تقييمات أسبوعية وامتحانات شهرية:
تلاميذ أولى ابتدائى فى «مطحنة التطوير»
كثرة الاختبارات تضيف أعباء على الأسرة والمعلم والطفل
خبراء: المعلم مشغول بالتقييمات ولا وقت للشرح.. وتطوير المناهج وطرق التدريس أهم
رئيس اتحاد أولياء الأمور: لا بد من تقييم الطفل دون تحويل الدراسة إلى عبء
د. حسن شحاتة: التقييمات إنذار مبكر لاكتشاف ضعف التحصيل
تسعى وزارة التربية والتعليم إلى تطوير المنظومة التعليمية بمناهج جديدة تهدف للارتقاء بمستوى التحصيل الدراسى لدى التلاميذ، ولكن على أرض الواقع فالأمر مختلف تمامًا، حيث تتصاعد شكاوى أولياء الأمور من كثافة المناهج وتعدد التقييمات والامتحانات المفروضة على تلاميذ الصف الأول الابتدائى، الذين لا تتجاوز أعمار معظمهم السادسة، وبين مطالب بضرورة تأسيس الأطفال تعليميًا منذ سنواتهم الأولى، ومخاوف من تحميلهم أعباء تفوق قدراتهم العمرية والنفسية، يبرز تساؤل حول مدى ملاءمة نظام التقييم الحالى لطبيعة هذه المرحلة، وما إذا كانت كثرة الاختبارات تحقق بالفعل أهداف التطوير أم تحول تجربة التعلم الأولى إلى مصدر للضغط والقلق، فيما يرى الخبراء أن التطوير الحقيقى يتطلب تخطيطًا علميًا للمناهج وطرق التدريس ليس فقط أنظمة وامتحانات وتقييم
ولا يعارض أولياء الأمور والخبراء التطوير الحقيقى للتعليم، بل يطالبون بمنظومة تضمن حصول أبنائهم على تعليم جيد، بدلًا من الاكتفاء بالحصول على الشهادات دون امتلاك المهارات والابتكار، مؤكدين أهمية إعادة الانضباط إلى المدارس، وتحسين مستوى القراءة والكتابة لدى التلاميذ، إلى جانب العمل على الحد من أزمة الدروس الخصوصية التى تثقل كاهل الأسر المصرية.
شكاوى
وبحسب شكاوى أولياء الأمور، فإن ما يلمسونه على أرض الواقع لا يعكس أبدًا أى تطوير، إذ يشعرون بأن التطوير أصبح مرتبطًا بمزيد من الواجبات والتقييمات والامتحانات، دون مراعاة كافية لسن الأطفال واحتياجاتهم وتجد كثيرًا من الأسر أنفسهم أمام مسئولية متابعة المناهج وحل الواجبات والاستعداد للاختبارات المتكررة، وهو ما يثير مخاوف من أن تتحول السنوات الأولى من التعليم إلى سباق للتحصيل والدرجات، بدلًا من أن تكون مرحلة لتأسيس وتعليم الطفل.
وتقول أم ياسين إحدى وليات الأمور إن المناهج أصبحت ثقيلة للغاية على طفل فى الصف الأول الابتدائى، «أنا مش ضد إن ابنى يتعلم كويس، لكن مش كده، وكمان الامتحانات صعبة قوي».
وتضيف أن اعتراضها لا يتعلق بأهمية التعليم، أو ضرورة إتقان الطفل مهارات القراءة والكتابة، وإنما بحجم الأعباء المفروضة عليه فى هذا السن، إذ ترى أن الطفل يحتاج إلى أسلوب تدريجى فى التعلم يتناسب مع قدراته، بدلًا من تعريضه لضغوط قد تجعله ينفر من الدراسة.
كما أعربت إيمان على أم لطفلين توأم فى الصف الأول الابتدائى عن قلقها من صعوبة المناهج وكثرة متطلبات الدراسة وطالبت وزارة التعليم بمراجعة المقررات الدراسية وإعادة النظر فى طبيعة الامتحانات المقررة على هذه المرحلة.
وتعكس هذه الشكاوى جانبًا من حالة الجدل حول كيفية تحقيق التوازن بين ضرورة رفع المستوى التربوى والتعليمى للتلاميذ وضمان إتقانهم للمهارات الأساسية ورفع قدرتهم على التفكير والابتكار، وبين مراعاة احتياجاتهم النفسية والعمرية، خاصة أن الصف الأول الابتدائى يمثل نقطة بداية تتشكل خلالها علاقة الطفل بالمدرسة والتعلم.
تدريب الأطفال
التقت «الوفد» الأستاذة قمر على، معلمة اللغة العربية، وقالت إنه بالنسبة لإجراء الامتحانات لتلاميذ الصف الأول الابتدائى يمكن أن يكون مناسبًا خلال الفصل الدراسى الأول، باعتبارها وسيلة لتدريب الأطفال على نظام الامتحانات وتعويدهم عليه تدريجيًا، خاصة فى بداية انتقالهم إلى المرحلة الابتدائية.
وأوضحت أن طبيعة المنهج فى الفصل الدراسى الأول تركز على المهارات الأساسية، مثل التعرف على الحروف وحركاتها، والتوصيل، والتدريب على المدود والفتح والكسر والضم، وهى مهارات تمثل قاعدة مهمة لتعلم القراءة والكتابة، ومن ثم، فإن تعويد الطفل على أداء الاختبارات خلال هذه المرحلة قد يساعده على فهم طبيعة الامتحان والتعامل معه دون ارتباك، ما دام ذلك يتم بصورة تتناسب مع عمره وقدراته.
وأشارت إلى أن الأمر يصبح أكثر صعوبة مع الانتقال إلى الفصل الدراسى الثانى، إذ تتعدد الموضوعات المطلوبة من التلاميذ، ولا تقتصر على مهارات القراءة والكتابة الأولية، بل تمتد إلى مجموعة من القواعد والمهارات اللغوية التى تحتاج إلى تدريب مستمر ووقت كاف حتى يتمكن الطفل من استيعابها.
وتوضح أن المقرر يتضمن موضوعات مثل حفظ المعانى، والجمع والمفرد والمضاد، واستخراج المدود بالألف والياء والواو وتحديد الحرف الممدود، إلى جانب التمييز بين اللام الشمسية واللام القمرية، والتعرف على الضمائر وأسماء الإشارة والتنوين، والتحويل بين المفرد والجمع، والتمييز بين الاسم والفعل، وتحليل الكلمات التى تحتوى على الشدة.
وترى معلمة اللغة العربية أن تعدد هذه الموضوعات يتطلب منح الأطفال الوقت الكافى لفهمها والتدرب عليها، بدلًا من الانتقال سريعًا من مهارة إلى أخرى دون التأكد من إتقانها.
واقترحت، توزيع عملية التعلم تدريجيًا لتدريب الأطفال على بعض المهارات الأساسية، بما يساعد على تخفيف كثافة المقرر فى الفصل الدراسى الثانى.
وتؤكد أن الهدف ليس تقليل مستوى التعليم أو إعفاء الطفل من التعلم، وإنما تنظيم المقررات بما يضمن استيعابها بصورة جيدة، خاصة أن تأسيس الطفل فى اللغة العربية يحتاج إلى التكرار والتدريب المستمر، وليس مجرد الانتهاء من الموضوعات المقررة خلال فترة زمنية محددة.
جدل
من جانبه قال الدكتور مصطفى كامل، استشارى التدريب والتطوير الدولى والخبير التربوى، إن تطبيق نظام يتضمن اختبارات شهرية وامتحانات للفصلين الدراسيين على تلاميذ الصفوف الأولى، بما فيها الصف الأول الابتدائى، أثار حالة من الجدل بين أولياء الأمور والمعلمين، بسبب ما يضيفه من أعباء إلى العملية التعليمية.
ويوضح أن نظام التقييم بالنسبة لتلاميذ الصف الأول كان يعتمد على التقييمات، بينما يتضمن النظام الجديد اختبارات شهرية وامتحانات للفصلين الدراسيين، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى ملاءمة هذا التوسع فى الاختبارات لطبيعة المرحلة العمرية التى يبدأ فيها الطفل تعلم المهارات الأساسية.
وأشار كامل إلى أن كثرة التقييمات، إلى جانب الواجبات اليومية والأسبوعية، قد تشكل تحديًا كبيرًا للأطفال الذين لا يزالون فى مرحلة اكتساب مهارات القراءة والكتابة، مؤكدًا أن تحميلهم متطلبات متكررة فى هذه السن يحتاج إلى مراجعة تربوية تضمن عدم تحول التقييم من وسيلة لمتابعة التعلم إلى عبء إضافى على التلميذ وأسرته، موضحًا أن الأعباء لا تقتصر على الأطفال وحدهم، بل تمتد إلى أولياء الأمور الذين يتحملون مسئولية المتابعة اليومية ومساعدة أبنائهم على إنجاز الواجبات والاستعداد للاختبارات، وهو ما قد يستنزف وقت الأسرة وجهدها، على حساب الأنشطة الأخرى التى يحتاج إليها الطفل لنموه الاجتماعى والنفسى.
ويطالب الخبير التربوى بإعادة النظر فى نظام الامتحانات والاختبارات الشهرية المطبق على الصفوف الأولى، بما يحقق التوازن بين متابعة المستوى الدراسى ومراعاة طبيعة الأطفال فى هذه المرحلة، مشيرًا إلى إمكانية الاعتماد على وسائل تقييم أكثر تنوعًا وملاءمة لأعمارهم.
كما يرى أن النظام الجديد قد يؤثر فى أداء المعلم داخل الفصل، إذ إن كثرة المتطلبات المرتبطة بالتقييمات والامتحانات قد تقلل الوقت المتاح لشرح الدروس وتنفيذ الأنشطة التعليمية المصاحبة، وهى عناصر أساسية فى بناء مهارات التلاميذ، خصوصًا فى السنوات الأولى.
ويؤكد كامل أن تطوير التعليم لا ينبغى أن يقتصر على تغيير أنظمة الامتحانات أو زيادة أدوات قياس التحصيل، وإنما يتطلب تخطيطًا علميًا للمناهج وطرق التدريس والتقييم، بمشاركة الخبراء والمعلمين وأولياء الأمور والجهات المعنية.
وفى هذا الإطار، يشير إلى أهمية الاستفادة من منتدى مصر 2030 بوصفه فرصة لطرح رؤى وأفكار تسهم فى رسم خريطة لتطوير المناهج والتقييمات على أسس علمية ومنظمة، بما يساعد على بناء تصور أكثر تكاملًا لمستقبل التعليم فى مصر.

تأسيس الطفل
وترى داليا الحزاوى، الخبيرة التربوية ومؤسسة ائتلاف أولياء أمور مصر، أن الصف الأول الابتدائى يمثل مرحلة مهمة فى تأسيس الطفل، إذ تتشكل خلالها المهارات التى سيعتمد عليها فى المراحل الدراسية التالية، لكن كثرة التقييمات والامتحانات الشهرية قد تضعه تحت ضغط مبكر، وتجعله يشعر بأن الدراسة عبء بدلًا من أن تكون تجربة محببة تشجعه على التعلم.
وتوضح الحزاوى أن التقييم فى حد ذاته ضرورة تربوية، لأنه يساعد على التعرف على مستوى التلميذ وتحديد نقاط القوة والضعف لديه، لكن المشكلة تكمن فى طريقة تطبيقه وحجم الأعباء المصاحبة له، ومن هنا، ترى أهمية تقنين التقييمات الأسبوعية، بحيث يكون هدفها الأساسى متابعة تقدم الطفل والكشف عن الصعوبات التى تواجهه والعمل على علاجها، لا زيادة الواجبات والمتطلبات المفروضة عليه.
وأشارت إلى أن الطفل يحتاج إلى وقت كافٍ للعب وممارسة الهوايات والأنشطة المختلفة التى تسهم فى تنمية مهاراته وبناء شخصيته، معتبرة أن هذه الجوانب لا تقل أهمية عن التحصيل الدراسى، خاصة فى السنوات الأولى من العمر.
وشددت رئيس اتحاد أولياء الأمور على ضرورة عدم العودة إلى نظام انتقال التلاميذ من صف إلى آخر دون التأكد من إتقانهم المهارات الأساسية، موضحة أن تخفيف الضغط لا يعنى التساهل فى مستوى التحصيل أو تجاهل أوجه القصور لدى التلاميذ.
وأكدت أن التقييم يمكن أن يتم بوسائل متنوعة، من بينها ملاحظة أداء الطفل داخل الفصل، ومتابعة مشاركته فى الأنشطة، وقياس قدرته على تطبيق ما تعلمه، بدلًا من الاعتماد بصورة أساسية على الامتحانات والتقييمات المتكررة.
وشبهت الحزاوى التعليم بعملية بناء متكاملة، تضع فيها كل سنة دراسية أساسًا للسنة التى تليها، ولذلك يجب التأكد من أن الطفل أتقن مهارات القراءة والكتابة والحساب قبل الانتقال إلى مستويات أكثر تقدمًا، حتى لا تتراكم الصعوبات التعليمية ويجد نفسه عاجزًا عن مواكبة المناهج فى السنوات التالية.
واختتمت الخبيرة التربوية حديثها بالتأكيد أن المطلوب هو تحقيق التوازن بين الاهتمام بالمستوى الدراسى ومراعاة احتياجات الطفل النفسية والعمرية، بما يضمن اكتسابه المهارات الأساسية دون أن يفقد حماسه للمدرسة أو يشعر بأن التعليم مصدر دائم للقلق والضغط.
ضرورة للمتابعة
فى المقابل، يؤكد الدكتور حسن شحاتة، أستاذ المناهج وطرق التدريس بكلية التربية عين شمس على أهمية التقييمات الأسبوعية باعتبارها إحدى وسائل متابعة مستوى التلاميذ بصورة مستمرة، وعدم الانتظار حتى نهاية العام الدراسى لاكتشاف أوجه القصور فى تحصيلهم.
ويوضح شحاتة أن التقييمات التى يجريها المعلم أسبوعيًا تهدف إلى تكوين صورة عن مستوى التلميذ، من خلال متابعة الحضور والمشاركة داخل الفصل، وأداء الأنشطة التعليمية، وإنجاز الواجبات المنزلية، بما يساعد على رصد مدى تقدمه فى التعلم.
ويرى أن أهمية هذه التقييمات ترتبط بالحاجة إلى التأكد من اكتساب التلاميذ المهارات الأساسية فى كل مرحلة دراسية، موضحًا أن الانتقال من صف إلى آخر دون امتحانات أو متابعة كافية قد يؤدى إلى تراكم أوجه الضعف، ثم ظهورها بصورة أكثر وضوحًا فى الصفوف المتقدمة.
ويشير إلى أن وصول بعض التلاميذ إلى الصف السادس الابتدائى دون إتقان القراءة والكتابة يمثل مؤشرًا على خطورة عدم اكتشاف المشكلات التعليمية فى وقت مبكر، مؤكدًا أن التقييمات يمكن أن تؤدى دور الإنذار المبكر الذى ينبه المعلم والأسرة إلى وجود قصور يستلزم التدخل والعلاج.
وأضاف أن اكتشاف نقاط الضعف منذ الصف الأول الابتدائى يتيح وضع خطط مناسبة لمساعدة كل تلميذ وفقًا لاحتياجاته، بدلًا من ترك المشكلات تتفاقم حتى تصبح أكثر صعوبة فى المراحل التالية.

واعتبر الخبير التربوى أن التقييمات ليست عبئًا فى حد ذاتها، وإنما تتحدد قيمتها وفقًا لطريقة استخدامها ومدى ارتباطها بتحسين مستوى التعلم.
ولفت شحاتة إلى أن الاعتماد على التقييم المستمر ليس اتجاهًا جديدًا فى التعليم، بل يُستخدم فى عدد من الدول المتقدمة تعليميًا، بهدف متابعة تقدم التلاميذ بصورة دورية والتدخل عند الحاجة، بدلًا من الاقتصار على قياس التحصيل من خلال امتحان نهائى.