حكاية وطن
إذاعة جلسات مجلس النواب
«تكلم حتى أراك»، هذه العبارة منسوبة إلى الفيلسوف اليونانى الشهير «سقراط» لأن الكلام يكشف جوهر الإنسان وعقله وشخصيته الحقيقية، متجاوزًا بذلك مظهره الخارجى. وتشير الرواية إلى أن رجلاً وسيمًا متبخترًا فى مشيته دخل على «سقراط» ليتباهى بجمال هيئته وأناقة مظهره ويجذب الانتباه، نظر إليه «سقراط» طويلاً ثم قال عبارته الشهيرة، ليؤكد أن الشكل الخارجى قد يخدع وأن حقيقة الإنسان وعمقه وثقافته لا تظهر للعيان إلا عندما يبدأ الحديث. كما قال الإمام على كرّم الله وجهه: «تكلموا تُعرفوا فإن المرء مخبوء تحت لسانه».
فالإنسان بمظهره أو صمته قد يبدو مهيباً أو مختلفًا عما هو عليه، فإذا تكلم كشف عن عقله وفكره وحقيقته، والكلام هو المفتاح الذى يظهر رجاحة عقل الناطق أو جهله، فالمرء مستتر خلف مظهره حتى ينطق.
وما أحوجنا إلى كلام النواب تحت قبة البرلمان، وإذاعة الجلسات على الرأى العام، ليتابع المواطنون نوابهم، وهم يصولون ويجولون بالكلام فى طرح قضايا الشارع، ومحاسبة الحكومة فى إطار الرقابة البرلمانية ومناقشة مشروعات القوانين وتقديم الاستجوابات.
يقينًا إن إذاعة جلسات مجلس النواب تساهم بشكل أساسى فى تعزيز الشفافية والرقابة الشعبية على أداء السلطة التنفيذية، وتتيح للمواطن متابعة مناقشات القوانين ومعرفة مواقف نوابهم بشكل مباشر وتساعد الناخبين على تقييم كفاءة ونشاط النائب الذى اختاروه بناءً على مشاركته الفعالة تحت القبة، كما ترفع إذاعة الجلسات كفاءة العمل البرلمانى، حيث تحفز النواب على الإعداد الجيد والالتزام بحضور الجلسات ومناقشة القضايا بموضوعية، وتقطع الطريق أمام انتشار الأخبار المغلوطة أو التأويلات غير الدقيقة حول القرارات الصادرة عن المجلس.
فى بداية كل دور انعقاد للبرلمان يتجدد الجدل حول المطالبة بالبث التليفزيونى المباشر لكافة الجلسات العامة، وتستند هذه المطالبات الموضوعية إلى مبدأ علانية الجلسات المقررة بالدستور واللائحة الداخلية لمجلس النواب، على أن جلسات المجلس علنية كقاعدة عامة مع جواز عقد جلسات سرية بناءً على طلب رئيس الجمهورية أو رئيس المجلس فحق إذاعة جلسات البرلمان إلى جانب تمكين الصحفيين المعتمدين من نقل ما يدور داخل المجلس للرأى العام من خلال صحفهم، ليس إجراء ننفرد به فى مصر، لكنه موجود فى العالم، حيث تتباهى كل المجتمعات والدول بالديمقراطية داخل مجالسها النيابية وعندما تشرك المواطنين فى متابعة الأحداث المهمة بأقصى درجات الشفافية، بل إن كثيرًا من البرلمانات تتيح للجمهور من المواطنين حضور الجلسات من داخل المجلس فى مقاعد مخصصة لذلك عبر نظام تسجيل وقواعد الحضور، تأكيدًا على أن البرلمان هو ملك الشعب، ويعمل لصالحه ولا يوجد أى مانع من إتاحة حق المواطنين بالمشاركة والمعرفة بكافة السبل ما لم يؤثر على سير أعمال المجلس، وفى المقابل فإن عدم الإتاحة الكاملة لحق المواطن فى متابعة النقاشات والأحاديث داخل مجلس نوابه، يخلق انطباعًا سلبيًا عن أداء المجلس لأن المواطن يتلقى الأخبار عن صدور القوانين بشكل مفاجئ دون تمكنه من متابعة النقاشات حولها تحت قبلة البرلمان، وهو ما يفتح الباب لكثير من الشائعات التى يطلقها المغرضون والتى بالطبع تنال من المجلس، وهو ما يمكننا عن طريق إذاعة الجلسات لتحقيق الشفافية وقطع الطريق على الشائعات التى تقلل من دور البرلمان، فهل نرى النواب صوتا وصورة فى دور الانعقاد الحالى حتى يحكم الرأى العام، لهم وعليهم، ويتحقق القول بأنهم نواب الشعب؟