفة، فلسفة العلم وفلسفة الوجدان.
< هناك مهتمون بالفلسفة مثل د. عبدالرحمن بدوى، تناول فكرة «الزمن»..
- نعم.. تناول د. عبدالرحمن بدوى فكرة الزمن، والوجود يرتبط بالزمن، فكيف لنا أن نفكر فى الوجود، ولا نفكر فى الزمن، وهو حالة ذاتية فى الموسيقى التى كان لها دور كبير عند العلماء قبل الثورة الألمانية، قبل «هيجل» و«كانت» لأنهما أنزلا الموسيقى التى كان يقاس بها الوجود، إلى مجرد متعة، وقد كان لدينا «الكندى» الذى قاس الزمن الموسيقى مضافاً إليه الكمية، فأنا أرى من خلال مباحثى فى فلسفة الموسيقى وماهية المقام أن الكندى هو أول فيلسوف عربى يقدم لنا فكرة أن الكون له ابتداء. ودلل على ذلك باستخدام الكم، فالجسد له كمية، والزمن له كمية، والحركة كمية ولا بد لها من زمن، والحركة لها قبل وبعد، ولا وقت دون حركة، ولا حركة دون وقت، والكندى الذى أحب المنطق رأى أن كل شىء يحتاج إلى كمية، ولذلك ليس هو أزليا.
< كيف نرى تفسير ذلك أو ظلاله على الموسيقى؟
- علم التأليف الموسيقى هو مضاف على الكم، فالكندى استخدم التأليف الموسيقى فى قياس الكون، فذلك كان له دور مهم فى فهم الموسيقى وربطها بالكون، لكن بعد «هيجل» و«كانت» قلَّ دور الموسيقى، إذ تحولت إلى مجرد متعة، فنهضة الموسيقى العربية لابد أن تكون على أساس علمى، وكان د. عبدالرحمن بدوى يتناول ذلك، ولدينا آخرون نادوا من قبل بذلك، مثل د. الحفنى فى مؤتمر الموسيقى العربية عام 1934، ود. الحفنى كانت «الدكتوراه» الخاصة به متعلقة بالكندى وابن سينا، وأن يكون الفكر مبنيا على المبادئ العلمية والرياضية والفيزيائية والفلسفة، وتناولوا ماهية المقام.
< هل بإمكاننا أن نشرح ماهية المقام؟
- المقام الموسيقى، على سبيل المثال ما ساقه «ابن سينا» الذى ربط الصوت والموسيقى على أساس ضربة القلب، ونتساءل هل الزمن هو الذى نقيسه فى الساعة، فهل هذا هو ماهية الزمن؟.. وقد تناول ذلك فلاسفة وعلماء مثل «إسحاق نيوتن» الذى قال إن هناك فارقاً بين الزمن الحقيقى، وقياس محسوسات الزمن.
< ما الجديد لديكم فى تفسير ماهية المقام؟
- المدخل لذلك هو علم الوجود، ودراسة ماهية الأشياء، والإجابة عن سؤال: هل العلم يأتى من المحسوسات فقط من نظر ولمس، فحين تقوم بعمل علم تجريبى وتتجاهل علم الجمال والدين والميتافيزيقيا، فهناك فى العلم التجريبى ما لا تراه المحسوسات الخمسة، فتلك فلسفة سخيفة، وأكبر العلماء تناولوا هذه الفلسفة منهم «أينشتاين» الذى أكد أن العلم لا يقف عند حدوده التجريبية. فعقلك لديه وجود، فهل تستطيع أن تلمس عقلك، بالطبع لا، فهل يعنى ذلك أن ليس له وجود، ولدى مدرسة ترى أن الواقعية فى «المقام» أنه شىء له قوانين وأسباب تتحرك على أشكال ثابتة، وأخرى ترى أن الزمن ديناميك، فالمقام فى حوزتها له وجود، ولديه جوهر يسير فى الزمن، وأسباب أخرى تاريخية، فالعزف نفسه له أسباب من الحركة، بينما آخرون يرون أنه مجرد قوانين، وقياس للأبعاد، وهو كالزراعة، كالتفاح مثلاً حين يزرع فى مكان، يكون هو ذاته التفاح حين يزرع فى مكان آخر، وله نفس الطعم وإن اختلفت الذائقة، وتساءل الفلاسفة قائلين: كيف نقارن علم الجمال، وهل هو شىء ذاتى، وحول المطلق والذاتى فى علم الجمال تساءلوا: هل علم الجمال مطلق؟ فأجابوا: أن علم الجمال ليس بمطلق، وتساءلوا كذلك: هل الموسيقى مكتشفة أم مخلوقة، ومن هذه الأسئلة والأجوبة نكتشف الحقيقة.
< كيف كانت بدايتك مع الموسيقى؟
- كنا فى البيت نسمع أم كلثوم، وكان والدى رحمه الله يحب سماعها، فبدأت صغيرًا أتعلم «الكمنجة» و«الجيتار» وبدأت بعد ذلك أتعلم الموسيقى فى الجامعات بأمريكا بشكل صحيح، وكان يعلمنى العود أستاذ فلسطينى، وبدأت تتوسع دائرة سماعى للموسيقى وقراءتى للفلسفة، وبحثت فى جذورى كمصرى وسورى.
< كيف ترى مستقبل الموسيقى المصرية؟
- الموسيقى المصرية بخير، وهناك من يفرق ما بين الموسيقى الكلاسيكية لدينا والمعاصرة، وما المعاصرة إلا امتداد مبسط لحالتنا الكلاسيكية، إذا اعتمد التلحين الآن على البساطة، أصبحت كمن يسهل عليك تعلم الفيزياء، وما «البوب» إلا مثال واضح على هذا التبسيط.