بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

قضية ورأى

التجربة البرازيلية

فاز «لولا دا سيلفا»، فى جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية، ليضمن ولاية رابعة للبرازيل.
أربع ولايات متفرقة من 2003 ـ 2007، ثم من 2007 ـ 2011، ثم السجن فترة، فالعودة 2022 ـ 2026، فولاية جديدة حتى 2030.
لولا دا سيلفا، ماسح الأحذية، ليس الأول ولن يكون الأخير.. فعلى مر التاريخ، شهد العالم خروج قادة وزعماء كبار من رحم المعاناة ومن أحضان أسر بسيطة تعمل فى حرف يدوية ومهن شاقة.
أبراهام لنكولن، كان ابن نجار وحطاب للأشجار، وبطل المكسيك القومى ورئيسها التاريخي، بينيتو خواريس، عاش يتيمًا رديء الحال يعمل فى رعى الغنم.
أما رئيس وزراء الهند «مودي»، فكان أبوه يملك كشك شاى بسيط فى محطة القطار، وكان يساعده فى البيع للمسافرين.
وهكذا انتقل بائع الشاى الصغير من قيادة كشك إلى جر اقتصاد يتراوح معدل نموه بين 6.5% إلى 7.8% سنويًا.
يكفينا أن نعرف أن الناتج المحلى الإجمالى للهند يتجاوز 4 تريليونات دولار أمريكي، وتأتى فى المرتبة السادسة عالميًا من حيث قوة الاقتصاد.
حتى الباشا مؤسس مصر الحديثة محمد علي، لم يكن ثريًا ولا من طبقة الملوك أو الأمراء، بل كان والده قائدًا لقوة عسكرية إقليمية صغيرة فى مدينة «قولة» بجانب عمله بتجارة الدخان، وتوفى والده ووالدته وهو صغير وتكفّل به حاكم المدينة.
وربما تتميز هذه النماذج، عدا محمد على باشا، بأن معرفتها المباشرة بمرارة الفقر والمعاناة جعلت برامجها السياسية والاقتصادى تركز على «الإنسان» و«تكافؤ الفرص»؛ فلم تكن إصلاحاتها مجرد معادلات رقمية صماء، بل كانت حلولًا واقعية تنبع من فهم عميق لاحتياجات الطبقات العاملة والمهمشة.
قبلهم، وربما لحكمة إلهية، كان الأنبياء يعيشون فى بيئة غير ثرية، وتقلبت بهم الظروف المعيشية، حتى يكونوا أكثر إحساسا بالفقراء.. فموسى النبى عاش فى قصور الفرعون صغيرا، حتى خرج إلى مدين وحيدا خائفا جائعا، طالبا من الله الجبر : «رَبِّ إِنِّى لِمَا أَنْـزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِير».
ونبى الإنسانية محمد، كان يرعى الغنم، وقبله كان أنبياء يعملون فى النجارة والرعى والبناء والحدادة.. فالعمل الشريف هو جوهر البناء الإنساني.
المهم أن قصة صعود الرئيس البرازيلى لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، تعد واحدة من أكثر الملاحم السياسية والإنسانية إلهامًا فى التاريخ الحديث؛ فهى ليست مجرد سيرة ذاتية لزعيم سياسي، بل قصة تحول دولة بأكملها من مقاعد الفقر والتورم الاقتصادى والديون الخانقة، إلى واحدة من كبرى القوى الاقتصادية الناشئة فى العالم.
ولد سيلفا فى ولاية فقيرة شمال شرق البرازيل، فى عائلة معدمة أمضت أيامها فى صراع يومى مع الفقر والجوع. وفى عام 1980، أسس لولا مع مجموعة من النقابيين والمفكرين والناشطين «حزب العمال»، وهو حزب يسارى يعبر عن تطلعات الفئات المهمشة.
وعندما تسلم مقاليد الحكم فى يناير 2003، كان أكثر من 50 مليون برازيلى يعيشون تحت خط الفقر، مع وجود تفاوت طبقى واجتماعى يُعد من الأعلى عالميًا.
الآن الوضع تغير.. كانت نسبة الفقر فى 2003 تتجاوز 44%.. وهى الآن 23 %، وكان الفقر المدقع يطال 20 مليون شخص.. الآن 7.4 مليون شخص فقط رغم الارتفاع الكبير فى عدد السكان.
ربما تستوقفنى مواقف لولا دى سيلفا المناهضة لإسرائيل، واتهامه لها بارتكاب «إبادة» بحق المدنيين الفلسطينيين فى قطاع غزة.. لكن المدهش حقا هو برنامج «بولسا فاميليا» شريان الحياة.
فقد ابتكر لولا واحدًا من أنجح برامج التحويلات النقدية المشروطة فى العالم، ويقوم على تقديم دعم مالى مباشر للأسر الفقيرة مقابل شروط محددة: «إرسال الأطفال إلى المدارس، والالتزام بجدول التطعيمات والرعاية الصحية».
فقط أطفال متعلمون أصحاء.
كانت النتيجة انتشال أكثر من 30 مليون برازيلى من الفقر المدقع، ودخولهم إلى الفئة المتوسطة، مما خلق سوقًا استهلاكيًا محليًا ضخمًا أنعش الاقتصاد الوطني.
أيضا برنامج «سلة الغذاء الصفرية»، الذى سعى عبره إلى القضاء على الجوع عبر توفير الوجبات المدرسية ودعم الزراعة العائلية الصغيرة، وشراء الدولة للمنتجات الزراعية من صغار المزارعين وتوزيعها على الفئات الأكثر احتياجًا.
فقط التعليم وصحة الأطفال، كانا الأساس فى انتشال البرازيل من الفقر، لتقفز 4 مراكز فى قائمة أقوى اقتصادات العالم.