تحويل مدخرات العاملين إلى قوة داعمة للاقتصاد
238,2 مليار جنيه أصول صناديق التأمين الخاصة
توجيه استثمارات الصناديق نحو الإنتاج يعزز الاقتصاد ويحافظ على مدخرات 4,2 مليون عضو
تبرز صناديق التأمين الخاصة كأحد روافد الادخار طويل الأجل فى الاقتصاد المصري، ليس فقط لدورها فى تأمين مستحقات العاملين وأسرهم، وإنما أيضًا باعتبارها قوة استثمارية قادرة على توجيه مليارات الجنيهات إلى قنوات التمويل المختلفة.
وكشفت بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية عن ارتفاع أصول صناديق التأمين الخاصة إلى 238.2 مليار جنيه بنهاية عام 2025، مقابل 195.7 مليار جنيه فى العام السابق، فيما قفزت استثماراتها إلى 210.9 مليار جنيه، محققة نموًا بنسبة 25.5%، وصعد صافى عائد الاستثمارات إلى 40.6 مليار جنيه، بزيادة 28.9%، فى مؤشرات تعكس تنامى حجم الأموال التى تديرها هذه الصناديق وأهميتها فى المنظومة المالية.
لكن وراء هذه المؤشرات الإيجابية، يبرز تساؤل حول مدى قدرة الصناديق على تحقيق التوازن بين تعظيم العائد والحفاظ على أموال الأعضاء، وبين الوفاء بالمزايا التأمينية المستحقة بما يساعد على مواجهة تغيرات تكاليف المعيشة. كما يفتح تركز جانب كبير من الاستثمارات فى الأوراق المضمونة من الحكومة والودائع والشهادات المصرفية باب النقاش حول فرص تنويع المحافظ الاستثمارية وتعزيز مساهمة هذه المدخرات فى تمويل الأنشطة الإنتاجية، دون الإخلال بمتطلبات الأمان والسيولة.

أكد أحمد إبراهيم، الخبير التأميني، على أن صناديق التأمين الخاصة تمثل إحدى الأدوات المهمة لتعزيز الحماية المالية والاجتماعية للعاملين، من خلال تجميع مدخراتهم على مدار سنوات العمل وتوظيفها استثماريًا لتوفير مزايا مالية عند التقاعد أو تحقق الحالات التأمينية المحددة بلائحة كل صندوق.
وأوضح أن ارتفاع إجمالى أصول صناديق التأمين الخاصة إلى 238.2 مليار جنيه بنهاية عام 2025، بمعدل نمو بلغ 21.7%، يعكس تنامى القاعدة المالية لهذه المنظومة، فيما يعكس وصول عدد الأعضاء إلى نحو 4.21 مليون عضو مدى أهميتها لشريحة واسعة من العاملين وأسرهم.
وأضاف أن تقييم أداء هذه الصناديق لا ينبغى أن يقتصر على حجم الأصول أو معدلات نمو الاستثمارات، بل يجب أن يمتد إلى مدى قدرتها على الحفاظ على القوة الشرائية لمدخرات الأعضاء، والوفاء بالتزاماتها المستقبلية.
وأشار «إبراهيم» إلى أن صافى عائد استثمارات الصناديق ارتفع إلى 40.6 مليار جنيه خلال عام 2025، مقابل 31.4 مليار جنيه فى العام السابق، بمعدل نمو بلغ 28.9%، فى حين ارتفعت المزايا التأمينية المسددة إلى 20 مليار جنيه، مقابل 17.9 مليار جنيه، بنسبة نمو 11.7%.
ولفت إلى أن اختلاف معدلات النمو بين عوائد الاستثمار والمزايا التأمينية المسددة لا يعنى بالضرورة وجود أموال فائضة أو قصور فى استفادة الأعضاء، إذ يعكس كل مؤشر جانبًا مختلفًا من النشاط المالى للصناديق.
وشدد على أن ارتفاع العوائد الاستثمارية لا يؤدى تلقائيًا إلى زيادة مستحقات العاملين عند التقاعد، إذ يتوقف ذلك على المركز المالى لكل صندوق، وحجم التزاماته الحالية والمستقبلية، ونتائج الدراسات الاكتوارية، والقواعد المنظمة لاحتساب المزايا وتعديلها.
وفيما يتعلق بالتوازن بين العائد والمخاطر، أوضح الخبير التأمينى أن تحقيق عوائد مناسبة يتطلب اتباع سياسات استثمارية منضبطة تقوم على تنويع المحافظ، ومراعاة مستويات المخاطر والسيولة.
وأضاف أن بيانات عام 2025 أظهرت تركز جانب كبير من استثمارات الصناديق فى الأوراق المالية المضمونة من الحكومة، بقيمة 88.27 مليار جنيه، والودائع وشهادات الادخار والحسابات الاستثمارية، بقيمة 88.05 مليار جنيه، مقابل 4.46 مليار جنيه فى الأسهم المتداولة بالبورصة المصرية.
وأوضح أن أبرز المخاطر التى تواجه الصناديق تتمثل فى التضخم، وتقلبات أسعار الفائدة، ومخاطر الائتمان، وتقلبات أسواق المال والحد من هذه المخاطر لا بد من تعزيز الحوكمة والرقابة الداخلية، وإجراء اختبارات دورية لقياس قدرة الصناديق على مواجهة السيناريوهات الاقتصادية المختلفة، ومراجعة الالتزامات المستقبلية، والاستعانة بالدراسات الاكتوارية لتقييم مدى كفاية الموارد المتاحة.

ومن ناحية أخرى، أكدت نهى أحمد سلامة، الخبيرة الاقتصادية، أن صناديق التأمين الخاصة تمتلك فرصة لتعزيز مساهمتها فى تمويل الاقتصاد الإنتاجي، فى ضوء وصول استثماراتها إلى 210.9 مليار جنيه بنهاية عام 2025، مع ضرورة تحقيق التوازن بين توجيه المدخرات إلى الأنشطة الاقتصادية المنتجة والحفاظ على حقوق الأعضاء وقدرة الصناديق على الوفاء بالتزاماتها المستقبلية.
وأضافت أن تطوير هيكل الاستثمار يمكن أن يتم من خلال التوسع المدروس فى أدوات الدين المرتبطة بالشركات والقطاعات الإنتاجية، إلى جانب سندات وصكوك تمويل البنية التحتية والمشروعات الخضراء، فضلًا عن الاستثمار غير المباشر عبر صناديق استثمار متخصصة يديرها محترفون، بما يتيح توجيه جانب أكبر من المدخرات إلى الأنشطة الاقتصادية دون تحميل الصناديق أعباء الإدارة المباشرة للمشروعات أو مخاطر غير محسوبة.
وأشارت إلى أن استثمارات الصناديق فى الأسهم المتداولة بالبورصة المصرية بلغت 4.46 مليار جنيه بنهاية 2025، وهو ما يفتح المجال لدراسة فرص التنويع الاستثماري، وفقًا لطبيعة التزامات كل صندوق ومستوى المخاطر المقبول لديه، مؤكدة أن زيادة الاستثمار فى الأصول الإنتاجية يجب أن تتم تدريجيًا وبناءً على دراسات مالية واكتوارية واضحة.
وشددت «سلامة» على أهمية قياس العائد الحقيقى للاستثمارات بعد خصم التضخم، حيث ارتفع صافى عائد استثمارات الصناديق إلى 40.6 مليار جنيه خلال عام 2025، بمعدل نمو 28.9%، إلا أن تقييم كفاءة هذا الأداء يتطلب مقارنته بمعدل التضخم خلال الفترة نفسها،
وأوضحت أن إدارة المخاطر تتطلب كذلك تنويع المحافظ الاستثمارية، وتقييم الجدارة الائتمانية للجهات المصدرة لأدوات الدين، ووضع حدود مناسبة للتركيز الاستثماري، إلى جانب إجراء اختبارات تحمل لقياس قدرة الصناديق على مواجهة التراجعات الحادة فى الأسواق.
وأضافت أن التحدى الرئيسى يتمثل فى بناء سياسة استثمارية تحقق ثلاثة أهداف متكاملة هى الحفاظ على أموال الأعضاء، وتحقيق عائد حقيقى مستدام، وتعزيز مساهمة المدخرات طويلة الأجل فى النشاط الإنتاجي، بما يحقق التوازن بين الحماية التأمينية والتنمية الاقتصادية.