أصوات الداخل الفلسطينى تكتب فصلًا جديدًا للتاريخ
«زلزال الكنيست».. «الحصان الأسود العربى» يبعثر أوراق نتنياهو وآيزنكوت
فى مشهد سياسى هو الأشد تعقيدًا والأكثر حبسًا للأنفاس منذ عقود، توجه الناخبون الإسرائيليون، أمس، إلى صناديق الاقتراع فى انتخابات الكنيست الـ26، وهى الأولى التى تجرى فى موعدها القانونى دون تبكير منذ عام 1988.
وتأتى هذه الانتخابات فى ظروف استثنائية بالغة الحساسية، مسبوقة بثلاث سنوات من الحروب متعددة الجبهات وتصعيد غير مسبوق، لتضع المستقبل السياسى والقضائى لرئيس وزراء الاحتلال الحالى زعيم حزب الليكود بنيامين نتنياهو على المحك فى مواجهة شرسة أمام معسكر المعارضة بقيادة جادى آيزنكوت.
وبينما تتجه الأنظار نحو صراع المعسكرين الكبيرين والعجز المتوقع فى ميزان المقاعد المؤهلة لتشكيل الحكومة (61 مقعدًا)، برزت «القائمة العربية المشتركة» كالحصان الأسود غير القابل للتجاوز فى هذه المعركة. ورغم محاولات الترهيب وحملات الاستفزاز المكثفة من مراقبى اليمين المتطرف والنقص المريب فى أوراق الاقتراع العربية فى مدن كحيفا والناصرة وباقة الغربية، سجلت البلدات العربية إقبالًا لافتًا ومبشرًا منذ ساعات الصباح الأولى. هذا الوعى الانتخابى المتصاعد والتوافد المشجع للمواطنين العرب حوّل أصوات فلسطينيى الداخل من رقم هامشى إلى «بيضة القبان» القادرة على قلب الطاولة وإسقاط ائتلاف اليمين الفاشى، وإعادة رسم الخريطة السياسية بالكامل ليصبح الصوت العربى اليوم هو الأداة الأكثر تأثيرًا فى تحديد هوية الحكومة المقبلة.
وخرج نتنياهو برسالته المعتادة فى الانتخابات بمنع إقامة الدولة الفلسطينية فى محاولة للدفع بأكبر عدد من مصوتيه وقال: «معاقل اليسار والعرب يتدفقون للصناديق بينما معاقل اليمين غير مبالية».
وبحسب لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية، فإنه يحق لنحو 7 ملايين و331 ألفًا و981 ناخبًا الإدلاء بأصواتهم فى هذه الانتخابات، موزعين على 12 ألفًا و18 صندوق اقتراع، بينما تتنافس 37 قائمة على 120 مقعدًا فى الـ«كنيست»، وسط تقديرات بأن تتمكن 13 قائمة فقط من تجاوز نسبة الحسم.
ونشرت الشرطة الإسرائيلية 20 ألف عنصر من قوات الأمن والشرطة بصورة علنية وسرية فى مراكز التصويت والمناطق المحيطة بها، وسط رفع مستوى التأهب تحسبًا لأى طارئ.
وبحسب صحيفة يديعوت أحرونوت، فقد شهدت الحملة الانتخابية السابقة نسبة مشاركة بلغت حوالى 70%، بينما تشير التقديرات إلى أن نسبة المشاركة فى الحملة الحالية ستصل إلى حوالى 75%. وكلما ارتفعت نسبة المشاركة، ارتفع الحد الأدنى المطلوب للفوز وفقًا لنظام الفرز، ما يصعّب على الأحزاب الصغيرة تجاوزه.
وبدأ رئيس حزب «شاس» إربيه رعى حملة استنفار انتخابية، قائلًا: «هناك توقعات بنسب تصويت مرتفعة جدًا فى معاقل اليسار وفى المجتمع العربى، وعشرات الآلاف وصلوا من الخارج للإدلاء بأصواتهم».
وشهدت البلدات العربية بالداخل الفلسطينى المحتل إقبالًا لافتًا على صناديق الاقتراع مع انطلاق التصويت للانتخابات، بالتزامن مع حضور مكثف لمراقبين يهود، بينهم ممثلون عن أحزاب اليمين المتطرف.
وتأخر افتتاح بعض صناديق الاقتراع لأسباب وصفت بالبيروقراطية، فيما دعا نشطاء من القائمة المشتركة والقائمة الموحدة الناخبين العرب إلى الإدلاء بأصواتهم فى ساعات الصباح، تفاديًا للازدحام المتوقع خلال ساعات ما بعد الظهر والمساء.
وترافق وجود المراقبين مع مخاوف من ترهيب الناخبين العرب، لا سيما فى ظل تقارير عن وجود مراقبين وممثلين لأحزاب يحملون أسلحة داخل مراكز الاقتراع.
وطالب مركز عدالة الحقوقى، لجنة الانتخابات الإسرائيلية بمعالجة النقص فى أوراق الاقتراع باللغة العربية فى عدد من مراكز الاقتراع، وذلك عقب تلقيه بلاغات من ناخبين ومراقبين منذ فتح الصناديق.
وأكد المركز أن عدم توافر أوراق الاقتراع باللغة العربية يمس بحق العرب فى ممارسة حقهم الانتخابى على قدم المساواة، مشددًا على أن إتاحتها باللغة الأم لمئات الآلاف من الناخبين تشكل شرطًا أساسيًا لضمان انتخابات عادلة ونزيهة.
وأدلى رئيس القائمة المشتركة يوسف جبارين، بصوته فى انتخابات الـ«كنيست»، وقال: «متفائلون، وبيدنا الحسم والتغيير، وابتداء من الغد، حكومة نتنياهو وبن غفير وسموتريتش إلى مزبلة التاريخ».
وأكدت القائمة العربية المشتركة، أن الإقبال على التصويت فى انتخابات الكنيست لدى فلسطينى الداخل مشجّع حتى هذه الساعة، وأشارت إلى أن لديها مؤشرات واضحة على نسب تصويت مرتفعة بشكل ملحوظ.
ودعت «القائمة العربية المشتركة» فى بيان إلى مواصلة التوافد على صناديق الاقتراع، والحفاظ على هذا المنحى التصاعدى حتى إغلاق الصناديق.
وأشارت إلى أن نشطاءها نجحوا بمنع العديد من محاولات عرقلة الانتخابات، داعيةً الجمهور العربى إلى التمسك بحقه بالتصويت والانتظار فى مراكز الاقتراع وعدم الانجرار لأى محاولة استفزازية مهما كانت الظروف.
وشددت: «كل صوت مهم، وكل صوت مؤثر والتراخى ممنوع فالارتفاع بالتصويت ليس فقط فى المجتمع العربى إنما بشكل عام، وبخاصة بين جمهور المستوطنين وفى معاقل اليمين الفاشي».
وقالت القائمة العربية، إن كل صوت للقائمة يساهم فى إسقاط حكومة نتنياهو وتسجيل إنجاز تاريخى.
وتكتسب هذه الانتخابات صفة «المصيرية» لمستقبل نتنياهو السياسى والقضائى - فى ظل محاكمته بتهم الفساد وملاحقته أمام المحكمة الجنائية الدولية- وسط توقعات باستمرار أزمة تشكيل الائتلافات الحكومية وعجز أى من المعسكرين عن بلوغ الأغلبية المطلقة بمفرده.
وتنشر نتائج العينات التليفزيونية فور إغلاق صناديق الاقتراع، بينما تبدأ النتائج الأولية بالظهور اليوم على أن يتم نشر النتائج الرسمية النهائية يوم 4 نوفمبر المقبل.
