هنا تتعلم المرأة كيف تصنع فرصته..
"بصمة".. تدريب مجاني وحكايات نجاح ومشروعات واعدة بأيادٍ مصرية
من قطعة خامات بسيطة، وإبرة وخيط، وأدوات لصناعة الحُلي والديكورات، قد تبدأ حكاية مشروع صغير يغيّر حياة امرأة وأسرتها. وبين الموهبة التي تحتاج إلى فرصة، والحلم الذي ينتظر طريقًا إلى الواقع، تأتي مبادرة "بصمة" لتمنح الفتيات والسيدات مساحة لاكتشاف قدراتهن، وتعلُّم حرف جديدة، وتحويل ما يتقنَّه إلى منتجات قابلة للتسويق ومشروعات تفتح أبوابًا للرزق.
وفي قصر ثقافة الشاطبي بالإسكندرية، انطلقت فعاليات القافلة الثقافية الخامسة للمرأة "الثقافة والإبداع"، ضمن مبادرة "بصمة" التي تنظمها هيئة قصور الثقافة برئاسة الفنان هشام عطوة، برعاية الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة، من خلال الإدارة العامة لثقافة المرأة، بالتعاون مع فرع ثقافة الإسكندرية.
لا تتوقف فكرة القافلة عند حدود التدريب على الحرف اليدوية، وإنما تمتد إلى بناء قدرات المرأة، ومساعدتها على اكتشاف إمكاناتها، والتعرف على أدوات التسويق، والتفكير في إقامة مشروع خاص؛ لتصبح الثقافة هنا مساحة عملية للتعلم والإنتاج، وبوابة يمكن أن تعبر منها الموهبة إلى سوق العمل.
من الموهبة إلى المشروع
تستهدف القافلة شرائح متنوعة من السيدات والفتيات، من ربات البيوت والخريجات، إلى العاملات والمتقاعدات، بما يتيح لهن الاستفادة من أوقاتهن في اكتساب مهارات جديدة، ويفتح أمامهن آفاقًا للاستثمار في قدراتهن الشخصية.

من ناحيتها، أكدت الدكتورة دينا هويدي، مدير عام الإدارة العامة لثقافة المرأة، أن القافلة تستهدف تمكين المشاركات من تعلم حرفة والاستفادة منها في إقامة مشروعات خاصة، مشيرة إلى حرص الهيئة العامة لقصور الثقافة على تطوير مهارات السيدات والفتيات في مختلف المحافظات، تحقيقًا لمبدأ العدالة الثقافية، وإعداد رائدات أعمال قادرات على إطلاق مشروعات صغيرة ومتناهية الصغر.
من جانبها، أعربت الفنانة الدكتورة منال يمني، مدير عام فرع ثقافة الإسكندرية، عن سعادتها بتنفيذ القافلة، مؤكدة أهمية الأنشطة التي تقدمها الإدارة العامة لثقافة المرأة في دعم السيدات وتمكينهن، خاصة المرأة المعيلة، وتعزيز دورها في بناء المجتمع.
الذكاء الاصطناعي يدخل ورشة المرأة
وفي خطوة تربط الحرفة التقليدية بأدوات العصر، خصصت القافلة جانبًا من فعاليات يومها الأول للتعريف بكيفية توظيف تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في ريادة الأعمال وإدارة المشروعات الصغيرة.
وخلال محاضرة بعنوان «ريادة الأعمال وتنفيذ المشروعات الصغيرة باستخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي»، استعرضت الدكتورة منى طمان، المحاضر الدولي في تكنولوجيا المعلومات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، أهمية هذه الأدوات في إعداد دراسات الجدوى، والتسويق الإلكتروني، وتصميم الشعارات والهويات البصرية والمواد الدعائية.
وأكدت أن امتلاك المهارة وإنتاج منتج جيد لا يكفيان وحدهما لضمان نجاح المشروع، إذ يحتاج الأمر إلى دراسة السوق، وتحديد الفئة المستهدفة، والتعرف على القيمة المضافة التي يقدمها المنتج، إلى جانب التطوير المستمر والابتكار ومواكبة المتغيرات.
وشهدت المحاضرة تطبيقًا عمليًا شاركت خلاله المتدربات في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتصميم إعلانات وملصقات دعائية لمنتجاتهن، مع التعرف على أهمية صياغة الأوامر واختيار اللغة المناسبة للحصول على نتائج أفضل.
وهنا تكتسب التجربة بُعدًا إضافيًا؛ فالمرأة لا تتعلم فقط كيف تصنع منتجًا بيديها، بل تتعرف أيضًا على وسائل حديثة لتقديمه للجمهور، والتعريف به، والوصول إلى العملاء المحتملين.

حكايات نجاح خرجت من الورش
لكن ما يمنح "بصمة" معناها الحقيقي ليس البرنامج التدريبي وحده، وإنما الحكايات التي ترويها سيدات سبق لهن خوض التجربة، واستطعن الاستفادة من المهارات التي اكتسبنها في تطوير أعمالهن وإقامة مشروعات خاصة.

ومن بين هذه النماذج سهير محمد، التي شاركت في ورشة لتعليم فن الكونكريت بإحدى القوافل السابقة، وتعلمت خلالها تقنيات العمل بالخامات المختلفة، قبل أن تتحول التجربة إلى مشروع خاص، وتشارك في عدد من المعارض، إلى جانب عملها مدربة في أكثر من مكان.
أما هالة عبد المعطي، فأشادت بالبرامج التدريبية المكثفة التي تقدمها الهيئة العامة لقصور الثقافة بالمجان، وبإتاحة الفرصة أمام المتدربات لعرض منتجاتهن في المعارض المقامة بالمواقع الثقافية، بما يساعد على التعريف بأعمالهن وتسويقها.

وتكشف هذه النماذج عن أهمية استكمال التدريب بمسارات تتيح للمشاركات عرض منتجاتهن والترويج لها، وربط ما يتعلمنه بفرص حقيقية لتطوير مشروعاتهن.
الحرفة تلتقي بالإبداع
وتواصلت فعاليات القافلة من خلال ورش تدريبية عملية شملت تعليم فن الكونكريت بإشراف شيرين عفيفي، والتطريز بخيوط السيرما بإشراف إيناس حسين، إلى جانب تصميم الحُلي والإكسسوارات مع المدربة سماح فاروق.
وتستمر فعاليات القافلة حتى الخميس 29 أكتوبر، على أن تختتم بإقامة معرض فني لنتاج الورش، في خطوة تتيح عرض ما أنجزته المشاركات، والتعريف بمنتجاتهن أمام الجمهور.
وتنفذ القافلة من خلال الإدارة العامة لثقافة المرأة، التابعة للإدارة المركزية للدراسات والبحوث، بالتعاون مع فرع ثقافة الإسكندرية التابع لإقليم غرب ووسط الدلتا الثقافي.
بصمة أبعد من حدود الورشة
في جوهرها، تطرح مبادرة «بصمة» سؤالًا يتجاوز عدد الورش والمتدربات: كيف يمكن تحويل التدريب الثقافي إلى فرصة مستدامة للتمكين الاقتصادي؟
فنجاح التجربة لا يُقاس فقط بما تكتسبه المشاركات من مهارات خلال أيام القافلة، وإنما بقدرتهن على مواصلة الإنتاج، والوصول إلى الأسواق، والاستفادة من أدوات التسويق الحديثة، وتحويل المنتجات إلى مشروعات قادرة على الاستمرار.
ومن هنا، تبرز أهمية البناء على نتائج القافلة، من خلال إتاحة فرص متجددة لعرض المنتجات، وتعزيز الاستفادة من التدريب الرقمي، وربط رائدات الأعمال بالمعارض والمنصات التسويقية التي تساعدهن على توسيع نطاق مشروعاتهن.
فالثقافة التي تفتح بابًا للتعلم تستطيع أن تفتح بابًا للعمل أيضًا، والحرفة التي تبدأ داخل ورشة قد تصبح نواة لمشروع، والموهبة التي تجد من يرعاها يمكن أن تتحول إلى مصدر دخل وثقة بالنفس.
هكذا تحاول «بصمة» أن تترك أثرًا يتجاوز جدران قصر الثقافة؛ أثرًا تصنعه امرأة تتعلم، وتجرب، وتنتج، ثم تخطو بموهبتها نحو حلم أكبر.