بدون رتوش
التربص ضد إيران
تشهد منطقة الشرق الأوسط اليوم حالة مستمرة من التوتر الجيوسياسى تتمثل فى صراع النفوذ والمواجهة غير المباشرة، (وأحيانًا المباشرة) بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضد إيران، وهو المشهد الذى يعكس -عن حق- حالة من التربص المتبادل. حيث تحاول كل جهة قراءة تحركات الأخرى ومن ثم استباقها لحماية مصالحها الاستراتيجية وفرض توازنات تحدٍّ جديدة. ومن الممكن تتبع أبعاد هذا التربص عبر ثلاثة محاور رئيسية:
الأول يتمثل فى شبكة الحلفاء الإقليميين حيث تحيط إيران خصومها بما يعرف بمحور المقاومة (فى لبنان واليمن والعراق وسوريا) مما يمنحها قدرة على الردع وحرب الوكالة دون الدخول فى حرب مباشرة وشاملة.
والثانى يتمثل فى الارتكاز على البرنامج النووى والصاروخى حيث تلجأ إيران إلى تطوير قدراتها الصاروخية، وتخصيب اليورانيوم كأوراق ضغط استراتيجية لردع أى هجوم عسكرى مباشر. أما المحور الثالث فيتمثل فى تخفيف العبء الاقتصادى الناتج عن العقوبات. وفى المقابل تواجه إيران بالموقف الإسرائيلى الذى يرتكز على الوجود والضربات الاستباقية. حيث تنظر إسرائيل إلى النظام الإيرانى باعتباره يشكل التهديد الوجودى الأكبر لها، ومن ثم تتحرك بناء على عقيدة أمنية صارمة ترتكز على أمرين: الأول يعتمد على منع إيران من امتلاك سلاح نووى، هذا بالإضافة إلى تلويحها الدائم بالخيار العسكرى المنفرد فيما إذا فشلت الدبلوماسية.
أما الأمر الثانى فيركز على حرب الظل التى تشتمل على عمليات إسرائيلية تشمل اغتيالات العلماء وقادة إيران العسكريين، بالاضافة إلى هجمات سيبرانية واستهداف شحنات الأسلحة فى سوريا بهدف تقويض النفوذ الإيرانى على حدودها. وعوضا عن هذا هناك الدور الأمريكى الذى يرتكز فى الأساس على التوازن والردع الذكى. حيث توازن الولايات المتحدة بين التزامها المطلق بأمن إسرائيل، ورغبتها العارمة فى تجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة ومكلفة. ومن ثم تستخدم العقوبات والضغوط الاقتصادية كسلاح باتر من أجل شل الاقتصاد الإيرانى والحد من قدرته على تمويل فصائله فى المنطقة.
هذا بالإضافة إلى أنها تلجأ إلى الوجود العسكرى الوقائى، حيث ترسل بانتظام تعزيزات عسكرية إلى المنطقة تضم حاملات طائرات ومنظومات دفاع جوى وذلك من أجل إرسال رسائل ردع واضحة إلى إيران. مع إبقاء القنوات الدبلوماسية الخلفية مفتوحة من أجل تجنب سوء التقدير. ولا يعد التربص ضد ايران هنا من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل مجرد صراع عسكرى، بل هو أيضا يعتبر لغزا سياسيا فى العصر الحديث حيث تحاول كل دولة فرض شروطها فى لعبة شطرنج إقليمية خطيرة تظل فيها منطقة الشرق الأوسط هى الرقعة الرئيسية والضحية الأولى لأى تصعيد غير محسوب.
ولهذا تواصل إسرائيل تحديث بنك أهدافها العسكرية وتجهز الخطط لضربات محتملة تشمل المنشآت النووية والبنية التحتية للطاقة والصواريخ فى إيران. ولقد شهدت الأيام الأخيرة تحليق مقاتلات إسرائيلية قرب المجال الجوى الايرانى بهدف الردع.