جبر الخواطر في حضرة الرئيس
كان لي شرف حضور افتتاح منتدى مصر 2026 وختام فعالياته، التي أُقيمت في العاصمة الجديدة، بدعوة من وزارتي الثقافة والإعلام، كل الشكر والتقدير لهما.
وعلى مدار أيامه الستة، تابعت حراكًا ثقافيًا ومناقشات جادة وهادفة، وبين هذا كله، تجلّت معانٍ إنسانية عميقة في أربع حكايات كشفت عن معدن أصيل، وأعادت جبر الخواطر إلى صدارة المشهد، بوصفه قيمة إنسانية تتجاوز حدود الكلمات إلى أثر يبقى في النفوس.
"أنا لأول مرة من يوم ما اتولدت أنام على السرير" لم يكن صاحب هذه الكلمات طفلًا يحكي عن رحلة ممتعة بل كان يتحدث عن "سرير"، قطعة أثاث يراها كثيرون من أبسط تفاصيل الحياة، لكنها بالنسبة له اكتشاف متأخر لواحدة من أبسط صور الراحة.
وراء هذه الجملة القصيرة حكاية استعادها الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، خلال ختام المنتدى، عن طفل التقاه أثناء تفقده إحدى مدارس حي الأسمرات، بعد انتقال أسرته من منطقة الشرابية إلى مسكن جديد. وحين سأله عن حياته، جاءت إجابته بعفوية لا تعرف المبالغة ولا تجيد تزيين الواقع: لقد نام على سرير للمرة الأولى في حياته.
أي وجع يمكن أن تختصره جملة كهذه؟ وأي معنى للتنمية يمكن أن يكون أصدق من طفل يكتشف أن له مكانًا ينام فيه بكرامة؟
أرى أن من هنا تبدأ الحكاية الحقيقية لجبر الخواطر؛ باعتباره قدرة على رؤية الإنسان خلف الأرقام، والحلم خلف وجه قد لا يلتفت إليه أحد.
وتمنحنا هذه الحكاية مدخلًا مختلفًا لقراءة المشاهد الإنسانية التي شهدها ختام منتدى مصر 2026، حين التقت أحلام بسيطة بمسىٔولين كبار، وتحولت لحظات عابرة أمام الكاميرات إلى رسائل تستحق أن نتوقف أمامها طويلًا.
الحكاية الثانية كانت للطفلة تاليا التي حملت أمنية لا تحتاج إلى ميزانية ولا إلى قرار إداري، بل أرادت أن تلتقط صورة تذكارية مع الرئيس عبد الفتاح السيسي. فاستجاب الرئيس لطلبها، واقترب منها وتحدث معها في لحظة صنعت فرحتها، ومنحتها ذكرى ستظل واحدة من أجمل حكايات طفولتها. وتحقيق أمنية صغيرة كهذه قيمتها تُقاس بمكانتها في قلب صاحبها لا بحجمها في نظر الآخرين.
إن جبر الخاطر يبدأ من إدراك حقيقة قد ننساها كثيرًا: ما يبدو عاديًا بالنسبة إليك قد يكون استثنائيًا بالنسبة إلى غيرك، وما نراه عابرًا قد يتحول في ذاكرة طفل إلى حكاية يرويها بفخر سنوات طويلة.
لكن الحكاية لا تتوقف عند تاليا؛ ففي المنتدى نفسه، كان للشاب محمود، من ذوي الهمم، موعد مع لحظة أرادها، حين عبّر بلغة الإشارة عن رغبته في لقاء الرئيس. غير أن طلبه فرصة عمل يضعنا أمام قضية أكبر من المشهد نفسه: كيف ننتقل من الاحتفاء بأصحاب الهمم إلى تمكينهم، وفتح الأبواب أمامهم لتحقيق طموحاتهم؟ وهنا تحديدًا يصبح جبر الخواطر مسىٔولية تتجاوز حدود المشاعر.
فالشاب الذي يطلب فرصة عمل لا يحتاج إلى التعاطف وحده، وإنما إلى منظومة تتيح له إثبات قدراته، وتضمن وصوله إلى فرصة مناسبة، وتمنحه حقه في أن يكون منتجًا ومستقلًا، لا مجرد بطل في الصورة.
أعتقد أن أجمل استجابة لمحمود ليست أن تظل لحظة لقائه بالرئيس ذكرى تسعده، بل أن تكون بداية طريق حقيقي نحو العمل والاستقرار.
ومن أسوان، جاءت إسراء مصطفى، صانعة المحتوى المهتمة بالسياحة والثقافة، تحمل إلى المنتدى أمنية مختلفة؛ فلم تطلب صورة لنفسها، وإنما وجّهت دعوتها إلى الرئيس السيسي لزيارة أسوان.
في ظاهر الأمر، هي دعوة من فتاة إلى رئيس الجمهورية، لكنها في معناها الأوسع صوت محافظة تريد أن تظل حاضرة على خريطة الاهتمام، ليس بما تمتلكه من جمال طبيعي وتراث حضاري فقط، إنما أيضًا بما ينتظره أبناؤها من فرص وتنمية وحياة أفضل.
وأنا أؤيد إسراء في مطلبها، بل أطالب الرئيس السيسي بزيارة المحافظات، ولو مرة كل شهر، في محافظة مختلفة؛ فالمواطنون في الأقاليم يريدون أن يروا ما تمتلكه محافظاتهم من ثراء، وأن يلمسوا انعكاس هذه المقومات على واقعهم، وأن تتحول إمكانات المكان إلى فرص عمل ومشروعات وحياة أكثر استقرارًا، وأن تظل احتياجاتهم حاضرة على جدول الاهتمام.
فالزيارة، في معناها الأعمق، ليست مجرد جولة ميدانية أو مشهد إعلامي، وإنما فرصة للاستماع إلى المواطنين، والوقوف على مشكلاتهم، ومتابعة ما تحقق من مشروعات، وما لا يزال ينتظر التنفيذ.
أرى أن ثمة قاسمًا مشتركًا بين الطفلة تاليا، والشاب محمود، والفتاة إسراء، والطفل الذي اكتشف للمرة الأولى معنى النوم على سرير. فقد جاء كل منهم من عالم مختلف، لكن حكاياتهم أعادت طرح السؤال نفسه: هل نرى الإنسان حقًا، أم نرى فقط ما يظهر أمامنا من احتياجاته؟
جبر الخواطر هو الوجه الإنساني للمسىٔولية، حين تتجاوز اللوائح والأرقام إلى فهم الناس، وحين يدرك المسىٔول أن سلطته لا تعفيه من الإصغاء إلى أمنية صغيرة، ولا تجعل احتياجات البسطاء تفاصيل هامشية.
لكن الإنصاف يقتضي ألا نضع المشاهد الأربعة في سلة واحدة؛ فالصورة ليست وظيفة، والزيارة ليست تنمية، واللقاء ليس بديلًا عن الحق في حياة كريمة. إنما تكمن قيمة هذه اللحظات في قدرتها على تذكير المسىٔولين والمجتمع بأن وراء كل طلب إنسانًا، ووراء كل إنسان حكاية، وأن الحكايات التي تصل إلى المنصة ليست سوى جزء من حكايات كثيرة لا تجد دائمًا فرصة للوصول.
انتهى منتدى مصر 2026، الأول، وانفضت الجلسات، وغادرت الكاميرات مواقعها، لكن القيمة الحقيقية لما جرى لا ينبغي أن تنتهي بانتهاء التغطية الإعلامية.
فالأجمل أن يجد محمود فرصة عمل حقيقية، وأن يحظى أبناء أسوان والمحافظات بما يستحقونه من اهتمام تنموي، وأن تتوافر للأسر الأولى بالرعاية مقومات الاستقرار، وأن تصبح كرامة المواطن معيارًا حاضرًا في كل قرار.