أوراق مسافرة
الإنسان والاصطناعي وحرب قادمة " 6"
يحفظ، يتقن، يبحث، ينجز بسرعة فائقة، ويوفر الوقت والجهد، لكنه أبدًا لن يكون له قلب، ولا أخلاق، ولا يدُ حانية، هذا هو الفارق الجوهري بين الذكاء الاصطناعي والإنسان الطبيعي، وقد انتهيت في مقالي الماضي من الحديث حول الإنسان وما توصل إليه من تطور في مجال الذكاء الاصطناعي وذراعه الآلي "الروبوت"، وتناولت تطوراته في مجال الطب، وفي مجال العلم والتعليم والأبحاث العلمية والدراسات العليا، إيجابياته وسلبياته، والمناطق المستحيلة التي يمكن أن يحل فيها الاصطناعي محل الإنسان الطبيعي.
وأصل معكم إلى ملف آخر من ملفات استخداماته المتطورة، الأمن والسلم والعدالة، لنعرف إلى أي مدى وصل، في الواقع لم يعد الذكاء الاصطناعي الآن مجرد كاميرا تتعرف على وجه، بل أصبح نظامًا أكبر يحلل ثلاث طبقات أو قل ثلاث مراحل معًا.
الطبقة المرئية حيث يمكنه تعقب خمسمائة شخص في اللحظة نفسها، ويتعرف على أي سلوك غير طبيعي أي مثير للاشتباه مثل حقيبة مجهولة الصاحب، شخص يجري عكس الاتجاه، وشخص يأتي بتحركات مريبة، لذا هو قادر على تأمين الأماكن والمنشآت الحيوية (مثل السفارات، المطارات) التي تراقب الحدود والمنشآت النفطية والموانئ بشكل ذاتي، بسبب الرؤية الحاسوبية الذكية التي صُمم عليها والتي تضم كاميرات لا تسجل فقط، بل تفهم السلوك كما سبق القول من رصد شخص يترك حقيبة مثلاً ويبتعد بسرعة، وشخص يدور حول مبنى معين بضع مرات، وتجمهر غير طبيعي، هنا النظام ينبه فورًا.
الطبقة الثانية هي الرقمية، حيث يمكنه الآن تحليل البصمة الرقمية، ورسائل التهديد، والتحويلات المالية المشبوهة، ويربطها ببعضها في ثوانٍ معدودة، وقد نجح بالفعل في تتبع التحويلات المالية التي تمول الإرهاب كما يقوم بمساعدة أجهزة الأمن اليومية في تحليل اللغة والمكالمات، والتعرف على الوجوه والمركبات وعمل مطابقة فورية مع قوائم تُعرض عليه لضبط المشتبه بهم في القائمة، وكشف مصادر خطابات الكراهية والتخطيط للعنف على تيليجرام والدارك ويب، ويُستخدم الذكاء الاصطناعي في تتبع تجارة البشر والمخدرات ليكون دليلًا قانونيًا للإنتربول واليوروبول.
كما نجح من خلال التحليل السلوكي للمجرمين في الوقاية من ارتكابهم المزيد من الجرائم فهو يربط بين المكالمات، والسجل الجنائي، وشبكات التواصل، والتحركات المالية لتحديد الشبكات الإجرامية وتتبع تحركاتها وبالتالي التنبؤ بجرائمها الجديدة والعمل على الوقاية منها.
الطبقة الثالثة هي التنبؤية، حيث يمكنه أن يخبر الشرطة إنه غدًا ما بين الساعة كذا إلى الساعة كذا توجد احتمالية لوقوع سرقة سيارة في منطقة ما، أو أن المساء في منطقة ما هو الذي ستحدث فيه السرقات والجرائم، أوفي هذا الشارع مثلًا توجد احتمالات مرتفعة لسرقة السيارات، وهكذا بما يمكن الاسترشاد به للتأمين الوقائي لمنع وقوع الجرائم أو الخفض من حدتها.
في الأمن والسلم الدوليين، لا يعني الأمر روبوتًا يحمل سلاحًا، بل هو نظام قادر على تحليل كميات ضخمة من البيانات (فيديو، صوت، صور أقمار صناعية، نصوص، تحركات مالية) بشكل أسرع من الإنسان بألف مرة.
تقوم مثلًا الأمم المتحدة باستخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل صور الأقمار الصناعية في مناطق الصراعات والحروب والكوارث، على غرار الصراعات في دارفور ورصد عمليات حرق القرى والإبادة في غزة وتدمير المستشفيات والمدارس وغيرها من المرافق حتى لو كان في الليل واستُخدم في رصد ما دار في حرب أوكرانيا، كما يُستخدم في تحليل خطاب الإبادة، من خلال أنظمة تكشف أنماط خطاب الكراهية التي تسبق الإبادة (كما حدث في ميانمار ضد الروهينجا).
ويقوم الذكاء بحصر البيوت والخيام المدمرة ويقدر عدد النازحين بدقة تزيد على نسبة 95% دون الحاجة إلى إرسال فريق إلى الأرض ويرصد جرائم الحرب والإبادة الجماعية ويكشف أماكن المقابر الجماعية، يجمع مليون فيديو من تيك توك ويوتيوب من منطقة نزاع، يحذف المزيف من الأخبار الكاذبة، الآن اصبحت نسبة 90% من الفيديوهات التي تنشر تحتاج فحصًا بسبب عمليات التزييف فهو يكشف حقيقة الصور والفيديوهات إذا كانت حقيقية أم مولدة، ويحدد نوع السلاح المستخدم وتاريخه.
وبهذا أصبح الذكاء الاصطناعي الشاهد الصامت على جرائم الحرب، حيث تتجاهل المؤسسات الدولية الكبرى ما يسجله الذكاء الاصطناعي لهذه الجرائم رغم زعمها الحياد والعدالة، فقط يتم استخدامها في المحاكم والقضايا الدولية أحيانا كأدلة.
كما يقوم الذكاء الاصطناعي أيضًا بتحليل بيانات التواصل الاجتماعي للتنبؤ بالنزاعات قبل اشتعالها بالمكان والوقت لدرء اندلاعها وتلافي تداعياتها، حيث يمكنه البحث في مائة لغة، يجمع كل ما يُنشر عن شخص أو منطقة، ويلخصه في خريطة علاقات تكشف الاعضاء او الشبكات المتأمرة وتقود إلى أمكانهم وتكشف عن شخصياتهم وسجلاتهم وكل المعلومات المتعلقة بهم مما يسهل الوصل إليهم والقبض عليهم.
وبالطبع يمكننا رصد ما تفوق فيه الاصطناعي على البشري، ذاكرة الاصطناعي لا تنسى مهما طالت الأعوام، ضابط المباحث قد ينسى وجه مجرم شاهده مثلًا منذ عدة أعوام، الآلة تتذكره من بين خمسين مليون وجه، كما لا يمكنه التحيز اللحظي أو التأثر بوضعية المتهم، فهو لا يتأثر بأن المتهم غني أو فقير، أبيض أو أسود، في لحظة التقييم الأولى، كما يمكنه مواصلة العمل أربعًا وعشرين ساعة، لا يتعب في فترة عمله المتواصلة من المراقبة على الحدود الصحراوية لدولة ما مثلًا.
ونصل إلى نقاط من المستحيل أن يتفوق فيها الاصطناعي على الإنسان، وعلى رأسها في هذا الإطار ما نطلق عليه "مفهوم العدالة التصالحية"، على سبيل المثال يمكن لضابط الشرطة أن يتفهم بعض الدوافع التي وراء ارتكاب شخص ما لجريمة، وينقل هذا للقاضي البشري الذي قد يحكم مثلاًعلى شاب سرق أول مرة حكمًا مخففًا وقد لا يكون بالسجن، مثل ما يحدث في بلدان أوروبا بأن يُحكم على المتهم بالخدمة المجتمعية بدل السجن لأنه رأى ندمه وتربية أهله الجيدة التي لا تستوجب العقاب المشدد، ولا يريد الضابط أو القاضي أن يضيع مستقبل المتهم بالسجن، فيما الآلة لن تفعل هذا لو صارت هي من يحكم بموجب الأدلة التي أمامها، وستصدر الحكم بالسجن دون أي مراعاة إنسانية، وتقدم الأدلة بشكل محايد ومحكم لا تخفيف ولا لطف فيه أو تهوين.
يمكن لرجل الأمن البشري أن ينزع فتيل الغضب من الأشخاص الذين يتعامل معهم، فهو يمكنه أن يحتضن سيدة مسنة تبكي في مظاهرة، أو يهدئ شابًا غاضبًا بكلمة "يا ابني" ويفض المظاهرة أو يخفف من حدة غضبها وعدم تحولها لعنف، في حين الآلة لو اقتربت من هؤلاء ستزيد من ذعرهم وتفاقم من غضبهم وردة فعلهم، لأن السلم المجتمعي يُبنى على الثقة، وليس المراقبة، ففي تصوري المجتمع المراقب 100% بالذكاء الاصطناعي هو مجتمع خائف، وليس آمنًا، الأمان الحقيقي يأتي عندما يثق الناس في بعضهم، وهذا فعل إنساني صرف لا يمكن أن يقوم به الاصطناعي، يضاف إلى ذلك التحديات والمخاطر الأخلاقية التي يقع فيها الذكاء الاصطناعي من حيث المسؤولية القانونية إذا قتلت طائرة ذكية مدنيًا بالخطأ مثلًا، وإذا اخترق مجال الخصوصية للأشخاص، فهنا لا يمكن محاكمته عن هذه الأخطاء أو تحميله المسئولية، فقط الإنسان البشري هو من يتحمل مسئولية أخطاءه ويخضع للمحاسبة، وفي هذا درء لتكرر الأخطاء والمخاطر ضد الإنسانية !.. وللحديث بقية
فكرية أحمد
[email protected]