كلمات
حرب على 9 جبهات
بموافقة مجلس النواب على إرسال قوات مصرية إلى السعودية، صارت مصر تحارب على 9 جبهات فى وقت واحد، وهو ما لم تشهده البلاد على مدى تاريخها كله، فحدود مصر الأربعة جبهات مشتعلة.. فى الجنوب صراع محتدم مع عصابات التنقيب غير المشروع عن الذهب «الدهابة»، ومع من يقفون خلف مخططات تقسيم السودان وإفقار شعبه الشقيق، وهو العمق الاستراتيجى المصرى.
وخلف حدودنا الغربية تتمركز فى ليبيا فلول التنظيمات الإرهابية وشبكات الإخوان، التى تتربص بمصر، وحدودنا الشمالية تشهد حاليا توترات متصاعدة، لا سيما بعد توقيع البرلمان الليبى على اتفاقية بحرية مع تركيا، وهى اتفاقية مجحفة رفضتها القاهرة رفضا قاطعا حاسما، لأنها تمس حقوق مصر السيادية فى منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القارى، وخلف حدودنا الشرقية نار أخرى أكثر ضراوة.. نار يشعلها عدوان إسرائيلى غاشم على قطاع غزة، ويسعه بشكل ممنهج لتهجير الفلسطينيين وتصفية القضية.
البحر الأحمر أيضا جبهة مشتعلة باضطرابات ملاحة وتصعيد خطير بسبب الحوثيين ومؤمرات إسرائيل فى القرن الإفريقى.
وبطول نهر النيل تخوض مصر معركة فى مواجهة أخبث مؤامرة تاريخية تستهدف شريان الحياة الأبدى للمصريين.
كما تخوض مصر حربا اقتصادية حقيقية فى مواجهة تراجع سعر صرف الجنيه والفجوة التجارية الكبيرة، خاصة بعدما بلغ العجز بين الصادرات والواردات حوالى 48.1 مليار دولار خلال الشهور الثمانية الأولى فقط من العام الجارى، وحوالى 64.8 مليار دولار خلال العام المالى السابق.
وهناك معركة أخرى تخوضها مصر على جبهة التنمية وبناء دولة حديثة قوية، وليت الأمر توقف عند هذا الحد من الخطورة وهذا الكم من المخاطر، فكل هذه المواجهات تخوضها مصر فى ظل ظروف استثنائية لكونها حروبا فى عصر وسائل التواصل الاجتماعى، وهو زمن تحولت فيه وسائل التواصل الاجتماعى نفسها إلى ميدان معركة حيث لم يعد الهدف احتلال الأرض بل احتلال العقول وتوجيه الرأى العام.
وهو زمن توظف فيه أجهزة المخابرات تقنيات الذكاء الاصطناعى والذباب الإلكترونى لبث فيديوهات وتصريحات مفبركة لإثارة الرعب والبلبلة، والثابت عالميا أن روسيا تتربع على عرش حروب السوشيال ميديا، تليها إسرائيل التى تتفوق فى تكنولوجيا التحكم بالخوارزميات وفرض القيود على المحتوى فتمرر ما تريد وتروج لانتشاره بينما تحجب ما تريد حجبه!
وشهدت الفترة الأخيره بث جماعة الحوثيين لفيديوهات مفبركة على «تيك توك» و«إكس» لإيهام الشارع بوقوع خسائر عسكرية فى عملياتها العسكرية سواء فى السعودية أو البحر الأحمر.
وأمام هذا الطوق من الجبهات المشتعلة بالنار، يصبح وعى المواطن المصرى ويقظته هو درع الوطن الأخيرة؛ فالخطأ فى زمن الحرب خطيئة، والخطيئة خيانة، ومن يتهاون فى أمن وطنه لا يستحق شرف الانتماء إليه.
وإذا كان البعض يرفض خروج الجيش المصرى لمهام خارج الحدود، فعلى هؤلاء مطالعة التاريخ العسكرى المصري؛ فعقيدة مصر العسكرية لم تكن يومًا حبيسة حدودها، بل استندت دومًا لمفهوم «الأمن القومى الممتد»، ففى مصر القديمة خاض الجيش المصرى معاركتى مجدو (بقيادة تحتمس الثالث) وقادش (بقيادة رمسيس الثاني) فى الشام وسوريا، وفى العصر الإسلامى: خاض الجيش المصرى معركتى حطين (بقيادة صلاح الدين الايوبى) وعين جالوت (بقيادة قطز) لحماية العالم الإسلامى.
وفى عصر الدولة الحديثة، توجهت حملات محمد على باشا إلى الحجاز، والسودان، واليونان، والشام، وصولًا إلى مشاركات فى حرب القرم ضد روسيا وضد الثورة فى المكسيك.
وفى القرن العشرين خاض الجيش المصرى حروبا فى فلسطين (1948)، وفى اليمن (1962-1967)، وفى تحرير الكويت (1991).
وهكذا فإن خروج الجيش المصرى للدفاع عن السعودية الدولة الصديقة والحليف العربى الكبير ليس سابقةـ وإنما هو جزء من العقلية الإستراتيجية المصرية كما أنه واجب عربى، وضرورة حتمية لحماية الأمن القومى المصرى، وفرض عين دينى بنص قوله تعالى «وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما».
وإذا كانت حرب أكتوبر المجيدة قد مرت أيامها دون تسجيل جريمة جنائية واحدة فى مصر، لأن الوعى كان قاطعًا وحادًا، فاليوم، تقتضى الضرورة الوطنية استعادة تلك الروح، والوقوف صفًا واحدًا خلف رئيس مصر وجيش مصر، ففى زمن الأزمات يجب أن يكون الكل فى واحد خلف الدولة، ويجب أن يثبت كل مصرى أن حب الوطن ليس مجرد شعار، بل هو يقظة دائمة وحرص مطلق يمنع الأعداء من اتخاذنا جسرًا لهدم استقرار وطننا مصر المحروسة وكنانة الله فى أرضه.