مصر والسعودية
لا يمكن تفسير توجه مصر نحو دعم المملكة العربية السعودية في مواجهتها الراهنة مع الحوثيين باعتباره مجرد تضامن عربي تقليدي، بل ينبغي قراءته في ضوء تداخل اعتبارات الأمن القومي والمصالح الاقتصادية والتحولات المتسارعة في موازين القوى الإقليمية. فقد أعلنت القاهرة تضامنها مع الرياض، بالتزامن مع تصاعد الهجمات الحوثية، وطرح مسألة الحصول على تفويض برلماني يسمح بتقديم دعم عسكري للمملكة، مع تأكيد أن الأولوية هي الدفاع عن الأراضي السعودية وليس شن هجوم على اليمن. ومن المقرر أن يناقش مجلس النواب المصري هذا التفويض في 26 أكتوبر 2026.
يأتي أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب في مقدمة الأسباب التي تدفع مصر إلى هذا الموقف. فالمضيق يمثل ممراً استراتيجياً للتجارة العالمية وحركة السفن المتجهة إلى قناة السويس، وأي اضطراب مستمر فيه ينعكس مباشرة على إيرادات القناة وتدفقات النقد الأجنبي إلى الاقتصاد المصري. وقد تكبدت مصر خسائر كبيرة نتيجة تراجع حركة الملاحة منذ اندلاع الهجمات على السفن عام 2023. ومن ثم، فإن احتواء التهديد الحوثي لا يمثل بالنسبة للقاهرة مسألة تخص الأمن السعودي وحده، وإنما يرتبط بحماية أحد أهم مصادر الدخل القومي المصري.
أما العامل الثاني فيتمثل في الشراكة الاستراتيجية والاقتصادية بين القاهرة والرياض. فالسعودية شريك رئيسي لمصر في الاستثمارات والتمويل والطاقة، كما تستضيف أعداداً كبيرة من العمالة المصرية. ولذلك، فإن استقرار المملكة ينعكس على المصالح الاقتصادية والاجتماعية المصرية، في حين أن تعرضها لهجمات متصاعدة قد يفاقم الاضطرابات الإقليمية ويزيد الضغوط على الاقتصاد المصري. غير أن هذه المصالح لا تعني بالضرورة أن الدعم المصري تحركه اعتبارات مالية فقط، إذ ترتبط أيضاً برؤية أوسع للأمن العربي المشترك.
ويبرز كذلك بُعد التوازنات الإقليمية؛ فالقاهرة لا تنظر إلى تحركات الحوثيين بمعزل عن علاقاتهم بإيران، ولا عن التنافس على النفوذ في البحر الأحمر والجزيرة العربية. وقد ترى مصر أن ترك السعودية تواجه هذه التحديات وحدها يضعف التنسيق العربي ويمنح القوى الإقليمية الأخرى مساحة أكبر للتأثير في أمن المنطقة. لكن ذلك لا يعني أن المواجهة المصرية تستهدف إيران بالضرورة، أو أن القاهرة تسعى إلى توسيع الحرب.
ومع ذلك، يظل التدخل العسكري المباشر محفوفاً بالمخاطر. فالتجربة المصرية في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي أظهرت كلفة الانخراط في صراع داخلي معقد، بينما قد يؤدي أي تصعيد جديد إلى توسيع دائرة المواجهة وتهديد الملاحة. لذلك، تبدو الموازنة بين مساندة السعودية وتجنب حرب مفتوحة تحدياً أساسياً أمام صانع القرار المصري.
في نهاية المطاف، يجمع الموقف المصري بين حماية الأمن القومي، وتأمين المصالح الاقتصادية، والحفاظ على الشراكة مع الرياض. غير أن نجاح هذه السياسة سيعتمد على طبيعة الدعم وحدوده، وعلى قدرة الأطراف المعنية على الجمع بين الردع الدفاعي والتسوية السياسية، بما يحمي أمن السعودية ومصر دون تحويل اليمن إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح.