شامخ الشندويلي يكتب: جماليات الذاكرة وتجليات الذات: قراءة نقدية في التجربة الشعرية للشاعرة سلوى محمود
تطل علينا الشاعرة سلوى محمود بصوت محمّل بعبق التاريخ ومرارة الواقع، لترسم ملامح مشروع أدبي ينهل من الذاكرة الحضارية المصرية والإسلامية ويصهرها في بوتقة الذات المجروحة المناضلة. فهى شاعرة لا تستلهم التراث بوصفه حليةً وزينة، بل تتخذه مرآة تكشف عورات الحاضر وأزماته النفسية والاجتماعية. وتجمع قصائدها بين الصلابة الوطنية والشفافية الروحية، وتتخذ من الكلمة حصناً منيعاً في وجه قبح العالم وخواء النفوس المتأمرة، لتكون القصيدة عندها وطناً بديلاً حين توصد الأبواب وتبدو السبل قاحلة، مستندة إلى ثقافة واسعة ورؤية فكرية وعقدية تمنح نصها عمقاً ورسوخاً.
في قصيدة "قالوا فراعنةٌ"، تقدم الشاعرة قراءة واعية ومتبصرة للهوية المصرية، حيث لا تناقض بين الفخر بالحضارة الفرعونية العريقة والإيمان السماوي الخالص والأزهر الشريف. وتتجاوز سلوى الأطر الجغرافية الضيقة والخرائط المصطنعة لتؤكد أن مصر هي قلب الإنسانية النابض بالسماحة والسلام والمحبة للضيف والغريب. تقول :
إذ قال (إني جاعلٌ)
قد كانا
إذ قال (أنبئهم)
رأوْا إنسانا
إن قال عن مصر (اهبطوا)
قد أدركوا
هو وجه مصرَ
يفسِّرُ الإيمانا
وطني هو البلد الحرام،
وما به
مسعى
ولا من كعبةٍ تلقانا
لكن إذا ولَّيتَ وجهَكَ شطرَه
تلقى الأذانَ، يعطِّرُ الآذانا
قالوا سلامًا
كلما مرُّوا
على هذا التراب
محبةً وأمانا
شعبٌ وقامَ
أقامَ صرحَ حضارةٍ
بقيت على طول الزمان
بَيَانا
يا نوحُ، مابال الحمامة
ما رأتْ
في مصرَ غصنًا
يهزمُ الطوفانا؟
قومٌ
بهم منذُ الحياةِ سماحةٌ
إذ أسلموا
قد آمنوا إيمانا
من غيرِ فتحٍ
فتَّحوا أبوابَهم
قالوا السلامُ
إلى السلامِ دعانا
بُنِيَتْ على الإسلامِ
أرضُ سلامةٍ
والأزهرُ الأعلى
رعى البيانا
فهُمُ الجبالُ
وما اعترتْهمْ هزةٌ
والمتْنُ
لن تلقى لهم نُكْرانا
كالماءِ عذبًا
حينَ يَهدِرُ صاخبًا
والخيرَ يمنحُ
إذ تفيضُ سمانا
ورِثوا شموخَ مآذنٍ
وأكفُّهم
في كل كفٍّ
تزرعُ الريْحانَا
قالوا فراعنةٌ
وتلك سِماتُنا
لا حقدَ،
لا طغيانَ، لا أضغانا
قالوا فراعنة
ونبض قلوبنا
خبزٌ
إذا الضيف الكريم أتانَا
لا يحتوينا أطلسٌ
وخريطةٌ
بل نحتوي بقلوبنا الأوطانا
إنَّا منحنا البحرَ دفء عروقِنا
وتراقصتْ أمواجُهُ بغنانَا
وكأن (مينا) ما يزالُ أمامنا
يبني..
يؤسِّسُ..
يرفعُ الأركانَا
من بعدِهِ أبناؤهُ
بمبادئٍ
لم تتخِذْ في الظالمينَ مكانَا
إن قُلْتَ مِصْرِيٌ
يُقَالُ كرامةٌ
ويصيرُ ساعةَ حلمهِ
(عُثمانَا)
هو من رأى شمسًا
فأكملَ ضوءَها
ورأتْهُ نسلَ الطيبين
عِيانا
هو من رأى
بيتَ القصيدةِ شعبَهُ
مِكْيالُهُ
لا يُنْقِصُ الميزانَا
وأنا أراهً اليومَ
حكمةَ عاشقٍ
بالخيرِ مشغولٌ ولا يتوانَا
وأرى بمصرَ الأهلَ دارَ عروبةٍ
وتمدُّ قلبًا بالسلامِ الآنَا
يا مصر، يا وطني
ودارَ كرامتي
سيظلُّ نيلك للورى شِريانَا
هل صرتِ هذا الكونَ وحدَكِ؟
ربَّما!
أقسمتُ صرتِ على الدنى عنوانَا
وهكذا تتألق القصيدة بتناصاتها الدينية والتاريخية العميقة التي تتدرج بسلاسة من آيات القرآن الكريم إلى إشارات نوح ومينا وعثمان، مما يمنح النص بُعداً ملحمياً يتسع لكل أبعاد الوجدان العربي والمصري في آن واحد، بعيداً عن الشعارات الجوفاء بلغة طازجة تنبض بالحياة .
وتمثل قصيدة "صاحبة القطيفة" صرخة نفسية عميقة تتأرجح بين الكبرياء الجريح والإحباط الوجودي. حيث تستدعي الشاعرة موروثات البادية وعنترية البطولة لتسقطها على واقع ثقافي واجتماعي يغتال القصيدة الحقيقية ويستصغر المبدع الحقيقي وسط هتافات الجهل وقهقهات المستهزئين. تقول:
مهلاً أبا أيُّوبَ قد طالَ العَناءْ..
واللحنُ أتْعبَهُ الْغِناءْ..
ضاقت شِعابُ البيدِ بِالنُّوقِ الَّتي
تبغي القصاصَ لحقِّها
مِنْ بَعدِ صبرٍ واحتواءْ..
والشَّمْسُ قد كُسِفَتْ جَوانِحُها أسىً..
والنَّجْمُ قدْ زَهد السَّمَاءْ..
أطلالُ داري
قد أضاعت بينَ عينيَّ الطريقْ..
ما عدتُ أمتَلِكُ الرفيقْ..
والوحدة العمياءُ أمست قِبْلَتي..
والذُلُّ باتَ قَضيَّتي
وحكايتي..
وابيضَّتِ العينانِ قهرًا
مُذْ تهاوى الكبرياءْ..
طال المَدى..
شاخَتْ جيادُ العُمرِ عَدْوًا كُلَّما
صَفَعَتْ بِهَامَتِها الرَّدى..
والروحُ حَنَّت تَبتغي
أَيَّامَ بَوْحٍ هادئٍ
ضاعت سُدى..
قُلْ للمليحاتِ اللواتي
بِتْنَ في حِضن الخواءْ..
الآنَ قد حانَ التباكي بالغِناءْ..
الآن قد حان النحيبْ..
اصْرخْنَ ، فَضلًا ، بالدُّعَاءْ..
*
يا قابِضَ الأرواحِ قد طالَ المزارْ..
الروحُ تُقْعي في انْتِظارْ..
والذَّنبُ واراهُ الثرى..
والعشقُ أَدرَكَهُ العوارْ..
القلبُ أتعَبَهُ التّمنّي حائراً..
والعقلُ أفناهُ الشَّقاءْ..
وضفيرتي السَّوداءُ
أشْعَلَها الذُّبولْ..
ما زِلْتُ ألْتحِفُ الدُّنَى
والبابُ يَنتَظِرُ الرسولْ..
وعيونيَ السَّوداءُ بيَّضَها البكاءْ..
شَقَّتْ خُيوطُ العُمرِ حُمرةَ وجنتي..
قدَّت طيورُ البينِ من دُبُرٍ سُطورَ رسالتي..
والآن تاهت في القفارْ..
*
يا عاذلي..
كيف المَلامُ والاتهامْ؟
واليومَ صَدَّعَني القنوطْ!
وتفتّتَتْ أشلاءُ ظنّي
إذ يهوِّلُهَا السّقوطْ!
وقصيدتي الْعَصماءْ..
باتت -لَعَمرُكَ- في العراءْ..
تُلقَى بجهلِ الجاهلينَ على منابرِ الازْدراءْ..
والكلُّ في نشوى انتصارٍ لم يروا
قَيحَ الحروفِ إذا يسيلُ من الشفاهِ الأعقَمِ..
ما أنصتوا والقهقهاتُ العالية..
تعلو وتعلو والحبيبة راضية..
من ضحكهم مستهزئاً لم أسلمِ ..
وقصيدتي اغتيلت وقد كان المخاضُ
بدمعِ قلبي والدمِ ..
لم يعجبوا
كيفَ الفطيمُ أسنَّ لكنْ لم يَزَلْ
لميوعةٍ لم يُفطَمِ؟
أولى بهم
أنْ يمنعوا تلك الفواطمَ
أن يُدلّلْنَ الرضيعَ بمَبسمِ..
أولى بهم
أن يمنعوه من الخَطابةِ والكرامةِ
يصفعوه على الفمِ ..
*
قُمْ يا كليمَ الشّعرِ وارحلْ
لن تعودْ..
قد بتَّ تستجدي الوعودْ..
من لؤمهم قد أوصدوا أبوابَهم
فاتركْ جدارَ الوهمِ يسقطُ
تحتَه كنزٌ تليدْ..
لا تَحسَبنَّ البيدَ يُزهِرُ وَردُها..
والظبيَ يوماً قَدْ تدلّلُهُ الأُسُودْ..
والحيةَ الرقطاءَ قد تبغي السلامَ بلَدغِها وفحيحِها..
فعبيدُ شُهرتِهم أناخوا في مضاربِ حيِّنا
كم أشعروا!
كم أبحروا!
كم أصدروا
قصصَ البطولةِ في القيامِ وفي القعودْ!
ولاّدةٌ قَطَعَتْ طموحَ أبي الوليدْ..
والقومُ من عَبسٍ أداروا كأسَهمْ
وتعاهدوا في سُكرِهمْ
ألا يكونَ العنترُ المقدامُ كفواً
للأماجدِ - آلِ عبلةَ- في الخلودْ..
رغِمَت أنوفُ الحاقدين من القبيلةِ
فالفتى العبسيُّ نالَ مرادَه ببطولةٍ
والقلبُ حرَّكه الصدودْ..
وبسيفهِ وبشِعرهِ لَمَسَ الأماني السامقاتِ
وضاق بالوصفِ النشيدْ..
لكنَّما
شيبوبُ تعشقُه القيودْ...!
*
اتلُ الشهادةَ يا فؤادي
وارتقبْ منا المَدَدْ..
ما عاد يَفْقدُنا أَحدْ..
علِّقْ حبالَ الموتِ في أعلى السقيفةْ..
واقبعْ بليلتِكَ المخيفةْ..
لم تَدْعُ صاحبةَ القطيفةْ..
إلا بحبلٍ من مَسَدْ.
وهكذا تتسم القصيدة بتدفق عاطفي متوتر يعكس إيقاعاً داخلياً لهاثياً، حيث تتضافر المفردات التراثية مع لغة البوح الكاشف لتصنع مشهداً درامياً قاصفاً يدين قبح البيئة المحيطة وينتصر للروح العالية رغم طوق القيود والخذلان الممتد عبر امتداد الأسماء والرموز.
وفي قصيدة "أخوة يوسف" تتخذ الشاعرة من قصة النبي يوسف عليه السلام مع إخوته قالباً سردياً ورمزياً لتعرية الواقع وخيانة وغدر الرفاق. في هذه القصيدة، لا يقف النص عند حدود الحكاية الدينية، بل ينفتح على جرح ذاتي معاصر ينزف مرارة الخيبة ممن أودعهم الإنسان أطهر أسراره فألقوه في جب النكران ، تقول:
الليل مأوى المتعبين .
والحلم مأوى الخائفين ..
حلمانِ لي
قبل الغواية واحدٌ
في مِفرق الزمنِ الجميلِ
وليس فيه نجومه وكواكبٌ
بل ليس ثمَّةَ والدٌ
ليقول :" لا تقصص حقيقةَ ما رأيتَ
على نفوسٍ ظالمة ..!
فالكيدُ آتٍ لا محالةَ
إن أذعتَ السرَّ في سمع الجميع.."
ما قلتُ سراً يا أبي ..!
هم إخوتي ..
لكنني من طيبتي
أدخلتُهم في قُدسِ أقداسي
وصلينا سويا..
من خيبتي
أعطيتُهم عمري
فأزهرَ في جوانحِهِم شَذيّا..
ألقَوْه في الجبِّ المخيف
وحطموا حُلما بهيّا ..
من ذا سيمنحني أمانا
من نفوسٍ أينعت غدراً
وقد بلغ الأسى في القلبِ منهم منتهاه؟
أرأيتَهم حين القطيعةِ عندما
ضحكوا من الدمعِ الهَصُور
ممزِّقا في مقلتيا.. ؟
لم يرجعوا حتى إليكَ ليخبروكَ
بأن ذئباً جائعاً أنهى الحياة ..
هم أنشبوا أنيابَهم في الحلمِ
إذ سلبوا ردائي
حاملين الحقدَ في أعماقهم يبدو جليا ..
ألقَوْا إلى الجب المقدسِ كلَّ آمالي
وما تركوا سبيلاً للنجاة ..
أبناؤك الأبرارُ ما حفِظوا عهودَكَ يا أبي
لم يحفَظوا حقَّ الفتاة ..
ما زلتُ في جبٍ عميقٍ من قطيعتهم
وقافلةُ العزيزِ تأخرت
وتحجرت كلُّ القلوبِ الغافلة ..
قلبي تعرَّى بعد دفءٍ
والبرودةُ قاتلة ..
قل لي إذن
من أين ألتمس الندى
ونفوسهم
أمست فيافيَ قاحلة !!؟
الحلمُ لي ..
والهجرُ لي ..
والغدرُ بي ممن حسبتُ ظلالَهم سَنَداً قويّا !!
حلمانِ في عمري
وهذا منهما قبل الغواية يا أبي
قد مزقوه وأحرقوه بقسوةٍ
لم يرحموا قلبا فتيّا ..
ها قد أتت بعد انتظارٍ عيرُ تلك القافلة ..
إذ أرسلوا للبئر واردَهم فأدلى دلوَه
فتَعلَّقَتْ بالدلو روحي الذابلة ..
لم تَدرِ روحي أنَّ بعد خروجِها
بيْعاً بسوقِ نِخاسةٍ
سِجناً ، وما من صاحبَيْ سِجنٍ
أقص عليهما ظُلما عتيّا ..
*
الليل مأوى المتعبين من السفر ..
والحلم مأوى الحائرين الخائفين
العائذين من الضجر ..
حلمانِ لي
حلم التحرر يا أبي
حلمٌ عنيد..
خلفي جيوشُ الوهم تطلب هامتي
فِرعَوْنُهم طاغٍ عتيد ..
أعدو ، وما من مهربٍ
ناديتهم : " يا إخوتي
يا أيها الأسباطُ حبا أدركوني
خبئوني عندكم
في حُضنِكم آوي إلى ركنٍ شديد .."
كسروا عصاي وصرتُ وحدي يا أبي ..
ما انشق هذا البحرُ لي
والقلبُ أتعبه دوامُ الركضِ
ما بين المطارات العتيدةِ والعديدةِ
والمدائنِ والمساكنِ
والقلوبِ
وليس منهم يا أبي رجلٌ رشيد ..!!
سرقوا ردائي
ثم باعوا كلَّ أيامي بأسواق العبيد ..
خذلوا فؤادا بات مقهور الأماني والرؤى
وعلى شفا بركانِ بوحٍ قاتلِ القعرِ البعيد..
هل تُنقِذ الأيامُ قلبي
من لظى البوحِ المريد؟
قصرُ العزيز هدمتُه
- [ ]
- [ ] وبنيتُ كوخا رائعا
جدرانه ورقُ الورود ..
سبعٌ عجافٌ قد تمر
ولن أرى أحداً سيأتي يا أبي
كي يغرسَ الأزهارَ لي
في حقل أحلامي المديدْ ..
هم إخوتي
لكنهم زرعوا المرارةَ في فمي
حصدوا تلال الملح من عيني
فأجدبت الأراضي والعيون ..
حصدوا الدموعْ..
وبضاعتي المزجاةُ قد كَسَدت
وما أوفوا لَعمري الكيلَ للقلبِ الحزين ..
قد عشتُ أنتظر المدد..
وما أتى منهم مدد..
فما أتى منهم أحد..
*
يا إخوتي
هذا صواعُ المُلكِ
هيا فاتبعوني ..اذبحوني
أو إذا شئتم برفقٍ أخبروني
كيف أمسى الجبُّ روضا واسعا؟
وقلوبُكم - في ضيقها - سَمَّ الخِياط؟
والسِجنُ قصراً زاهرَ البنيانِ في ذوقٍ رفيع؟
ما زال ذاك القهرُ دوما يستطيع..
أن يجعلَ الولدانَ شِيبا
في مدى الظلمِ الوضيع..
والذئبُ يا عجبي !
علمتُ الذئبَ أرحمَ بالقطيع ..
(يا أيها الأسباطُ خِرُّوا سُجّدا ..
قد صار يوسفُ سيدا ..
وقد اشتراكم .. لن يبيع ..)
وأنا اشتريت ودادكم .. لا
لن أبيع ..
للحبِّ لا للجبِّ ألقوني
سيفرحُ باللقا قلبي الرضيع ..
*
الليل مأوى المتعبين الخائفين الحائرين ..
وأنا تعبتُ -بحق ربي- من قلوبٍ لا تلين..
والآن يوجعني الحنين ..
ما زال يوجعني الحنين ..
وهكذا تبرز قدرة الشاعرة على تطويع السرد القرآني لصالح البوح الشعري المعاصر، مستخدمة تقنية التوازي بين الماضي الميثولوجي والحاضر المعيش، حيث يتحول الجَب إلى خلوة وإلى عرش، وحيث ينتصر الصبر الأخلاقي على لؤم وضحالة الخونة ببراعة تصويرية فائقة.
كما ترتقي قصيدة "ارْجِعْ حُسَيْنُ" إلى ذرى المأساة التاريخية الكبرى، مستحضرة فجيعة كربلاء ومحنة آل البيت لتعكس واقعاً عربياً وإسلامياً تتنازعه الخيانة والتشرذم وضياع بوصلة العدالة. تقول:
حِضنٌ يفرِّقُنا
و يجمعُنا دمُ
والجنتانِ هنا..
هناكَ ..
جهنمُ
حجاجكم حصدَ الرؤوسَ
بظلمه
يابن الجبير
هنا الرثاءُ مُجَرَّمُ
أسماء ..
ماذا في النطاقِ..
أشربةٌ ؟
لابن الزبير ..
تشقق اليوم الفم
يترجل الفِرسانُ إلا فارساً
دمه على البيت الحرامِ ..
يدمدمُ
القائمون على الخيانة كبَّلوا
صوت الأذانِ
لكي يموتَ الصوَّمُ
هندٌ تعرت في مضاربِ حيِّكم
خزياً لكم
أنى ذهبتم
فاسلموا
صبحٌ توضأ مرتين
ولم يزل
نمرودُكم حتى الثمالةِ ينعمُ
فرعونكم طاف الخلودَ وجودُه
وعصاك موسى
لم تعدْ تتزعمُ
بلقيس عافت قهوتي
يا ويلتي
وغدت تكابدُ دمعةً
تترحمُ
أطفالُكُم بين الدماءِ تخضبت
وعلى الفرات
أرى الشيوخَ تتمتم
عذرا بناتِ الياسمينِ
فكلنا بلساننا خَرَسٌ
فلا نتكلم
خلوا النواحَ ..
خذوا بسيفٍ واهنٍ
تفنى به الاشباحُ
كي لا تأثموا
لا تَحْسَبنَّ كِتَابَ غربك صادقاً
فيه الخيانةُ
قد تلوحُ
وتكتُمُ
كيف الركونُ إلى القبيلةِ
بعدما ركنوا إلى الشيطانِ
لن يُسْتَرْحَمُوا
قُلْ يا فرزدقُ
كيف حالُ جيوشِهِم
هل آمن الأعراب..
أم هم أسلموا
إرجعْ حسينُ
فتلكَ يثربُ أفصحتْ
وبها بنُ عباسٍ يقولُ …
يُعَلِّمُ
خانت مواريثُ الصحابةِ
عهدَها…
أضحى السفيهُ
بجمعهم يتقدمُ
ومع القلوبِ سيوفُ جيشٍ
أُكْرِهَت
ما عاد ينفعهم ضيوف ٌ تُكْرَمُ
وكأن …مسلمَ
والدماءُ تناثرت
قرآنهُ
في نحرهِ يتألمُ
عزَّتْ به البطحاءُ حين
يدوسُها
فارجِعْ وكن مِمَّنْ يفوزُ
ويغْنَمُ
ارجعْ…
فلا سبطٌ هناك بمأمنٍ
وهناك تَلقَى المؤمنين تشرذموا
صليتَ بالمستذئبين
بمسجدٍ
رفضوا الوضوء به
ولم يتيمموا
ارجع
فإنِّي ناصحٌ
يا سيدي
كلُّ الاصابعِ في الكفوفِ تخاصموا
قتلوا الرضيعَ بحضنِ زينبَ
لم يروا
أن الرضيعَ بوجههم يتبسمُ
و عمامةٌ
من فوقِ رأسٍ طاهرٍ
وبسيفِ جوشنَ قد علتْهُ
تُلَقَّمُ
تسعى برأس السبطِ
تسعى زينبٌ
تسعى لمصرَ
بها الأمان الأعظم
يا بنت َ بنتِ رسول ربي
إنها حقبٌ من الأهوالِ
إثمٌ
يَعْظُمُ
إني أرى عَرَبَا
بغير عروبةٍ
وأرى الشهيدَ
وثورةً
لا تُخْتَمُ
قلبي حسينيُّ الجراحِ ..
و ذا دمي
كلُّ الشهورِ بكربلاءَ مُحَرَّمُ
نطقَ المسيحُ براءةً ..
في أمةٍ صلّتْ لسالومي
لتَسْكُتَ مريمُ
وهكذا تقدم الشاعرة استدعاءً مكثفاً لرموز التاريخ مثل ابن الزبير وهند والنمرود وفرعون وبلقيس والمسيح لتؤكد أن دم الشهداء ما زالت صرخاته تدق ضمائر العصر الحائر. وتتميز القصيدة ببناء درامي شديد الكثافة، تتلاحق فيه الصور المروعة والنداءات المتكررة للسبط الحسين وكأن التاريخ يعيد نفسه بصيغ أكثر قسوة وعبثية، مما يجعل النص وثيقة إدانات كبرى لكل أشكال الظلم المعاصر.
وتأتي قصيدة "إسكندرية" لتكشف عن علاقة ملتبسة وموجعة بين الشاعرة ومدينتها الأم ، فهي ليست مجرد فضاء جغرافي عابر، بل هي مسرح للأحزان والمنفى الداخلي . حيث تتشابك ملامح الإسكندرية مع رموز الهجرة والهروب والتاريخ الإسلامي المبكر كمحنة الفراش والهجرة، لتعبر عن خيبة أمل كبرى في محيط تحول إلى بيئة طاردة تملؤها المكائد والخيانات الخفية ، تقول:
اسْكِنْدِرِيَّةُ يَا بِلادَ قَيَاصِرَة
البَحْرُ أضْيَقُ مِنْ هِمُومِ الشَّاعِرَة
والمَوْجُ يَعْلُو .. ثُمَّ يَهْبِطُ ..حَوْلَهَا
أتُرَاهُ يَشْعُرُ بِالدِّمُوعِ الثَّائِرَة؟
سَالَتْ ومَا زَالَتْ تُحَلِّقُ فَوْقَنَا
سُحُبٌ و مَلْأَى بالجراحِ الغَائِرَة
المَوْتُ أَصْدَقُ مِنْ ضَجِيجِ ثُغَائِكُم
والشَّطُّ عَزَّ فَلَسْتُ أُبْصِرُ آخِرَه
لا كَنْزَ تَحْتَ جِدَارِكُمْ لا تَبْحَثُوا
لا خِضْر َيَخْرِقُ فِي أَسَاسِ البَاخِرَة
الخُبْثُ يلهو فِي الضَّمَائِرِ ضَاحِكَاً
والشَّرُّ يُنْضِجُ فِي الظَّلَامِ عَشَائِرَه
والنَّفْسُ تَأْنَفُ مِنْ جَنِينِ سِفَاحِكُمْ
والعُهْرُ يَزْهُو فِي العُيُونِ المَاكِرَة
كَيْفَ اصْطَفَيْتُمْ كُلَّ شَر ٍّحَوْلَنَا
خَلْفَ الحَوَائِطِ والخَنَاجِرُ سَافِرَة؟
لا يَفْتَدِينَا فِي الظَّلَامِ عَلِيُّنَا
وفِرَاشُهُ لَا تَلْمَحُونَ سَتَائِرَه
يا شَاطِيءَ الْأَحْزَانِ قَدْ بُنِيَتْ لَنَا
بَيْنَ القِلَاعِ حَفَائِرٌ لِجَبَابِرَة
خَلْفَ الحِصَارِ حُصُونُ قَلْبٍ مَدَّهُ
رِزْقٌ مِنَ الرَّحْمَنِ لَسْتُ بِنَاكِرَة
طَابَتْ لَهُ الأَحْلَام ُ حَتَّى جَاءَكُمْ
وَتَبَدَّلَتْ أَسْرَارُكُمْ لِمُجَاهَرَة
وَبَدَتْ لتَبْرُزَ فِي الظَّلَامِ نُيُوبُكُمْ
وَالغَدْرُ يَلْمَعُ والخُطُوبُ مُحَاصِرَة
لا بَيْتَ أَرْقَمَ قَدْ يَضُمُّ نُبُوَّتِي
لا سَيَفَ (حَيْدَرَةٍ )يَرُدُ أَبَاطِرَة
والرِّيحُ تَعْتَصِرُ الرِّمَالَ أَمَامَنَا
وعَدُوُّنَا فِي الخَلْفِ سَنَّ خَنَاجِرَة
لا قَلْبَ يَزْهُو بِالنَجَاحِ مُفَاخِرَاً
لا صَحْبَ فِي تِلْكَ الدُّنَى لِتُشَاطِرَه
فِي الأُفْقِ نَارٌ والغُبُارُ قَطِيعُهُمْ
زَرْقْاؤُنَا لَا تَسْتَبِينُ حَوَافِرَه
يَانَفْسُ ذُوبِي فِي جَلِيدِ قَلُوبِهِمْ
أَهُنَاكَ قَدْ نَلْقَى قُلُوبَاً طَاهِرَة!!
لَمْ يَنْطِقِ العُمَرَانِ حُكْمَ قَضِيَّتِي
هَذَا أَبُو جَهْلٍ أَعَدَّ فَوَاجِرَه
هَارُونُ مُوسَى يَفْتَدِيهِ بِرُوحِهِ
هَارُونُنَا لَمْ يستجِبْ لِمُشَاوَرَة
فِي هِجْرَتِي تَاهَتْ قِفَارُ (أُرَيْقِطٍ)
(أَسْمَاءُ )لَمْ تَخْلَعْ نِطَاقَ الخَاصِرَة
لا أَيْكَةً … أَشْكُو لِرَبِّي طَائِفًا
لا غَارَ أَمْلَؤُهُ دُمُوعَاً غَامِرَة
اسْكِنْدِرِيَّةُ قَدْ هَجَرْتُكِ مُرْغَمَاً
فالبَحْر ُيَشْهَدُ والرِّمَالُ الحَاضِرَة
اسْكِنْدِرِيَّةُ قَدْ فَقَدْتُكِ لَمْ أَجِدْ
فِي البَحْرِ رُبَّانَاً يُدَاعِبُ طَائِرَه
لا مَوْجَ يَأْلَفُ صَوتَنَا فلتَرْفِقِي
لا رِيحَ تَصْفُو للصَّوَارِي الخَائِرَة
لَوْلَا المَكَائِدُ لَمْ أَطَأْ بِمَدِينَةٍ
لَوْلَا الخِيَانَةُ مَا خَرَجْتُ مُهَاجِرَة
يَا رِيحُ هُبِّي صَرْصَرَا لِتُدَمِّرِي
مَنْ قَدْ تَذَمَّرَ إِذْ رَآنِي صَابِرَة
اسْكِنْدِرِيَّةُ حَسْبُ نَفْسِي قَدْ سَمَتْ
كاَلنَجْمِ يَلْمَعُ لِلْعُيُونِ النَّاظِرَة
حِيتَانُنَا فِي يَومِ سَبْتٍ شُرَّعٌ
عَمْدَاً، وحَسْرَتْكُمْ جِفَانٌ فَاغِرَة
مَا أحْزَنَ الأَعْدَاءُ إلَّا ظلُّنَا
إِذْ لَمْ يَرَوْا بَعْدُ المَنَائِر َ عَامِرَة
بُشْرَايَ نَصْرٌ زَيَّنَتْهُ مَنَابِرٌ
والشِّعْرُ يَزْهُو إِذْ عَلَوْتُ مَنَابِرَه
ترسو السفينُ الآنَ في جُودِيِّهَا
والأرض تبتلعُ النفوسَ الجائرة
ونلاحظ استخدام الشاعرة البحر والأمواج والرمال كرموز حية تعكس اضطراب النفس وتوقها الأبدي إلى صفاء تفتقده في واقع موبوء بالزيف والمنافقين الذين تحولوا إلى حيتان تتربص بالمراكب التائهة.
وتمثل قصيدة "هو الشعرُ" بياناً شعرياً صارخاً تعلن فيه الشاعرة تكريس حياتها المطلق لفن القريض ، فالشعر هنا ليس ترفاً، بل هو زاد، ونبوءة، ونجاة، وملاذ روحي يقي النفس من وعثاء الجفاف ومكايد العابرين. تقول:
الشِّعرُ بعض من نعيم مغدق
الشِّعرُ منبع نشوتي وتذوقي
الشِّعر زادُ العاشقين ولوعةٌ
من لم يذُقْ شِعرًا كأنْ لم يُخْلَقِ
الشعرُ طيفٌ من نبوءةِ عابدٍ
لله دركِ يا قصيدةُ، حلِّقي
هاتي من الأنوارِ بعضَ صبابةٍ
تُدنيكِ مني بعدَ طولِ تَفَرُّقِ
صُبِّي من الأبياتِ فيضًا من ندى
هُبّي إلىّ من العوالم واصدُقِي
وصِلي بوحْيكِ ما تقطَّعَ إنني
في دولةِ الأرواحِ لم أُستنْطَقِ
وتقرَّبي مني بأبياتِ الرضا
يا ويحه قلبي! ألا تتصدقي؟
أضحى الفؤادُ اليوم حقًا فارغًا
أدنيه مني أمسكي بالمرفق
ألقيه في يمِّ القوافي، وانظري
نهجي التحدي والسباحةُ منطقي
إني اتخذت الشعرَ حقا مذهبي
وعسى ببيت الشعر يسمو مفرقي
ألقيتني جسدًا ضعيفًا خائرًا
والشعرُ لم يرحم ولَم يترفق
فصنعتُ فُلكًا من قصائد خلوتي
ونفثتُ سحرًا كالجحيم المطبقِ
وتهيم بي لغةُ الفصاحةِ كلما
أعطيت شيطان القوافي منطقي
وأتيتُ طائعةً كجارية هوت
وأتيتُ كارهة الوصال الموبق
الشطر يؤنسُ والبيوت مواطنٌ
والشعر يسعد والقصيد تشوقي
إن جاد شعر فالمكارم دونه
لم يكرم الطائيُّ لم يغدودقِ
وتراه إن يبخل يجئكَ بمادرٍ
وعصاه تنهى كل ذات تملُّقِ
الشعر جمَّلني وأعلى هامتي
فالوحي منه يستميل تدفقي
واستعدت الأبيات كلَّ قصائدي
واسترهبتني كي تحاصر خندقي
وإذا الفرزدق قد يهيم بشطرها
فأنا القصيدة تستفز فرزدقي
أنا أحمد الرحمن إذ ولَّى الهوى
شطر القوافي والقريض المورق
قد كنت أحبو من بداية أحرفي
وصعدت طيرًا في السماء لأرتقي
ما كنتُ فظًا أو غليظًا في الهوى
بل كنت أعطي للقصائد موثقي
ما كان مثلي بالقريحة ماضيًا
حتى يُكابَدَ بالحنين المُرْهِقِ
قلبي بلالٌ والقصيدُ مآذنٌ
يهفو إليها القلبُ نحو المشرق
إن لم يكن عشق القوافي مذهبي
لا بارك الرحمنُ ما لم يُنْطق
إن كنت نِدَّا للأماجد قبلنا
يا ألف أهلًا يا قصيدة فاسبقي
وهبي لشاعرةٍ خلودًا في الورى
صاغت معاني الحب من إستبرقِ
وابكي إذا جفَّ المداد وسحره
وانعيْ فؤادي يا قصيدة وانعقي
قولي إذا ذكر الحبيب قضيتي
هذي التي في المنتهى لم تغرق
نوحي علىّ فقد تبتلت الجوى
وارثي حياتي أيا قصيدة، وارفقي
ونلاحظ أن القصيدة تفيض بالثقة الطاغية بالنفس والموهبة، مستلهمة رموزاً تراثية مثل الفرزدق والجرير والطائي لتؤكد أن الشعر الحقيقي يرتفع فوق كل نقائص البشر وصغائرهم، ليبقى خالداً لا تبصره أيدي العابثين ولا تمحوه عواصف الاستخفاف، بل هو المرآة التي تعكس جوهر الصدق في عالم يغرق في الاصطناع.
وفي قصيدة "قال الشاعر الجزء الأول" تقدم الشاعرة حوارية عميقة بين الذات الشاعرة و"مجنون الشعر" أو الكائن الداخلي الملهم الذي يرتدي ثوب الجذبة الصوفية والجنون العاقل. ويطوف النص حول مفارقة المبدع المهمش الذي يقف في وجه السلطة والقمع والذاكرة التاريخية المتخمة بدماء المآسي كالحجاج والعهد الأموي، متجاوزاً الثقافة السائدة .تقول:
قال الشاعر الجزء الأول
الشعرُ القاطنُ سيدتي
صلواتٌ في غسقِ الصبحِ
يتوضأُ نزقَ الأزهارِ يصلي
في محرابِ النور ِ...تَطَهَّرْ
مَن غيرك قولي ملهمتي
يتلحفني
يستحلف نبعا
للغيم النائم في احضان
اليأس المعتم
من غيرك مني يتعلم !!!
من يتعلم!!!
علمني الشعرَ وأشعرني
مجنونُ الشعرِ
ومَنْ أشعر !
جنيٌ من وادي عبقر
أشعثُ أغبر
مسجونٌ لكن علمني ان أتحرر
مجنونٌ لكن دربني
أن اتفكر
أن أتدبر
ألَّا أنكفيءَ على وجهي أو أتعثر
أكتب وأدون أغنيتي ومعلقتي
بحوائط قلب
قد داس عليه العسكر
أمويٌ سال دم السبطين على يده
لم يتخثر
حجاج لم ينطق إلا
بالآي المنزل من علياء سماءٍ تُمْطِر
بهلول الشعر يحاججني
قومي فمآلك
ملهمةً فوق الأرففِ
بقصيدِ الأحرفِ تتبختر
مجنونُ القريةِ يتمايلُ
يضْربهُ أطفالُ الحيِ
فيعلو ..... يعلو
حتى يلمِس
جلبابَ حكيم البندر
مجذوب صوفي النزعة
مجنون لكن حكمتهُ لم تتأثر
يزهو بمجون في شعرهْ
يتحدى ألياذة (هومير وس ) ....
منهُ يسخر
يتنرجس شيطان الشعر على شفتهْ
يتحدى الاكبرَ فالاكبر
علمني مجنونُ الشعرِ بأَن أتَمردَ
أن أُفْرِغَ شُحْنَاتِ الغضبِ قوافي
أن أحيا في الشعر حياةً
لم تتكرر
لن تتكرر
لقد اتسمت هذه القصيدة بجرأة تعبيرية عالية وتدفق حواري يوظف المفارقة والسخرية السوداء ليضع القارئ أمام مرآة الواقع الثقافي المزيف، حيث يرتفع المبدع المجذوب فوق قامات الحكماء الزائفين.
نختتم هذه الجولة بقصيدة "وحدي" التي تعلن فيها الشاعرة اكتفاءها الذاتي واعتزازها بيقينها الجمالي والأخلاقي وسط صحراء الحاقدين. مع استدعاء رمزي لأندلس ولادة وابن زيدون، لتؤكد أن حب الشعر هو أطهر أشكال الحب وأن النقاء الداخلي هو الدرع الأقوى ضد خبز الزيف والنفاق ، تقول:
وحدي .. يقيني .. أن شعريَ أخضرُ
والحاقدون بنو الخداعِ تصحروا
درويـشَةٌ شالي بكارةُ مريمٍ
مصرية .. وجهي تقيٌ أسمَـرُ
لمحوا حروفَ الشعرِ تقطُـرُ سَلسَلاً
أخفوا بهم تكبيرةً .. وتكبروا
من هؤلاءِ ؟ سألتُ .. أين رأيتهم ؟
بالكادِ لا أنسى .. و لا أتذكرُ
إني بخيرٍ رغم مر سقامهم
إني بشعر ٍ والرفاق تشعروا
ولادة .. وحملتُ أندلسي معي
ومعي ابن زيدونٍ نقول فَنُسْحِرُ
أفتى فقال الحبُ ذنبٌ طاهرٌ
أفتيتُ أن الشعرَ حبٌ أطهرُ
لِوجوهِ حسادي أصوب بسمة
أمضى من الصمصام أنى تشهر
سيموت آخِرُ حاسد في قبحه
أما الجمالُ فِفي القصائِدِ يبحر ُ
أنا أحمدُ الرحمن أن خطيئتي
قومٌ منحتَهُم الجمالَ …تغيروا
أستغفِرُ اللهَ العظيم إذا أرَى
وجها ينافق / يدعي / يتنمر
لم أنشغَلِ بالا بفرية كاذبٍ
سأظل عائشةً وربُك يقدرُ
أتعقَّـبِ الآيات حين نزولها
ببراءتي من عصبةٍ لما افتروا
يا عين لا تبكِي فما ليَ صاحبٌ
إلا يراعٌ في يديَّ ودفتر
لو حدَّثوا كذبا فذنب قلوبهم
أو حدثوا صدقا .. فلا أتصور
إني انْتبَـهتُ علَىّ .. بدءَ ختامهم
قلَـمِي رّسولٌ ..بالقصيدِ يبَـشَّـر
الشعر سلوى الروح محمودُ الرؤى
مهما تعامي العابرون وأنكروا
لقد اتسمت القصيدة بنبرة هادئة ومتزنة تعكس نضجاً روحياً وفنياً عالياً، حيث تتحول الوحدة من مصدر للألم إلى فضاء للحرية المطلقة والتجلي الإبداعي الذي يتجاوز صخب العابرين وأكاذيبهم.
خلاصة القول : إن تجربة الشاعرة سلوى محمود تمثل صوتاً نصياً وفكرياً فريداً، يرفض الانكسار ويدير معركة يومية بقلمه وروحه ضد كل أشكال القبح والزيف الفكري والاجتماعي. إنها شاعرة تؤمن أن الشعر ليس مجرد زخرفة لفظية، بل هو قضية وجودية كبرى، وجرح نازف يداويه الإبداع، ومرآة حقيقية تفضح عورات العصر وتنتصر لكرامة الإنسان والجمال المضيء عبر التاريخ، متخذة من تراث الأمة وحكاياتها الرمزية دروعاً تقيها صقيع الجحود البشري.
شامخ الشندويلي