بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

فقد ابنه في حرب غزة

غادي آيزنكوت.. من رئاسة أركان الجيش إلى منافسة نتنياهو على السلطة

آيزنكوت
آيزنكوت

من أصول مغربية إلى قمة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، ومن ساحات القتال إلى أروقة السياسة، يبرز اسم الجنرال السابق غادي آيزنكوت بوصفه أحد الوجوه التي تسعى إلى منافسة بنيامين نتنياهو على قيادة الحكومة الإسرائيلية، في مسار جمع بين الصعود العسكري والخلافات السياسية والخسارة العائلية المؤلمة خلال حرب غزة.

آيزنكوت، الذي اختاره نتنياهو قبل أكثر من عقد لرئاسة أركان الجيش الإسرائيلي، أصبح لاحقًا أحد أبرز منتقديه، في مفارقة تعكس التحولات التي شهدتها علاقتهما، من التعاون داخل مؤسسات الدولة إلى التنافس على مستقبل الحكم في إسرائيل.

جذور مغربية.. والابن الثاني بين 9 أشقاء

ولد غادي آيزنكوت في 19 مايو 1960 بمدينة طبريا، لعائلة يهودية من أصول مغربية، ونشأ في مدينة إيلات جنوب إسرائيل، وكان الابن الثاني بين تسعة أشقاء.

ومنذ سنوات شبابه، اتجه آيزنكوت إلى الحياة العسكرية، ليبدأ مسيرة طويلة داخل الجيش الإسرائيلي، تنقل خلالها بين مواقع قيادية متعددة، قبل أن يصل إلى أعلى منصب عسكري في البلاد.

وعلى الصعيد العائلي، آيزنكوت متزوج وأب لخمسة أبناء، وقد ظل بعيدًا نسبيًا عن الأضواء الشخصية مقارنة بحضوره في الملفات العسكرية والأمنية، قبل أن تتصدر حياته العائلية المشهد عقب مقتل نجله خلال حرب غزة.

من جندي في «غولاني» إلى قمة الجيش

بدأ آيزنكوت مسيرته العسكرية عام 1978، بالالتحاق بلواء «غولاني»، أحد أبرز ألوية المشاة في الجيش الإسرائيلي، وتدرج في المناصب من قائد سرية إلى قائد كتيبة، ثم نائب قائد اللواء.

وفي عام 1991، تولى منصب ضابط العمليات في القيادة الشمالية، قبل أن يقود لواء «كرملي» عام 1992، ثم لواء «إفرايم» في الضفة الغربية عام 1994.

وتواصل صعوده داخل المؤسسة العسكرية، فتولى قيادة لواء «غولاني» عام 1997، ثم رُقي إلى رتبة عميد عام 1999، وعُيّن سكرتيرًا عسكريًا لرئيس الحكومة الإسرائيلية.

وفي عام 2003، تولى قيادة منطقة الضفة الغربية، قبل ترقيته إلى رتبة لواء عام 2005 وتعيينه رئيسًا لشعبة العمليات، ثم قيادة المنطقة الشمالية عام 2006، ليصبح أحد أبرز القيادات العسكرية الإسرائيلية.

نتنياهو اختاره رئيسًا للأركان

تحمل علاقة آيزنكوت بنتنياهو مفارقة سياسية لافتة، فالرجل الذي ينافسه اليوم على السلطة كان وراء اختياره لقيادة الجيش الإسرائيلي.

ففي نهاية عام 2014، أعلن نتنياهو اختيار آيزنكوت رئيسًا للأركان، بناءً على توصية وزير الدفاع آنذاك موشيه يعالون، ليتولى المنصب رسميًا في فبراير 2015، خلفًا لبيني غانتس.

واستمر آيزنكوت في منصبه حتى عام 2019، وخلال تلك الفترة أشرف على ملفات عسكرية وأمنية معقدة، شملت المواجهات على الحدود الشمالية، والعمليات المرتبطة بقطاع غزة، والتحديات الأمنية في الضفة الغربية.

ومع انتهاء ولايته، غادر آيزنكوت المؤسسة العسكرية، لكنه احتفظ بحضوره في النقاشات المتعلقة بالأمن القومي الإسرائيلي، قبل أن ينتقل تدريجيًا إلى العمل السياسي.

«عقيدة الضاحية».. إرث عسكري مثير للجدل

ارتبط اسم آيزنكوت بما يُعرف بـ«عقيدة الضاحية»، التي برزت في أعقاب حرب لبنان عام 2006، عندما كان يتولى قيادة المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي.

وتقوم هذه العقيدة على استخدام قوة عسكرية ونارية واسعة ضد مناطق تعتبرها إسرائيل مراكز لخصومها، مع استهداف البنية التحتية المرتبطة بها، وهي استراتيجية أثارت انتقادات حقوقية واسعة بسبب آثارها المحتملة على المدنيين والمنشآت المدنية.

وأصبحت هذه العقيدة إحدى أبرز المحطات المثيرة للجدل في سجل آيزنكوت العسكري، في ظل الانتقادات المتعلقة بتوسيع نطاق التدمير خلال المواجهات المسلحة، وما تثيره هذه السياسات من تساؤلات بشأن حماية المدنيين.

قضية الجندي الذي قتل فلسطينيًا

في عام 2016، واجهت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية جدلًا واسعًا بسبب قضية الجندي إليور أزاريا، الذي أطلق النار على فلسطيني مصاب في مدينة الخليل.

وتمسك آيزنكوت بمحاسبة الجندي وفق القواعد والإجراءات العسكرية، وهو موقف أثار انقسامًا داخل إسرائيل، بين من اعتبره دفاعًا عن الانضباط العسكري، ومن رأى فيه تشددًا في التعامل مع الجنود.

وكشفت القضية عن خلافات بين القيادة العسكرية وقطاعات سياسية إسرائيلية بشأن قواعد الاشتباك والتعامل مع الفلسطينيين، كما سلطت الضوء على التباين بين الاعتبارات العسكرية والحسابات السياسية الداخلية.

من المؤسسة العسكرية إلى مواجهة نتنياهو سياسيًا

بعد انتهاء خدمته العسكرية عام 2019، بدأ آيزنكوت خطواته نحو العمل السياسي، قبل أن ينضم عام 2022 إلى التحالف الذي قاده وزير الدفاع السابق بيني غانتس.

ومع اندلاع حرب غزة عقب هجوم السابع من أكتوبر 2023، انضم آيزنكوت إلى حكومة الطوارئ التي ترأسها نتنياهو، وشارك في مجلس الحرب إلى جانب غانتس، في وقت كانت فيه العمليات العسكرية داخل القطاع تتصدر أجندة الحكومة الإسرائيلية.

لكن الخلافات بشأن إدارة الحرب، وأهداف العمليات العسكرية، ومستقبل قطاع غزة، دفعت آيزنكوت وغانتس إلى الانسحاب من حكومة الطوارئ في يونيو 2024.

ومنذ ذلك الحين، تصاعدت انتقادات آيزنكوت لسياسات نتنياهو، خصوصًا فيما يتعلق بغياب رؤية واضحة لمرحلة ما بعد الحرب، والتوازن بين الأهداف العسكرية والاعتبارات السياسية، ليصبح أحد الأصوات التي تنافس رئيس الحكومة على تقديم بديل سياسي.

غزة.. خسارة الابن واثنين من أبناء إخوته

لم تتوقف تداعيات حرب غزة عند حدود المسيرة السياسية والعسكرية لآيزنكوت، فقد امتدت إلى أسرته، بعدما فقد نجله غال خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل القطاع.

وفي ديسمبر 2023، قُتل غال، البالغ من العمر 25 عامًا، خلال مشاركته في العمليات العسكرية، بينما كان والده عضوًا في مجلس الحرب الإسرائيلي الذي يتابع إدارة المعارك في غزة.

كما فقد آيزنكوت اثنين من أبناء إخوته خلال الحرب، لتتحول المواجهات في القطاع إلى مأساة شخصية ألقت بظلالها على حياته العائلية.

وحظيت خسارته باهتمام واسع في وسائل الإعلام الإسرائيلية، خاصة أن آيزنكوت كان في قلب المؤسسة التي تتخذ القرارات العسكرية، ويواجه في الوقت نفسه آثار الحرب داخل أسرته.

هل يصبح الجنرال منافسًا حقيقيًا على رئاسة الحكومة؟

بعد ما يقرب من أربعة عقود داخل المؤسسة العسكرية، يخوض آيزنكوت اختبارًا مختلفًا، عنوانه الانتقال من قيادة الجيش إلى محاولة الوصول إلى قمة السلطة السياسية.

فالرجل الذي بدأ جنديًا في لواء «غولاني»، وتدرج حتى أصبح رئيسًا للأركان، ثم شارك في مجلس الحرب خلال حرب غزة، يسعى إلى توظيف خبرته العسكرية وحضوره السياسي في منافسة نتنياهو، الذي كان وراء تعيينه في أعلى منصب عسكري.

وتمنح خلفيته العسكرية آيزنكوت حضورًا في الملفات الأمنية، بينما تضعه تجربته داخل حكومة الطوارئ أمام تحدي إقناع الناخبين بقدرته على تقديم مسار مختلف لإدارة الدولة والحرب والعلاقات الإقليمية.

وبين أصوله المغربية، وسجله العسكري المثير للجدل، وخسارته العائلية في غزة، وتحولاته السياسية، يبقى غادي آيزنكوت أحد الأسماء المطروحة في معادلة المنافسة على الحكم في إسرائيل، لكن الطريق إلى رئاسة الحكومة سيظل مرهونًا بقدرته على بناء تحالف سياسي واسع، وبنتائج الانتخابات الفعلية، لا باستطلاعات الرأي وحدها.