بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

لماذا يحترق العالم ويدفع الأبرياء الثمن؟

لماذا كل هذه الحروب؟ ولماذا كل هذا الفساد والخراب؟ وإلى متى يظل الأبرياء يدفعون ثمن صراعات لم يختاروها، وأطماع لا ذنب لهم فيها؟
رغم ما حققه الإنسان من تقدم علمي وتكنولوجي هائل، ورغم قدرته على اختراق الفضاء وصناعة أدوات تغير وجه الحياة، لا يزال عاجزًا في أماكن كثيرة عن ضمان أبسط حقوق البشر، أن يعيشوا في أمان، وأن ينعم أطفالهم بطفولة لا يطاردها الخوف، وأن يحتفظوا بأحلامهم بعيدًا عن مشاهد الدمار والفقد.
لماذا كل هذه الحروب؟
لأن صراعات المصالح والقوة والنفوذ، والرغبة في السيطرة، قد تدفع بعض الأطراف إلى التضحية بأرواح البشر ومستقبل الشعوب من أجل مكاسب سياسية أو اقتصادية أو استراتيجية، وفي خضم هذه الصراعات، يصبح الأبرياء هم الخاسر الأكبر؛ يفقدون بيوتهم وأحباءهم وأمانهم، ويدفعون ثمن قرارات لم يشاركوا في صنعها.
ولماذا كل هذا الفساد والخراب؟
لأن الفساد يجد طريقه عندما تغيب المحاسبة، وتضعف العدالة، وتتحول السلطة من مسؤولية إلى امتياز، ويصبح الصمت أحيانًا أكثر أمانًا من قول الحقيقة، ولأن بعض البشر ينسون أن الثروة لا تبرر الظلم، وأن النفوذ لا يمنح صاحبه الحق في انتهاك كرامة الآخرين أو سرقة مستقبلهم.
لكن الأخطر من انتشار الفساد أن يصبح مألوفًا، وأن يفقد الناس ثقتهم في إمكانية تغييره، وأن تتحول العدالة من حق أصيل إلى أمنية بعيدة المنال، فالمجتمعات لا تخسر مواردها وحقوقها فقط عندما ينتشر الفساد، بل تخسر أيضًا الثقة التي تقوم عليها العلاقة بين الإنسان ومؤسساته.
وإلى متى؟
لا توجد إجابة صادقة تحدد موعدًا تنتهي فيه الحروب أو يختفي فيه الفساد، لكن استمرار الأزمات لا يعني أن الاستسلام قدر محتوم، فالتغيير ممكن عندما يصبح الوعي قوة مجتمعية، وسيادة القانون مبدأ لا يستثني أحدًا، والمحاسبة ضمانة لحماية الحقوق، والكرامة الإنسانية قيمة لا تخضع للمساومة.
ولا يكفي أن نتمنى السلام؛ بل يجب أن يصبح واقعًا تحميه القوانين، وتدعمه المؤسسات، وترسخه ثقافة ترفض تحويل الإنسان إلى رقم في نشرات الأخبار، فالسلام الحقيقي لا يتحقق بمجرد توقف إطلاق النار، وإنما يبدأ عندما تتوافر العدالة، ويشعر الإنسان بالأمان، ويجد كل طفل فرصة عادلة للحياة.

وما يؤلم حقًا أن الإنسان استطاع الوصول إلى الفضاء وتطوير تقنيات غيرت ملامح العالم، لكنه لا يزال عاجزًا في مناطق كثيرة عن حماية طفل من الجوع أو الخوف أو التشرد، لقد تقدم في صناعة القوة، لكنه لم ينجح بعد في جعل الرحمة والعدالة أساسًا ثابتًا لإدارة خلافاته وصراعاته.
وربما لا تكمن المأساة في وجود الشر وحده، بل في اعتياد مشاهدته، وفي أن تتحول صور الضحايا إلى أخبار عابرة، وأن يصبح الخراب مشهدًا متكررًا لا يثير فينا سوى حزن مؤقت، ثم نمضي في حياتنا كأن شيئًا لم يكن، وعندما يعتاد الإنسان الألم إلى حد التوقف عن التساؤل، يصبح الحفاظ على إنسانيته تحديًا لا يقل أهمية عن مواجهة أسباب ذلك الألم.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نفقد إيماننا بالإنسان؛ فكما يوجد من يشعل الحروب، هناك من ينقذ الأرواح، وكما يوجد من ينهب الأوطان، هناك من يعمل بإخلاص لبنائها، وكما يوجد من يستغل الضعفاء، هناك من يقف إلى جوارهم دفاعًا عن حقهم في الحياة والكرامة.
فالأمل ليس إنكارًا لقسوة الواقع، بل شجاعة مواجهته، والإيمان بقدرة الإنسان على التغيير لا يعني تجاهل أخطائه، بل رفض اعتبارها قدرًا لا يتبدل، تبدأ مقاومة الظلم عندما نرفض تبريره، ويبدأ الإصلاح عندما تصبح المسؤولية أقوى من المصلحة الشخصية، ويصبح احترام القانون واجبًا على الجميع دون استثناء.
إن العالم لا يحتاج إلى مزيد من القوة بقدر ما يحتاج إلى ضمير يحكم القوة، ولا يحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر ما يحتاج إلى عدالة تحمي الإنسان، ولا يحتاج إلى وعود جديدة بقدر ما يحتاج إلى أفعال تمنح الشعوب حقها في الأمن والاستقرار والحياة الكريمة.
وربما يكون السؤال الأهم الذي ينبغي أن يشغلنا ليس فقط، لماذا يحترق العالم؟  وماذا نفعل حتى لا نورث أبناءنا عالمًا أكثر قسوة، وأقل عدلًا، وأفقر في الرحمة؟
إن السلام ليس مجرد غياب الحرب، بل حضور العدالة والأمان والكرامة والأمل، وليس حلمًا ساذجًا، بل مسؤولية مشتركة تتطلب إرادة صادقة، ومحاسبة عادلة، ووعيًا يرفض أن يتحول الظلم إلى أمر مألوف، 
أو أن يصبح الإنسان مجرد ثمن تدفعه صراعات الآخرين.
ومن هذا المنطلق، فليس أخطر على العالم من الحروب التي تحرق أرضه، إلا أن يفقد ضميره، فيعتاد احتراقها، وينسى أن وراء كل خراب إنسانًا كان يحلم بالحياة.