الإفتاء توضح 6 ضوابط للنصيحة الشرعية
أكدت دار الإفتاء المصرية أن النصيحة الشرعية من مكارم الأخلاق ومقتضيات التناصح بين المسلمين، مشددة على ضرورة الالتزام بآداب وضوابط محددة عند توجيه النصيحة للآخرين، بما يضمن الحفاظ على كرامتهم ويزيد فرص تقبلهم لها.
وأوضحت الدار، في فتوى لها، أن نصح الأخ الأصغر بعدم رفع صوته على أخيه الأكبر سنًّا يُعد من محاسن الأخلاق، بشرط أن تُقدَّم النصيحة بإخلاص ولطف، وأن تُراعى فيها خصوصية المنصوح ومكانته، وألا تتحول إلى وسيلة للتعيير أو التجريح، مع تجنب أي ضرر معتبر قد يترتب عليها.
النصيحة من دعائم الألفة وصلاح المجتمع
أوضحت دار الإفتاء أن النصيحة تحتل منزلة رفيعة في الشريعة الإسلامية، إذ تُعد من أهم أسباب الألفة ووحدة الصف وإصلاح العلاقات بين الناس، كما تسهم في تقويم السلوك وتدارك الأخطاء والوقاية من أسباب الخلاف والفتن.
واستشهدت الدار بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، وهو الحديث الذي رواه الإمام مسلم، بما يبرز المكانة الكبيرة للنصيحة في الإسلام.
كما استدلت بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بيان حقوق المسلم على أخيه: «وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ»، مؤكدة أن النصيحة تقوم على إرادة الخير للآخرين، ومساعدتهم على إصلاح أحوالهم في أمور الدين والدنيا.
ما حكم نصح المسلم لأخيه؟
بيّنت دار الإفتاء أن العلماء اختلفوا في حكم نصح المسلم لأخيه؛ فذهب فريق إلى وجوب النصيحة عند وجود موجبها، سواء طلبها الشخص أم لم يطلبها، مع اختلافهم في كونها فرض عين أو فرض كفاية.
وذهب فريق آخر إلى التفريق بين النصيحة التي يقدمها المسلم ابتداءً، وتلك التي يطلبها منه أخوه؛ فرأى أن النصيحة ابتداءً قد تكون مندوبة، بينما تتأكد أو تجب عند طلبها بحسب الحال والقدرة.
وأكدت الفتوى أن النصيحة ليست مقتصرة على شؤون الدين وحدها، بل تشمل مختلف جوانب الحياة، متى كان المقصود منها تحقيق الخير والإصلاح، مع مراعاة الضوابط الشرعية التي تمنع تحولها إلى سبب للخصومة أو الإضرار بالآخرين.
6 ضوابط للنصيحة الشرعية
حددت دار الإفتاء مجموعة من الآداب التي ينبغي مراعاتها عند تقديم النصيحة، حتى تحقق الغرض منها وتكون أقرب إلى القبول والاستجابة، وتتمثل في الآتي:
1- إخلاص النية لله تعالى
ينبغي أن تكون النصيحة خالصة لوجه الله سبحانه وتعالى، وأن يقصد بها الناصح نفع الشخص الذي ينصحه وإرشاده إلى ما فيه صلاح دينه ودنياه، بعيدًا عن الرغبة في الظهور أو التشفي أو الانتصار للنفس.
واستدلت الفتوى بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، وهو ما يؤكد أهمية إخلاص القصد في الأقوال والأعمال.
2- تقديم النصيحة سرًّا بعيدًا عن الناس
أكدت دار الإفتاء أن الأصل في النصيحة أن تُقدَّم سرًّا، بعيدًا عن أعين الناس، حفاظًا على كرامة المنصوح ومكانته، وتجنبًا لإحراجه أو كشف أخطائه أمام الآخرين.
وأشارت إلى أن نصح الإنسان على انفراد يجعله أكثر استعدادًا للاستماع والتفكير في مضمون النصيحة، بخلاف توجيه اللوم إليه علنًا، بما قد يدفعه إلى الرفض أو الدفاع عن نفسه.
3- استخدام الأسلوب اللطيف وغير المباشر
من آداب النصيحة أن تُقدَّم بأسلوب مهذب، مع تفضيل التلميح غير المباشر متى كان كافيًا لإيصال المعنى، بدلًا من المواجهة الصريحة التي قد تسبب الحرج.
أما إذا لم يفهم الشخص المقصود من التلميح، أو لم يحقق الغرض المطلوب، فيجوز التصريح بما تدعو إليه الحاجة، مع تجنب القسوة والإهانة.
وأشارت الفتوى إلى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يستخدم أحيانًا أسلوب التنبيه العام إلى الخطأ دون تسمية صاحبه، بما يحفظ كرامة المخطئ ويحقق المقصود من الإصلاح.
4- الرفق والأدب وتجنب التجريح
شددت دار الإفتاء على ضرورة تقديم النصيحة بلطف ورفق، واختيار الكلمات المناسبة لحال الشخص ومكانته، مع الابتعاد عن التوبيخ المهين أو التعيير أو التقليل من شأنه.
واستشهدت بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ»، رواه الإمام مسلم.
وأكدت أن الهدف من النصيحة ليس مجرد إظهار الخطأ، وإنما مساعدة الشخص على تصحيحه، وهو ما يجعل الرفق وحسن اختيار الألفاظ من أهم عوامل نجاحها.
5- عدم اشتراط قبول النصيحة
أوضحت الفتوى أن مسؤولية الناصح تتمثل في بيان ما يراه صوابًا وتقديم النصيحة بالأسلوب المناسب، وليس إجبار الشخص الآخر على قبولها أو العمل بها.
فقد يستجيب المنصوح للنصيحة فورًا، وقد يحتاج إلى وقت للتفكير فيها، وربما لا يستجيب لها؛ وفي جميع الأحوال ينبغي للناصح ألا يجعل قبول كلامه شرطًا لتقديم النصيحة، وألا يحولها إلى وسيلة للضغط أو فرض الرأي.
6- تجنب الضرر المترتب على النصيحة
أكدت دار الإفتاء ضرورة ألا يترتب على النصيحة ضرر معتبر شرعًا يصيب الناصح أو المنصوح، سواء في الوقت الحاضر أو المستقبل.
فإذا غلب على ظن الناصح أن تقديم النصيحة سيؤدي إلى مفسدة أكبر من المصلحة المرجوة، أو سيتسبب في أذى معتبر، وجب عليه مراعاة هذه العواقب وتقدير الموقف قبل الإقدام عليها.
واستدلت الفتوى بالقاعدة النبوية: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»، التي تُعد من القواعد المهمة في مراعاة المصالح ومنع الأذى.