بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

بين العقل والجنون

لم يرع انتباهى نعت أحدهم لى بالجنون، فكثير من الأقوال والأفعال والأحداث نَصِفها تلقائيًا بالجنون، مجرد كلمة عابرة يصرخ بها بائع خضار متجول: «مجنونة يا قوطة»، ويطلقها خبير اقتصادى على ارتفاع سعر الدولار، أو محلل سياسى توصيفًا لمشاهد الحروب، لكن ما يلفت الانتباه حقًا هو ذلك الخيط الرفيع بين العقل والجنون، هذا الحد الذى لا يمكن تحديده أو تفسيره، فيجعل العقلاء يأتون أفعالًا تدل على جنون واضح غالبًا، ويدفع عددًا من المجاذيب إلى التصرف بذكاء أحيانًا.
فى كتابه «بين العقل والجنون، 1937» يروى الدكتور محمد حسنى ولاية، حكايات من مستشفى العباسية، حيث كان طبيبًا فيه، فيقول حدث ذات مرة أن تآمر فريق من المجاذيب على الفِرار من الطابق الثانى فى بناء المستشفى، فعمدوا إلى ربط «بطانيات» أسِرَتهم بعضها ببعض ربطًا محكمًا، ثم أوثقوا بأحد طرفيها بأحد أعمدة الأسِرة، وأدلوا بالطرف الآخر من النافذة إلى الأرض، وهبطوا عليها واحدًا تلو الآخر، ومن أعجب ما شاهده الدكتور«ولاية»، تشبث أحد المجانين برفض تناول الطعام، لا لسبب سوى أنه يعلم أن الأطباء يتأففون من عملية تغذية المرضى صناعيًا بواسطة اللّى المَعِدى، فهو يضرب عن الطعام لأنه يشعر بلذة كبيرة بإرهاق الأطباء وحملهم على الانتقال إليه وتغذيته صناعيًا!
ربما لا نرى هذا الحد الفاصل بين العقل والجنون فى أفعال من يحيط بنا أو ما يدور حولنا، ولكننا قطعًا نشعر به؛ فالخطورة ليست مثلًا فى شخص مصاب بالهلوسة أو المالاخوليا أو الوسواس والهلاوس، أو غيرها من الأمراض العقلية والنفسية؛ طالما أمكن التعامل معه وتم إيداعه فى المكان المناسب لتلقى العلاج، الخطر الحقيقى فيمن يدَّعون العقل وهم مصابون بأحد مشتقات الجنون، مثل البارانويا «جنون العظمة»، فهذا المريض يستحوذ عليه شعور بالعظمة والجاه الممزوج بالألم الناتج عن الاعتقاد بأن شخصًا أو فئة من الناس يتآمرون عليه لسلبه هذا الجاه، وينشأ عن عدم احترام الناس له، الاحترام الذى يناسب مقامه الموهوم، حقدًا عليهم؛ فينفر منهم، وربما أدى ذلك إلى التخلص منهم.
ومن هؤلاء المصابون بالبارانويا من يعتقد أنه ملك عظيم، أو أنه رسول مبعوث يهبط عليه الوحى من السماء، أو أنه إله الحب تخطب العذارى وده، ويضرب لنا الدكتور «ولاية» مثالًا بمريضة فى مستشفى العباسية يُخيل إليها أنها ملكة، فكانت تميل إلى العزلة وتتحاشى الاختلاط برعاياها، وتتوخى الجلوس فى مكان لائق بجلالتها!، وقامت تلك السيدة بصنع ثوبًا وتاجًا جميلًا من خيوط «بطانيات» المرضى!
لقد أذابت مجريات الأحداث حولنا هذا الحد الفاصل بين العقل والجنون فاختلط علينا الوعى بالهذيان، كما فعل مجتمع القرون الوسطى عندما صنع نمط «المجنون الأجير» بالبلاط الملكى وقصور الإقطاعيين، فكان هذا الأجير بخلاف وظيفة التسلية والضحك يقول ما لا يستطيع أن يقوله سيده لأحد تابعيه وجهًا لوجه، كان يقوله فى نبرة دعابة، ومع نهاية القرن الثامن عشر صارت وظيفة «مجنون البلاط» منصبًا يتهافت عليه الجميع، وترقى بعضهم إلى مرتبة النبلاء!، وتشهد الصور والرسوم والزخارف والنقوش التى تمثل القرون الأخيرة من العصور الوسطى كما جاء فى كتاب «تاريخ الجنون، كلود كيتيل» على إعطاء دور سياسى لمجنون البلاط، فنجد الملك والمجنون يظهران فى هذه الرسوم وجهًا لوجه، يجلس الأول على عرشه لابسًا التاج ممسكًا بالصولجان الملكى فى يده، أما الثانى فيبدو واقفًا غير مرتب الهندام عاريًا أحيانًا ممسكًا هو الآخر بصولجان فى يده «الهرَّاوة»، وهى عصا ينتهى طرفها برأس مهرج مثير للسخرية.
فى النهاية: لا تفوتنا عبرة بهلول المجنون، أحد عقلاء المجانين الذى ذكرهم «أبى القاسم بن حبيب النيسابوري» فى كتابه «عقلاء المجانين»، فروى أن هارون الرشيد طلب من بهلول العظة، فقال: يا أمير المؤمنين فكيف لو أقامك الله بين يديه فسألك عن النقير والفتيل والقطمير؟! فخنقته العبرة، فقال الحاجب: حسبك يا بهلول، قد أوجعت أمير المؤمنين! فقال الرشيد دعه، فقال بهلول إنما أفسده أنت وأضرابك «أى أمثالك وأشباهك».
أخيرًا: تخبرنا تواتر الأحداث التى تحيط بنا، أننا يقينًا نعيش وسط عالم من المجاذيب.
حفظ الله مصر من كل سوء

[email protected]