بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

المملكة خط أحمر

ينسب للبحترى بيتان يعدان من درر البلاغة فى تقدير العرفان:
أرى الشكر فى بعض الرجال أمانة.. تفاضل والمعروف فيهم ودائع
ولم أر مثل أتبع الحمد أهله.. وجازى أخا النعمى بما هو صانع
النفوس العليلة هى فقط من تنكر الجميل وتقابل صنائع المعروف بالجحود والخذلان أما النفوس السامية فهى لا تخشى أن تصدح بالشكر لأهل المروءة والفضل.
ومصر الراقية وشعبها النبيل لا يتوانون فى ردّ الجميل الطاق طاقين تحت مبدأ من لم يشكر الناس لم يشكر الله فنحن لا ننسى ابدًا لمملكة الخير مواقفها الطيبة معنا.
فمنذ أن وضع الأب المؤسس اللبنة الأولى فى بناء الدولة السعودية الحديثة 1902 ونظرته الثاقبة كانت توطيد العلاقات مع مصر إلى مستويات التحالف الاستراتيجى وبالفعل تم توقيع معاهدة الصداقة 1926 ثم اتفاقية تعمير الرياض وأسسا الجامعة العربية ووضع ميثاقها ودعمت الرياض مطالب القاهرة فى الجلاء وفى 1955 وقع الأمير فيصل اتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين وقد أعلنت المملكة التعبئة العامة أثناء العدوان الثلاثى على مصر ويخلد الملك سلمان تلك الذكرى بصورة كبيرة فى قصره وهو يرتدى الزى العسكرى للدفاع عن مصر وفى 1955 قدمت الرياض للقاهرة 100 مليون دولار بعد سحب العرض الأمريكى لبناء السد العالى، وعقب هزيمة يونيو ناشد الملك فيصل كل الدول العربية تقديم يد العون واستمر الدعم السخى حتى حققت مصر نصر أكتوبر وقادت المملكة معركة البترول لخدمة أهداف حرب أكتوبر وجاءت بنتائج غير متوقعة لتثبت حقيقة هامة هى إذا تمترست مصر والسعودية فى خندق واحد يمكنهما تحقيق الأهداف والمصالح العليا للأمة العربية.
وحتى أثناء القطيعة العربية بسبب اتفاقية كامب ديفيد لم يتوقف التعاون والتشاور فقد زار مبارك السعودية 30 مرة ولولا الموقف العروبى الشجاع للمغفور له أبو متعب ما كانت ثورة 30 يونيو عبرت إلى بر الأمان فقد بلغ حرصه فى إظهار حبه ودعمه لمصر أن يتحامل على نفسه وهو العائد من آخر رحلة علاجية ويصر على مقابلة وعناق الرئيس السيسى على متن طائرته ولا ننسى أن الدبلوماسى المخضرم سعود الفيصل عمل وزيرا لخارجيّة مصر تاركا حفل زفاف ابنته وأغلظ القول لكل من سولت له نفسه إدخال الملف المصرى دوامة مجلس الأمن ومن ثم فرصة لأعدائها أن يفرضوا عليها عقوبات جائرة تقصم ظهرها.
ومع ذلك إذ نحينا البعد الأخلاقى والعاطفى جانبا وتعاملنا بطريقة براجماتية سنصل إلى نتيجة واحدة مؤداها أن الدفاع عن الحدود السعودية مصلحة مصرية صرفة لا سيما بعد سقوط بغداد ودمشق ففى الماضى القريب ذهب الجيش المصرى إلى الخليج وحارب من أجل تحرير الكويت فما بالكم ببلاد الحرمين ومهبط الوحى منذ قديم الأزل يوجد فى كل قارة أو إقليم ما يسمى بدول المركز تتولى القيادة بسبب إرثها الحضارى وثقلها الجيوسياسى فعلى سبيل المثال فى أوروبا ألمانيا وفرنسا هما الدولتان المركزيتان التى تقودان القارة العجوز فتعد فرنسا هى المركز الثقافى والسياسى أما ألمانيا فهى المركز الاقتصادى والعسكرى وبنفس المنطق تعد مصر والسعودية هما جناحا الأمة العربية لأنهما دولتان من الوزن الاستراتيجى الثقيل.
لا شك أن التوسع الجيوسياسى لكل من طهران وأنقرة على حساب الدول العربية يضر بالمصالح العليا المصرية ضررًا بالغًا وليس خافيا على مبصر أطماعهم فى دول الخليج تحديدا بسبب ثرواتها الهائلة لذلك لا يجب علينا أن نسمح للملالى أو غيرهم بلعب دور شرطى المنطقة والاستفراد بأشقائنا لا سيما بعد أن كشفت خيوط المؤامرة التى لخصها مبعوث ترامب لدول الخليج توم باراك فى تصريح خطير: عليكم أن تعتمدوا على أنفسكم، لأن زمن الحماية الأمريكية قد انتهى، هذا ليس تخليا عن دول الخليج ولكن إعادة تموضع وهو أشبه بعملية تربية المراهق كى يعتمد على نفسه. نحن لن نرحل ولكننا لن نسيطر ولن نحمى أحدا. وفى هكذا موقف مضطرب نستذكر مقولة الشيخ الحكيم عبدالعزيز آل سعود «لا غنى لمصر عن العرب ولا غنى للعرب عن مصر».
قدر «الطعمية والكبسة» أن يجمعهما مركب واحدة تبحر فى بحر لجى متلاطم الأمواج لكن بفضل الله ورحمته والاعتصام بحبله سوف ينجيان رغم أنف الماكرين.