صرخة يطلقها الناشرون
من ينقذ صناعة النشر في زمن الحرب؟
ارتفاع التكاليف وإلغاء المعارض.. أزمات تحتاج لدعم الدولة
منذ كورونا وحرب غزة وغيرها.. والكتاب يعاني
معرض القاهرة.. أجنحة بأسعار تفوق قدرة الناشرين
محمد رشاد: نحتاج تدخلا عاجلا.. و34% من الناشرين خرجوا نهائياً من المهنة
خلف: ضرورة التعاون بين اتحادات الناشرين والجهات المنظمة للمعارض
أحمد رشاد: الثقافة تحتاج دعما أكبر من الدولة وعلى الناشر التعامل مع الكتاب بوصفه محتوى
المزين: غياب الخطط البديلة أدى لتفاقم الأزمة

ندرك جيدا أن للحروب خسائر لا تتوقف عند احتراق المدن وتهدم البيوت وإزهاق الأرواح، فثمة خسائر أخرى تتسلل دون ضجيج إلى تفاصيل الحياة، وتترك أثرها في أشياء قد تبدو بعيدة عن ساحات القتال، لكنها في الحقيقة أكثر التصاقًا بالإنسان مما قد نتصور، ومن بين تلك الخسائر... يبرز الكتاب، الذي لا يعرف طريقًا إلى ساحات القتال، لكنه رغم ذلك يجد نفسه محاصرًا بأزمات لم يخترها، ولم يسع إليها العاملون عليه، فيدفع ثمنها ورقًا صار أغلى، وطباعة باتت أعلى تكلفة، وشحنًا أصبح أكثر تعقيدًا، ومعارض كبرى إما تغلق أو تتأجل، أو تتعثر إليها خطوات الناشرين، هنا.. تضيق المسافات التي اعتاد الكتاب أن يقطعها بين بلد وآخر، وبين ثقافة وأخرى، ليجد نفسه ضحية أولى لحروب لم يخضها..
وفي منطقتنا العربية، التي تتوالى عليها الحروب وتكثر دوائر اضطرابها يومًا بعد آخر، لم تعد أزمة النشر محصورة في حسابات اقتصادية أو ميزانية مرتبكة، أو أرقام تتغير مع ارتفاع أسعار الخامات وتكاليف الإنتاج، بل بتنا أمام سؤال أكثر أهمية عن قدرة صناعة الثقافة كلها على الصمود حين تختل الموازين، وعن مصير الكتاب عندما تصبح تكلفة وصوله إلى القارئ عبئًا إضافيًا على صناعة تكافح أصلًا من أجل البقاء، والبحث عن قارئ حق، بل عن تلك الجسور التي شيدتها دور النشر العربية عبر سنوات من المشاركة في المعارض الدولية، فإذا بها تواجه واقع التعثر والغياب والتأجيل في وقت تحتاج فيه الثقافة إلى أن تكون أكثر حضورًا.
بينما تبرز أزمات أخرى تالية، ونحن على أعتاب العرس الثقافي الأكبر، معرض القاهرة الدولي للكتاب، ففيما نبحث عن حلول لاحتواء آثار الحروب على صناعة الكتاب، تصل إلينا معاناة وشكاوى عديد من الناشرين والكتاب، فمؤخرا فوجئنا بطرح غالبية أجنحة القاعات المميزة بالمعرض بأسعار تعجز معظم دور النشر عن الالتزام بها، مما يحصر فرص المشاركة في عدد محدود منها، مما ينعكس بدوره على سعر الكتاب وفرص وصوله للقارئ، في الوقت الذي لا يزال فيه ناشرون ينتظرون شحنات كتبهم معلقة، منذ معرض المغرب 2025.
من هنا، يصبح الاقتراب من أحوال صناعة النشر في ظل الحروب محاولة لفهم ما يحدث خلف رحلة وصول الكتاب، حيث تتشابك السياسة بالاقتصاد، وتتجاوز الخسارة ثمن الورق والحبر لتصل إلى فرص النشر والتوزيع والتواصل، وإلى حق الكتاب في أن يواصل رحلته، مهما اشتدت العواصف من حوله...
ونحن في تلك المساحة نطرح أسئلتنا على أصحاب الصناعة.. ناشرين ومسئولين، علنا نعرف مصير ما يواجهه الكتاب وصانعوه من أزمات عالمية ومحلية....

*تراجع حركة توزيع الكتب بين الدول العربية
بداية، أكد محمد رشاد، رئيس اتحاد الناشرين العرب، أن صناعة النشر تعد من أكثر القطاعات حساسية وتأثراً بأية أحداث أو متغيرات طارئة، سواء كانت سياسية، أو عسكرية، أو اقتصادية، أو اجتماعية.
وأضاف رئيس اتحاد الناشرين العرب أن الأزمة الكبرى تكمن في غياب الاعتراف الرسمي من قبل الحكومات العربية بالنشر باعتباره "صناعة" حقيقية، حيث يتم التعامل معه باعتباره مجرد "نشاط خدمي"، وهو ما يجعله الأسرع تضرراً والأكثر عرضة للخسائر مقارنة بالقطاعات الأخرى عند وقوع الأزمات.
وأشار رشاد إلى المحطات القاسية التي عصفت بالقطاع، موضحاً بالأرقام حجم الخسائر الفادحة، ومنها جائحة كورونا، حيث إن الاستبيانات التي شملت 300 ناشر عربي، أظهرت أن 34% من الناشرين خرجوا نهائياً من المهنة، وتراجعت نسبة الإصدارات بنسبة 75% لتنخفض من 100 عنوان إلى 25 عنواناً فقط في السنة (عام 2021)، فضلاً عن تراجع مبيعات الناشرين لأكثر من 50%.
متابعا أن الحرب الروسية الأوكرانية أيضا قد أثرت بشكل مباشر على سلاسل الإمدادات، وأدت إلى ارتفاع جنوني وحاد في أسعار الورق ومستلزمات الإنتاج من خامات، زنكات، وأحبار.
كما تسببت حرب غزة والأزمات الإقليمية في تأثيرات بالغة نتيجة انشغال الجهات المعنية بأجواء الحرب وغياب أدوار اقتناء الكتب، إلى جانب إلغاء وتأجيل العديد من معارض الكتب، بالتوازي مع التوترات العسكرية والسياسية في منطقة الخليج.
وتابع محمد رشاد موضحاً أن صناعة النشر في العالم العربي تعاني من ضعف القوة التنافسية وعدم قدرتها على تحمل تقلبات الصعود والهبوط في ظل غياب الدعم.
مضيفا أن معارض الكتب أصبحت حالياً المنفذ شبه الوحيد المتبقي أمام الناشر العربي لتصريف إصداراته وعرضها، وذلك لعدة أسباب، وهي محدودية أعداد المكتبات العامة في الوطن العربي وعدم تناسبها مع الكثافة السكانية، حيث يفترض وفقاً للمعايير العالمية وجود مكتبة عامة واحدة (تبدأ بـ 10,000 عنوان) لكل 50 ألف نسمة، وانعدام أو نقص الميزانيات المخصصة لمكتبات الجامعات، والمكتبات المدرسية، والمراكز الثقافية لاقتناء الكتب الحديثة.
واختتم رشاد بالتأكيد على أن موجات التضخم والارتفاع الهائل في الأسعار ساهمت في تراجع حركة توزيع الكتب بين الدول العربية بشكل ملحوظ، مما أدى إلى ضعف الإقبال على الشراء ووضع صناعة النشر أمام مفترق طرق خطير يتطلب تدخلاً عاجلاً لإنقاذها.

* الحل في ثلاثة محاور
بينما أكد أحمد رشاد، نائب رئيس اتحاد الناشرين المصريين ونائب رئيس المجلس التصديري للطباعة والتغليف والكتب، أن الظروف الراهنة في المنطقة العربية قد ألقت بظلالها السلبية بشكل كبير على قطاع النشر، وهو ما أدى لظهور أزمات ملحوظة تمثلت في ارتفاع تكاليف الشحن، حيث أدى الوضع الحالي إلى زيادة ملحوظة في تكاليف الطيران وشحن الكتب، كما حدث تراجع ملحوظ في حجم المبيعات الخارجية، مؤكدا أن الناشر المصري، خاصة المتوسط والصغير، يعتمد على نسبة تتراوح بين 50% إلى 70% من إجمالي مبيعاته على المعارض العربية الخارجية.
مضيفا أن الظروف السياسية والاقتصادية المتقلبة التي تمر بها المنطقة العربية قد أدت لانخفاض القوة الشرائية، نتيجة لزيادة تكاليف إنتاج الكتاب، حيث تزامنت هذه التحديات مع ارتفاع أسعار صرف الدولار مؤخراً، إلى جانب زيادة أسعار خامات الورق وتكاليف الطباعة، مما ضاعف الأعباء على صناعة النشر والناشرين.
وفيما يخص جهود اتحاد الناشرين لاحتواء تلك الأزمات، أكد رشاد أنه تم عقد اجتماع مع وزير المالية منذ أسبوع ناقش خلاله سبل دعم الدولة للناشرين بصورة أكبر، لا سيما في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دوراته المقبلة من خلال تخفيض إيجارات الأجنحة، فضلاً عن إطلاق "جائزة اتحاد الناشرين" وهي جائزة مالية، وتقديم الدعم اللوجستي والمادي في المعارض الخارجية، بالتعاون مع اتحاد الناشرين العرب، وهو ما ظهر في معرض ليبيا، حيث تم تخفيض إيجارات الأجنحة للمصريين.
مؤكدا أن هناك بارقة أمل وسط هذه التحديات تتمثل في جهود الدولة المصرية الرامية إلى دعم الناشرين المصريين المشاركين في المعارض الخارجية، وذلك عبر تغطية نحو 50% من تكاليف إيجارات الأجنحة، وهو ما يسهم في تخفيف جزء من وطأة الأزمة، إلا أن وزارة الثقافة تحتاج لدعم مالي أكبر من الدولة،
واستطرد رشاد متحدثا عن الإشكاليات الكبرى التي واجهت الشحنات المصرية مؤخراً، لافتاً إلى أزمة شحنة معرض المغرب 2025 التي ما زالت معلقة ومحجوبة نتيجة بلاغات مجهولة، مما عرضها لغرامات ضخمة من الخط الملاحي تصل لملايين الدولارات وسط مساعٍ مستمرة لحل الأزمة بتدخل مباشر من الدولة المصرية ووزير المالية، إلى جانب أزمة شحنة معرض مسقط التي أُرسلت في فبراير الماضي بالتزامن مع نشوب الحرب وتم حلها.
وانتقل رشاد للحديث عن أزمة ارتفاع سعر المتر في بعض أجنحة معرض الكتاب في الدورة المقبلة حد وصول سعر المتر لسبعة آلاف والنصف، أن اتحاد الناشرين المصريين أصدر بيانا استنكاريا، إلا أن موقف بعض الناشرين من إقبالهم على حجز تلك الأجنحة قد قوض مساعي الاتحاد في هذا الشأن، متابعا أن هناك أزمة حقيقية في عدم قدرة الدولة على حصر حجم صناعة النشر نتيجة عدم دخول بعض دور النشر تحت مظلة الدولة، من إصدار فواتير إلكترونية وغيرها.
وأوضح أحمد رشاد، أن حل أزمات النشر، يتمثل في ثلاثة محاور، أولها ضرورة دعم الدولة لصناعة النشر بشكل كبير، لا يقتصر على تخفيضات إيجارات الأجنحة في المعارض الخارجية فقط، إلى جانب ضرورة تقديم دعم واضح في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي يعتمد الناشر عليه في ٢٥ في المائة من موارده السنوية.
ولفت رشاد إلى أن المحور الثالث والمهم لحل الأزمة يكمن في طريقة تعاطي الناشر نفسه مع المنتج الثقافي، مشدداً على ضرورة التعامل مع الكتاب بوصفه "محتوى" كاملاً وليس مجرد "كتاب ورقي" فقط، حيث يتوجب على الناشر الاستثمار في شتى الوسائط الرقمية والحديثة وتطوير آليات صناعة النشر بوجه عام لمواكبة المتغيرات وتنمية أدواته.
واختتم تصريحاته بالإعراب عن أمله في أن تدرس وزارة المالية تقديم المزيد من الدعم لبعض الجوانب الحيوية لدعم الناشرين، بما يضمن حل الأزمات المستقبلية واستدامة هذه الصناعة الهامة.

* الكتاب ليس مجرد سلعة تجارية
فيما يرى محمود خلف، رئيس لجنة المعارض العربية والدولية
باتحاد الناشرين المصريين، أن الحروب والصراعات التي تشهدها المنطقة العربية لها تأثير مباشر وسريع على صناعة النشر ومعارض الكتاب، فالكتاب من أكثر المنتجات تأثرًا بالأزمات الاقتصادية والحروب لأن صناعته تعتمد على سلاسل إمداد وخامات تتأثر بشكل مباشر باضطرابات الأسواق العالمية
فالحروب تؤدي إلى ارتفاع أسعار الورق والأحبار ومواد الطباعة والتجليد وغيرها من مستلزمات الإنتاج فضلًا عن زيادة تكاليف الشحن والنقل والتأمين وهو ما يرفع تكلفة إنتاج الكتاب ويضع أعباء إضافية على الناشرين وينعكس في النهاية على سعر الكتاب وقدرة القارئ على اقتنائه.
وتابع خلف: كما تؤثر هذه الأزمات على مشاركة الناشرين في المعارض العربية والدولية نتيجة ارتفاع تكاليف وصعوبة نقل الكتب بين الدول وتراجع القدرة الشرائية في بعض الأسواق
وللأسف في أغلب الأحيان تلغي المعارض بعد شحن الكتب
ومن هنا تأتي أهمية التعاون بين اتحادات الناشرين والجهات المنظمة للمعارض وشركات الشحن لتخفيف هذه الأعباء والحفاظ على استمرارية صناعة النشر.
مختتما بقوله: فالكتاب ليس مجرد سلعة تجارية بل هو وسيلة لبناء الوعي ونشر المعرفة وتعزيز التواصل بين الشعوب ولذلك يجب أن تظل صناعة الكتاب حاضرة رغم كل الأزمات.
* نحتاج تحركا عاجلا
بينما يؤكد الناشر فتحي المزين أن تأثير تأجيل المعارض العربية أو إلغائها بسبب الحروب والأزمات الإقليمية يعد تأثيرا مدمرا على صناعة النشر، فالمعارض العربية تمثل الداعم الأول لاستمرارية دور النشر، ومن خلالها تستطيع الدور الوصول إلى القراء، وتسويق إصداراتها، وتحقيق جزء أساسي من عوائدها المالية التي تساعدها على الاستمرار.
ويضيف المزين أن الارتفاع المرعب في تكلفة مستلزمات الطباعة يمثل عبئًا إضافيًا يهدد الصناعة، التي تعاني بالفعل من أزمات اقتصادية متراكمة، وتراجع في القدرة الشرائية، وارتفاع تكاليف الإنتاج والتوزيع.
موضحا أن غياب الخطط البديلة للتعامل مع مثل هذه الظروف يزيد من حجم الخسائر، ويجعل مستقبل صناعة النشر أكثر صعوبة، خاصة بالنسبة لدور النشر الصغيرة والمتوسطة التي لا تمتلك القدرة المالية على تحمل فترات طويلة من الركود.
ويشير المزين إلى أنه منذ اندلاع الحرب الإيرانية، شهدت المعارض الخليجية تأجيلات أو إلغاءات، وهو ما يضاعف المخاوف بشأن مستقبل صناعة النشر العربية، ويستدعي تحركًا جادًا لوضع خطط تضمن استمرارية الصناعة وحماية العاملين فيها.