15 عامًا بلا مجالس ولا قانون ينظم عملها
الإدارة المحلية.. قانون مؤجل ورقابة غائبة
خبراء يطالبون بضرورة تفعيل صلاحيات نواب المحافظين
ميزانيات المحافظات بلغت 136 مليار جنيه مقابل موارد لا تتجاوز 13 مليارًا.. والمركزية مشكلة تبحث عن حل
منذ 2011، تغيب المجالس المحلية المنتخبة عن المشهد الرقابي، فيما تتصاعد التساؤلات حول جدوى منظومة تتوزع فيها الاختصاصات بين الوزارات والمحافظات، وتُقيد فيها صلاحيات المسئول المحلى بتشابكات إدارية ومالية. وبين قانون ينتظر استكمال مساره التشريعي، وموارد لا تتناسب مع احتياجات التنمية، وعجز فى بعض الكوادر المتخصصة، تتجاوز أزمة الإدارة المحلية حدود النصوص القانونية لتلامس تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين، من تراخيص البناء والنظافة والطرق إلى الاستثمار ومواجهة العشوائيات.
لا تتوقف أزمة الإدارة المحلية فى مصر عند تأخر إصدار قانون جديد ينظم عملها، بل تمتد إلى اشكالية أكبر بين محافظات تسعى إلى استثمار مواردها، ووحدات محلية تواجه تداخل الاختصاصات ونقص الإمكانات، ومواطنين يفتقرون إلى مجالس منتخبة تنقل مطالبهم وتمارس الرقابة على أداء الأجهزة التنفيذية، وهنا تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة بناء العلاقة بين المركز والمحليات على أسس واضحة من الصلاحيات والموارد والمساءلة.
وفى الوقت الذى ينص فيه الدستور على انتخاب المجالس المحلية واختصاصاتها الرقابية والتنموية، يثير استمرار غيابها منذ عام 2011 تساؤلات حول مستقبل الرقابة الشعبية، وقدرة المواطنين على المشاركة فى إدارة شئون مناطقهم، فضلًا عن فرص إعداد كوادر سياسية جديدة من خلال العمل المحلي.
وفى الوقت الذى ينادى فيه الخبراء باللامركزية وتفعيل آليات الحكم المحلي، ما زال مصير قانون الإدارة المحلية غامضًا، فرغم أن الدستور أقر بضرورة إعادة المجالس النيابية للحياة مرة أخرى، إلا أن هذا الأمر لم يحدث حتى الآن، ومشروع القانون الجديد ما زال قيد الدراسة والبحث .
فهل ينجح القانون المرتقب فى إنهاء اختلالات المنظومة الحالية، أم يستمر تأجيل الإصلاح بينما تتحمل المحافظات والمواطنون كلفة المركزية وتداخل الاختصاصات؟
إصلاح شامل
أجاب على هذا التساؤل الدكتور الحسين حسان، أستاذ الإدارة المحلية، مشيرًا إلى أن منظومة الإدارة المحلية فى مصر تواجه مشكلات هيكلية تتطلب إصلاحًا تشريعيًا وإداريًا شاملًا، فى ظل تأخر إجراء الاستحقاق الدستورى الخاص بانتخاب المجالس المحلية وغيابها منذ عام 2011، بما يزيد على 15 عامًا، وهو ما يحد من الرقابة الشعبية على أداء رؤساء الأحياء والأجهزة المحلية.
وقال حسان إن الإدارة المحلية تعانى ضعفًا فى تفعيل الصلاحيات وتداخلًا فى الاختصاصات، مشيرًا إلى أن منصب نائب المحافظ يمثل أحد أبرز الأمثلة على ذلك؛ إذ لا يتمتع النائب، وفقًا لما وصفه، بصلاحيات تنفيذية كافية، رغم تحمله أعباء وظيفية وتكبد الدولة تكاليف مالية، لافتًا إلى أن بعض الإجراءات والمعاملات لا تُعتمد إلا من خلال السكرتير العام للمحافظة أو المحافظ، بما يطرح تساؤلات حول الدور الفعلى لنائب المحافظ.
وشدد أستاذ الإدارة المحلية على ضرورة تفعيل اللا مركزية الإدارية والمالية، ومنح كل محافظة قدرًا أكبر من الاستقلال فى إدارة مواردها وتحديد أولويات الإنفاق، بما يتناسب مع احتياجاتها وإمكاناتها الاقتصادية، مستشهدًا بتجارب الولايات الأمريكية فى إدارة مواردها.
وضرب مثالًا بمحافظة الأقصر، موضحًا أن مواردها ينبغى أن تسهم بصورة أكبر فى دعم التنمية المحلية، بدلًا من انتقالها إلى جهات مركزية أو وزارات مختصة، بما يحد، من قدرة المحافظة على استثمار إمكاناتها السياحية والاقتصادية.
وأشار إلى اتساع نطاق الإدارة المحلية فى مصر، التى تضم 27 محافظة، و286 مدينة، و180 مركزًا، و120 حيًا، وأكثر من 4700 قرية، إلى جانب ما يزيد على 34 ألف نجع وعزبة، مؤكدًا أن هذا الامتداد الجغرافى والإدارى يتطلب منظومة محلية فعالة، ورقابة محكمة، وآليات تعبر عن احتياجات المواطنين فى مختلف المناطق.
وأوضح حسان أن ميزانيات سابقة للمحافظات قُدرت بنحو 136 مليار جنيه، مقابل موارد للمحافظات فى حدود 13 مليار فقط، معتبرًا أن الفجوة بين الإنفاق والموارد المحلية تعكس الحاجة إلى إعادة النظر فى آليات التمويل وتوزيع الموارد، وتعزيز قدرة المحافظات على توليد الإيرادات وإدارة شئونها.
المركزية تعطل الاستثمار
وأضاف أن استمرار المركزية فى اتخاذ القرار يحد من قدرة المحافظات على التحرك السريع لدعم الاستثمار والتنمية، إذ تظل بعض القرارات مرتبطة بموافقات جهات متعددة، من بينها وزارات الرى والزراعة والكهرباء وهيئة المجتمعات العمرانية، بما يؤدى إلى تشابك الاختصاصات وتعطيل مصالح المواطنين والمستثمرين.
وحذر حسان من أن ضعف كفاءة الإدارة المحلية وتداخل الاختصاصات يسهمان فى تفاقم مشكلات البناء المخالف والتعديات على الأراضى الزراعية وانتشار المناطق العشوائية، مشيرًا إلى وجود نحو 2.7 مليون حالة تعدٍ على الأراضى الزراعية، و3 ملايين مبنى مخالف.
وأوضح أن معالجة العشوائيات وإعادة تخطيط المناطق غير المنظمة تفرض أعباء مالية كبيرة على الدولة، ما يجعل تطوير منظومة الإدارة المحلية وتعزيز الرقابة والقدرة على التدخل المبكر ضرورة للحد من المخالفات وتكاليف معالجتها.
الرقمنة
ولفت أستاذ الإدارة المحلية إلى وجود عجز فى بعض الكوادر المتخصصة داخل الأجهزة المحلية، لا سيما التخصصات الهندسية، فى ظل محدودية التعيينات، الأمر الذى يؤثر فى قدرة الوحدات المحلية على تنفيذ مهامها ومتابعة القرارات والمشروعات، بما فى ذلك الملفات المرتبطة بقانون التصالح فى مخالفات البناء.
وطالب بتسريع رقمنة الخدمات والإجراءات المحلية، بما يرفع كفاءة الأداء ويحد من التعقيدات الإدارية، إلى جانب إعادة تنظيم صلاحيات نواب المحافظين، سواء بتفعيل اختصاصاتهم التنفيذية بصورة واضحة أو إعادة النظر فى جدوى استمرار المنصب بصورته الحالية، مشيرًا إلى أن إدارة كثير من الملفات والصلاحيات تقع عمليًا على عاتق السكرتير العام للمحافظة، وهو ما يستدعى إعادة توزيع الاختصاصات بما يضمن وضوح المسئولية وسرعة اتخاذ القرار.
تعديل القانون
من ناحية أخرى أكد الدكتور حمدى عرفة، أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية، أن تعديل قانون الإدارة المحلية الحالى رقم 43 لسنة 1979 يجب أن يمثل نقطة تحول حقيقية فى إدارة شئون المواطنين، وألا يقتصر على إعادة صياغة المواد القانونية، بل ينبغى أن يؤسس لمنظومة محلية أكثر قدرة على الاستجابة لاحتياجات الشارع، وتحقيق العدالة فى توزيع الخدمات، ومحاسبة المسئولين عن أوجه القصور.
وأشار عرفة إلى أن تطوير منظومة الإدارة المحلية يتطلب مراجعة شاملة للعلاقة بين الحكومة المركزية والمحافظات والمراكز والمدن والأحياء والقرى، مؤكدًا أن نجاح التشريع الجديد يرتبط بقدرته على معالجة المشكلات اليومية التى تواجه المواطن، بداية من النظافة والطرق والإنارة والإشغالات، وصولًا إلى تراخيص البناء والتخطيط العمرانى وسرعة الاستجابة للشكاوى.
وأوضح عرفة أن التحدى الأول يتمثل فى تشابك الاختصاصات بين الوزارات والمحافظات والوحدات المحلية، وهو ما يستوجب وضع نصوص واضحة تحدد مسئولية كل جهة، وتمنح المحافظ ورئيس المدينة والحى والقرية الصلاحيات اللازمة لأداء مهامهم. وأضاف أن اللا مركزية الحقيقية لا تعنى نقل المسئوليات إلى المحافظات فحسب، وإنما تقتضى نقلًا منظمًا للصلاحيات والموارد المالية والبشرية، مع تحديد مؤشرات أداء معلنة، ومواعيد زمنية لإنجاز الخدمات، وآليات واضحة لمحاسبة المقصرين.
وأكد عرفة أن إعادة تفعيل المجالس المحلية المنتخبة تمثل أحد الملفات المهمة فى إصلاح الإدارة المحلية، فى ضوء المادة 180 من الدستور، التى تنظم انتخاب المجالس المحلية واختصاصاتها الرقابية والتنموية، بما يشمل متابعة تنفيذ خطط التنمية، وتوجيه الأسئلة وطلبات الإحاطة والاستجوابات، ومساءلة القيادات التنفيذية وفقًا للقانون.
وطالب بأن تتضمن منظومة الإدارة المحلية نظامًا موحدًا للشكاوى يحدد مددًا معلنة للرد والمعالجة، ومسئولًا محددًا عن كل شكوى، وإمكانية تصعيدها عند التأخير، مع نشر تقارير دورية عن نسب الحل وأسباب التعثر، دون الإخلال بسرية البيانات الشخصية.
وأشار عرفة إلى أن إصلاح الإدارة المحلية يستلزم مراجعة المواد المنظمة للموارد المالية والموازنات المحلية والرسوم، بما يضمن توزيعًا أكثر عدالة للموارد بين المحافظات والمراكز والأحياء والقرى، وفقًا للكثافة السكانية ومعدلات الفقر واحتياجات البنية الأساسية ومستوى الخدمات.
واختتم الدكتور حمدى عرفة حديثه بالتأكيد أن التشريع الجديد ينبغى أن يُبنى على حوار جاد مع الخبراء والمتخصصين والمحافظين والعاملين بالمحليات وممثلى المواطنين، وأن يستند إلى دراسة واقعية لمشكلات القرى والأحياء والمدن، وليس إلى التصورات المكتبية وحدها.
وشدد على أن مصر تحتاج إلى إدارة محلية قادرة على تحويل الخطط إلى نتائج، والموارد إلى خدمات، والمشاركة الشعبية إلى رقابة فعالة، بحيث يصبح القانون الجديد أداة لتحسين حياة المواطنين وتعزيز كفاءة الإدارة العامة، لا مجرد تعديل تشريعى يضاف إلى سجلات القوانين.
استحقاق دستورى
وأشار الدكتور هشام عناني، رئيس حزب المستقلين الجدد إلى أن قانون الإدارة المحلية يشهد تأخرًا فى الوفاء بالاستحقاق الدستوري، موضحًا أن دستور 2014 أرسى ضرورة إصدار القانون خلال مدة لا تتجاوز 10 سنوات، إلا أنه مرّت 3 دورات برلمانية دون الانتهاء من إعداده وإقراره.
وأضاف عنانى أن استمرار تأخر القانون، يستدعى توضيحًا من البرلمان للرأى العام بشأن أسباب عدم إنجازه، مؤكدًا ضرورة الوفاء بالاستحقاق الدستورى وتفعيل اللا مركزية التى نص عليها الدستور.
وأوضح أن إصدار قانون الإدارة المحلية يمثل ضرورة لانتظام دولاب العمل الحكومي، فى ظل ما يترتب على غياب المجالس المحلية من ضعف الرقابة الشعبية على أداء الحكومة، فضلًا عن حرمان الحياة السياسية من إحدى القنوات الأساسية لإعداد وتأهيل كوادر جديدة للعمل العام والنيابي، مشيرًا إلى أن المجالس المحلية تمثل ساحة مهمة لتأهيل الكوادر السياسية، لافتًا إلى أنها تحتاج إلى إعداد 52 ألف عضو، بما يسهم فى بناء كوادر قادرة على التعبير عن المواطنين ونقل مطالبهم واحتياجاتهم إلى الجهات المعنية.
ثقة الشارع
والتقط أطراف الحديث النائب ناجى الشهابي، رئيس حزب الجيل الديمقراطى وعضو مجلس الشيوخ، موضحًا أن قانون الإدارة المحلية الجديد يمثل استحقاقًا تشريعيًا مهمًا طال انتظاره، وأن أهميته الحقيقية لا تكمن فى مجرد إصداره، وإنما فى قدرته على إحداث نقلة نوعية فى مستوى الخدمات، وتوسيع المشاركة الشعبية، وتحقيق تنمية متوازنة بين المحافظات والمدن والقرى.
وقال الشهابى فى حديثه لـ«الوفد»، إن أبرز التحديات التى يجب أن يعالجها القانون تتمثل فى المركزية، وتداخل الاختصاصات بين الجهات التنفيذية، وضعف الموارد والإمكانات فى بعض الوحدات المحلية، فضلًا عن غياب المجالس الشعبية المحلية المنتخبة منذ عام 2011، وهو ما حرم المواطنين من وجود مجالس تمثلهم وتراقب أداء الأجهزة التنفيذية وتشارك فى تحديد أولويات التنمية المحلية.
وأضاف أن القانون يجب أن يعيد للمجالس المحلية المنتخبة دورها الرقابى الفعّال، وأن يتيح لها متابعة الخطط والموازنات والمشروعات المحلية، ومساءلة المسئولين فى حدود اختصاصاتها القانونية، إلى جانب تطوير الخدمات رقميًا، وتيسير إجراءات المواطنين، وإعلان مؤشرات واضحة لقياس الأداء، حتى تصبح الاستجابة للشكاوى وتحسين الخدمات التزامًا قابلًا للمتابعة والمحاسبة، لا مجرد وعود.
وأكد الشهابى أن المواطن لا يحكم على نجاح التشريعات بالكلمات، وإنما بما يلمسه فى حياته اليومية؛ من نظافة الشوارع، وجودة الطرق، وتوافر المرافق، وسرعة إنجاز الخدمات، وعدالة توزيع الاستثمارات بين المناطق. ومن هنا، فإن استعادة الثقة فى المحليات تبدأ بالشفافية، والاستجابة الجادة لمشكلات المواطنين، وربط المسئولية بالمحاسبة.
وأشار إلى ضرورة أن يراعى القانون الضمانات الدستورية الواردة فى المادة 180، وأن يحقق تمثيلًا حقيقيًا لمختلف فئات المجتمع، مع حسم العلاقة بين اختصاصات الأجهزة التنفيذية والمجالس المنتخبة بصورة تمنع تضارب المسئوليات أو تعطيل مصالح المواطنين.
واختتم الشهابى حديثه بالتأكيد أن قانون الإدارة المحلية الناجح هو الذى ينقل المواطن من موقع المتلقى للخدمة إلى موقع الشريك فى تحديد الأولويات ومراقبة الأداء ومساءلة المسئولين، ويجعل المحليات أداة حقيقية لتحقيق التنمية والعدالة وتحسين حياة الناس، ويعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة.