لازم أتكلم
أسباب الدفاع عن السعودية
جاءت موافقة البرلمان المصرى على قيام القوات المسلحة بمهام دفاعية فى الأراضى السعودية؛ لتؤكد عروبة وقومية أم الدنيا، ووقوف الشعب المصرى خلف قيادته فى أى قرار تتخذه وتفرضه ولاءات وقيم الإخوة تجاه الأشقاء؛ وفاءً لمن نعتبرهم امتدادًا لأمن مصر، الذى هو جزء لا يتجزأ من الأمن الخليجى والعربى.
ومع أن هذه الموافقة كانت متوقعة وإن تأخرت لإجراءات دستورية كان ينبغى اتخاذها لإطلاع نواب الشعب على كل تفاصيل المهمة الدفاعية العسكرية خارج البلاد إلا أنها خيبت ظن أمريكا وحليفتها إسرائيل ومن يدور معهما فى محور تفكيك العرب.
كما أنها ستمنح مصر حق مراقبة الوضع الملاحى فى المنطقة عن قرب، فى ظل الممر التجارى الجديد، الذى تحاول أمريكا فرضه لمنافسة الصين، وخدمة الكيان على حساب قناة السويس، انطلاقًا من الهند مرورًا بالسعودية، عبر سكة حديد، وصولًا لسواحل إسرائيل على البحر المتوسط، ومنه إلى أوروبا.
هذه الموافقة التى تحمل عدة رسائل سياسية وعسكرية، جاءت أيضًا فى توقيت شديد الحساسية، وجهود إقليمية كبيرة تبذل لإيقاف الهجمات الحوثية على أرض الحرمين، وهو ما أكسبها زخمًا كبيرًا، وسط إصرار شديد من ترامب وصديقه نتنياهو على توجيه هجمات مركزة وموسعة إلى طهران؛ لإجبارها على العودة إلى مائدة المفاوضات، أو ضرب السعودية لجرها إلى التطبيع وتوقيع الاتفاقية الإبراهيمية.
الغريب هنا أن بعض القادة الحوثيين لم يستوعبوا أسباب الموافقة ولم يتفهموا أبعادها، ويرددون «أن مصر ومدنها لن تكون بمنأى عن صواريخهم ومسيراتهم»، وعبثًا يحاولون استدعاء الخسائر المادية والبشرية والعسكرية التى تكبدتها مصر إثر دخول جيشها اليمن عام 1962 لمساندة ثورة عبدالله السلال وإسقاط نظام الملك بدر.
ووصف محمد على الحوثى، رئيس الجناح السياسى لحركة أنصار الله، هذه الموافقة البرلمانية أنها بمثابة إعلان حرب على الحوثيين، ساخرًا من صدورها بالتزامن مع اجتماع الرئيس الإيرانى والأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودى ووفود تركية وعربية وخليجية فى طهران طلبًا للسلام وإيقاف الحرب.
وهو وصف من وجهة نظرى يعد فهمًا خاطئًا منه لطبيعة الموافقة وبنود التحرك وأهدافه التى تستبعد تمامًا شن أى هجوم مصرى على أي أرض يمنية، متناسيًا أن هدف مصر تخفيف التصعيد فى المنطقة وحماية الممرات الملاحية المصرية والعربية والدولية.
وأقول للحوثى وأعوانه إن مصر السيسى ليست مصر عبدالناصر فى الستينيات، لا تعترف بزمن العنتريات، ولا تدخل طرفًا فى صراع، ولن ترمى بجيشها ومقدرات شعبها فى الهلاك، فقط تتحرك لحماية أمنها، وقواتها المنتشرة فى الممرات الملاحية، وتقوم فقط بواجبها الذى تمليه حقوق الجيرة والدفاع عن الأشقاء إذا ما طلبوا الحماية والتدخل.
كل المؤشرات تؤكد حتمية أن يكون جيشنا جاهزًا ومستعدًا لأى حركة غدر من هنا أو هناك، فإثيوبيا تريد ابتلاع إريتريا، للوصول إلى البحر الأحمر، بينما تحاول الحكومة الشرعية فى عدن وعبر ميليشيا العمالقة والسلفية الجهادية السيطرة على لحج؛ لتجد لها موقعًا استراتيجيًا فى باب المندب، وسط تحركات مريبة لكتائب الإخوان المسلمين اليمنيين (ميليشيا حزب الإصلاح) فيما تمضى قوات صنعاء فى إحكام سيطرتها على تعز وغيرها من تحركات عسكرية لا تخلو من تهديد مباشر لأمن مصر ومصالحها فى تلك البؤرة الملتهبة.
ولو أن مصر غابت لحظة، لن تجد لها مكانًا بجوار تركيا التى أصبح لها قوات عسكرية فى الصومال وقطر وأخيرًا السعودية، وتسعى لأن يكون لها امتداد على البحر الأحمر؛ تستخدمه أداة ضغط لخدمة حلفائها فى ليبيا وسوريا؛ إضافة إلى دخول دول أخرى (باكستان وفرنسا) بحجة تحالفها مع السعودية.
إن المشهد برمته معقد ومتشابك ومرتبك، ولا يوجد أمام مصر خيار سوى تلبية النداء، وإغلاق الباب أمام أى محاولات خارجية للمتطرفين والإرهابيين الذين يريدون العودة للمنطقة مرة أخرى من باب المندب.