خبير اقتصادي يكشف كيف يدعم ارتفاع النفط الطلب العالمي على الدولار
قال الدكتور محمد أنيس، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، إن ارتفاع أسعار النفط العالمية لم يعد مرتبطًا فقط باستمرار الحرب والتوترات في المنطقة، وإنما تدعمه أيضًا عوامل أخرى، أبرزها تراجع المخزونات الاستراتيجية والتجارية، وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، إلى جانب زيادة الطلب المتوقع لإعادة ملء الاحتياطيات بعد انتهاء الحرب.
وأوضح أنيس، خلال لقائه على القناة "الأولى"، أن أسعار النفط ارتفعت من مستويات تتراوح بين 75 و80 دولارًا للبرميل قبل نحو شهرين أو ثلاثة أشهر، إلى نحو 115 و117 دولارًا، مشيرًا إلى أن استمرار الصراع لفترة طويلة يزيد من الضغوط على الأسواق ويجعل عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة أكثر تعقيدًا.
وأضاف أن استمرار الحرب يعني الحاجة إلى كميات إضافية من النفط بعد انتهائها لتعويض ما جرى سحبه من المخزونات، وهو ما قد يبقي الأسعار مرتفعة حتى مع ظهور مؤشرات إيجابية بشأن التهدئة، معتبرًا أن التوقعات بانخفاض الأسعار فور انتهاء الحرب لا تأخذ في الاعتبار جميع العوامل المؤثرة في السوق.
تكاليف التأمين والشحن تزيد أعباء النفط
وأشار أنيس إلى أن عودة حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز إلى مستويات تقترب من معدلات ما قبل الحرب لا تعني انتهاء أزمة الإمدادات، موضحًا أن تكاليف التأمين والشحن لا تزال مرتفعة بسبب المخاطر الأمنية التي تواجه حركة الملاحة.
وبحسب أنيس، تصل هذه التكاليف في بعض الحالات إلى نحو 40 دولارًا للبرميل، مقارنة بمستويات تتراوح بين دولارين و4 دولارات قبل الحرب، وهو ما يضيف أعباء استثنائية إلى السعر النهائي الذي يتحمله المشتري.
وأوضح أن بعض الخطوط الملاحية الرئيسية تنتظر خارج مضيق هرمز، بينما يجري نقل النفط باستخدام ناقلات أصغر إلى موانئ مؤمنة خارج المضيق في سلطنة عمان والإمارات، لافتًا إلى أن استمرار هذا المسار يظل مرتبطًا بالوضع الأمني، إذ قد تؤدي عودة العمليات العسكرية إلى تعطيل حركة المرور مجددًا.
سحب 1.4 مليار برميل من المخزونات العالمية
وفيما يتعلق بالمخزونات النفطية، قال أنيس إن الجزء الأكبر منها يتركز لدى الولايات المتحدة وأوروبا واليابان والصين، موضحًا أن إجمالي المخزونات التي أشار إليها يبلغ نحو 2.5 مليار برميل، فيما تتراوح الكميات القابلة للسحب فنيًا بين 1.8 و1.9 مليار برميل.
وأضاف أن أكثر من 1.4 مليار برميل جرى سحبها من هذه الكميات، محذرًا من أن إعادة بناء المخزونات بعد استقرار الأوضاع ستخلق طلبًا إضافيًا على النفط إلى جانب الاستهلاك المعتاد.
وتوقع أن يصل الطلب الإضافي اللازم لإعادة ملء المخزونات إلى ما لا يقل عن مليوني برميل يوميًا، وهو ما قد يواصل الضغط على الأسعار حتى بعد انحسار التوترات، نتيجة الحاجة إلى تعويض النقص الذي تراكم خلال فترة الحرب.
اتفاق أمريكي روسي محدود التأثير على سوق الديزل
وعن الاتفاق بين واشنطن وموسكو بشأن تصدير الديزل، رغم استمرار العقوبات المرتبطة بالحرب الأوكرانية، أوضح أنيس أن الاتفاق يحمل دلالة سياسية تتعلق بإمكانية التعاون بين الطرفين في بعض الملفات، لكنه لا يوفر كميات كافية لإنهاء أزمة المعروض في سوق الديزل.
وأشار إلى أن الكميات التي يمكن لروسيا ضخها تتراوح بين 300 و500 ألف طن، وفقًا لتقديراته، مقابل عجز في السوق يبلغ نحو 3 ملايين طن أو أكثر، معتبرًا أن هذه الإمدادات لا تغطي سوى جزء محدود من الفجوة القائمة.
120 دولارًا للبرميل.. مستوى حرج للاقتصاد العالمي
وحذر أنيس من أن وصول أسعار النفط إلى مستوى 120 دولارًا للبرميل قد يزيد الضغوط التضخمية ويرفع مخاطر دخول الأسواق في حالة من الركود، مشيرًا إلى أن الأسعار اقتربت بالفعل من هذا المستوى.
وأوضح أن ارتفاع النفط ينعكس على تكاليف الإنتاج والنقل والطاقة في مختلف الاقتصادات، بما يضغط على الشركات والمستهلكين، وقد يدفع الدول إلى تحمل أعباء مالية إضافية لمواجهة ارتفاع تكاليف الاستيراد.
وفي المقابل، قال إن ارتفاع الأسعار قد يدعم الطلب العالمي على الدولار، موضحًا أن العالم ينتج نحو 100 مليون برميل نفط يوميًا، يُصدر منها قرابة 40 مليون برميل يجري تداولها بالدولار.
وأضاف أن ارتفاع سعر البرميل من 60 إلى 120 دولارًا يعني مضاعفة قيمة الدولارات اللازمة لشراء الكمية نفسها من النفط، وهو ما يزيد الطلب على العملة الأمريكية، وقد يحد من تأثير بعض التوجهات الرامية إلى تقليل الاعتماد عليها في التجارة والاحتياطيات الدولية.
وأشار أنيس إلى أن شركات النفط والغاز الأمريكية استفادت من ارتفاع الأسعار، بعدما رفعت إنتاجها لتعويض جانب من نقص الإمدادات في أسواق مثل أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية، ما أتاح لها تحقيق مكاسب وزيادة هوامش الربحية.
الديون والذكاء الاصطناعي يدعمان نمو الاقتصاد العالمي
وفي تفسيره لاستمرار توقعات نمو الاقتصاد العالمي بنحو 3% رغم الأزمات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الإنتاج، قال أنيس إن هناك عاملين رئيسيين يدعمان النشاط الاقتصادي، أولهما التوسع في الاستهلاك والإنفاق بالاعتماد على الاقتراض، والثاني طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي.
وأوضح أن ارتفاع تكاليف الإنتاج يدفع بعض الدول والاقتصادات إلى الاستدانة للحفاظ على مستويات الإنفاق والنشاط، مشيرًا إلى أن نسبة الدين العالمي تجاوزت 120% وفقًا للأرقام التي عرضها خلال اللقاء، مع تقديرات لحجم الدين العالمي تتراوح بين 360 و365 تريليون دولار.
وأضاف أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي أصبح أحد المحركات الرئيسية للنمو العالمي، خاصة في الولايات المتحدة، التي تقود جانبًا كبيرًا من النشاط الاقتصادي والاستثماري المرتبط بهذه التكنولوجيا.
وأشار أنيس إلى أن استمرار نمو الاقتصاد العالمي لا يعني غياب المخاطر، إذ إن الاعتماد على الديون وارتفاع أسعار الطاقة قد يفاقمان الضغوط التضخمية، بينما يظل حجم الاستثمار في الذكاء الاصطناعي أحد العوامل الداعمة للنشاط الاقتصادي خلال المرحلة الحالية.